بعدما رعى أربعة مشرّعين أمريكيين مشروع قانون يهدف إلى فرض حظر على مبيعات الأسلحة إلى السعودية، مستخدمين الحرب في اليمن وإلحاق الضرر بالأمن القومي الأمريكي كذريعتين تبريريتين لموقفهم، فنّد الباحث منصور المرزوقي ثلاث نقاط تظهر مغالطاتهم السياسية والأمنية في مقال ضمن مجلة ناشونال إنترست الأمريكية. صارت آلية القرار السريعة داخل السعودية، تقوم على المبادرة والفعل عوضاً عن ردّ الفعل وتطرّق الباحث في نقاطه الثلاث إلى الدور العسكري السعودي في اليمن القائم على تجنب قصف المدنيين بكل الطرق الممكنة، بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية التي تساهم بتوفيرها. ثمّ ينتقل للإضاءة على الإطار العام الذي يدفع السعودية كي تتخذ القرارات الحاسمة على الصعيد الإقليمي، قبل أن يهتمّ أيضاً بمسألة مهمة للسعوديين وهي الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية ووحدة قرارها. السعودية تجهد في حماية مدنيي اليمن المرزوقي، وهو باحث متخصّص بالشؤون السعودية في معهد ليون للعلوم السياسية، رأى أنّ السعودية لم تُعطَ التقدير اللازم على مستوى التزامها بحماية المدنيين في اليمن كما على مستوى توفير المساعدات الإنسانية وإيصالها إلى هناك. ويذكر الكاتب أنّ السعودية "تبذل جهوداً جدية" لتقليص عدد الضحايا، وهذا يظهر من خلال "التقدم البطيء" للقوات اليمنية الحكومية، لأن التحالف العربي يريد تفادي وقوع الإصابات بين المدنيين. "وهذا هو السبب وراء عدم شن العديد من العمليات ضد الميليشيات الحوثية وقوات صالح المدعومة إيرانياً". وللمملكة دورها الإنساني أيضاً ويستشهد المرزوقي بأرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين كي يشير إلى أن السعودية اِستقبلت 41 ألف لاجئ يمني، حيث مُنحوا الحق الكامل بالوصول إلى المرافق الصحية والعلمية بالإضافة إلى سوق العمل في البلاد. وكذلك هو الوضع بالنسبة إلى نصف مليون سوري يعيشون الآن في المملكة، مع إشارة المرزوقي إلى أنّ اليمنيين والسوريين لا يُوصفون على أنّهم "لاجئون" بل "زوّار". ونقل أيضاً عن السعودية إعلانها مؤخراً عن تسجيل 285000 طالب يمني في المدارس الرسمية في البلاد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى 141000 سوري. ومن بين 730 مليون دولار من المساعدات الإنسانية التي وصلت إلى اليمن سنة 2015، ساهمت السعودية ب 34.6% منها (253.1 مليون دولار). سياسات أمريكا وخلق الفراغ وينتقل الباحث ليبيّن كيفيّة تجاهل المشروع للإطار الاِستراتيجي الدولي والإقليمي والداخلي الذي قاد المملكة إلى تشكيل التحالف الدولي والتدخل في اليمن. فسياسات أمريكا خلقت فراغاً في الشرق الأوسط، لذلك شعر السعوديون بأن لا حلّ أمامهم إلا بأخذ الأمور على عاتقهم في وقت يرى حلفاء أمريكا أن واشنطن لم تعد حليفاً يمكن الاِعتماد عليه. فالتوسع الإيراني داخل المنطقة، بات واضحاً، خصوصاً عبر وكلاء ليسوا بدول، كعصائب أهل الحق في العراق، وحزب الله في لبنان، وخلية العبدلي في الكويت بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن. ليس لدى إيران إلا اللعبة الطائفية أرادت طهران أن تتكل على الطائفية كأداة لها للتأثير على سلوك الوكلاء، بحسب الباحث الذي لم يرَ أي مصادفة في كون جميع تلك الميليشيات شيعية الانتماء. كما تلعب إيران على الوتر الطائفي وإضعاف الحكومات المركزية، الأمر الذي يهدد وحدة أراضي العالم العربي وبالتحديد المملكة السعودية. فإيران تحجّم الدول القومية العربية إلى مذاهب: سنّة وشيعة. ويشدّد المرزوقي أنّ هذا التقسيم يسمح لإيران بامتلاك تأثير في الداخل السياسي للدول العربية وتالياً تأثير على سياساتها الخارجية أيضاً. "وبعض الحكومات الغربية أصبح، بشكل غير واعٍ وكيلاً ناشطاً في خدمة التوسع الإيراني". ويؤكد الباحث أنه بالنسبة إلى العرب، ليس تحجيم الغرب للعالم العربي إلى مذاهب سنية فقط، إلا "سايكس- بيكو آخر". قيادة من الجيل الثالث ويشرح المرزوقي المستوى السياسي في إطار النظرة تجاه السعودية. إذ إنّ مجيء الجيل الثالث من النخب الملكية إلى مراكز القيادة، حوّل التقاسم الأفقي للسلطة والذي كان يتطلب مشاورات لا نهاية لها، إلى سلطة قرار عَمودية تقوم على ثلاثة مرتكزات: وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والحرس الوطني. وبذلك صارت آلية القرار السريعة داخل السعودية، تقوم على المبادرة والفعل عوضاً عن ردّ الفعل. المملكة جنبت اليمن مصير العراق ويركّز الباحث على أن المملكة أضحت خط الدفاع الأوّل عن أمنها الخاص، بعد الفراغ في الشرق الأوسط والتوسع الإيراني في المنطقة، لأن التعاون مع أمريكا أصبح مبنياً على تبادلات قصيرة المدى، ومفاوضات قابلة للتجديد. ولذلك، بنت الرياض التحالف العربي للتدخل في اليمن. وأهمّ سبب وراء ذلك، كان حرص العرب على تلافي أن تصبح الدولة اليمنية عراقاً آخر حيث تقبع سيادته في طهران لا في بغداد. سبّاقون في محاربة القاعدة أمّا عن حجة رعاة المشروع بشأن الضرر الذي ألحقه التحالف العربي بالأمن القومي الأمريكي لأنه يؤذي المصداقية الأمريكية في المنطقة ولأنه لا يحارب القاعدة، فكان جواب المرزوقي حاسماً. ذكّر أولاً بأن دول التحالف حاربت القاعدة منذ سنة 1996. وذكّر أيضاً بأنّ تنظيم القاعدة في اليمن كاد ينجح باغتيال ولي العهد السعودي الحالي الأمير محمّد بن نايف. من هنا يشدد الباحث على أنّ التحالف لا يحارب القاعدة في اليمن وحسب، بل في كل مكان، مشيداً بالجهد السعودي الذي أحبط هجمات عديدة ضدّ أهداف أمريكية وبريطانية وفرنسية وألمانية. شرطان للنجاح في محاربة الإرهاب ويكتب المرزوقي عن ضرورة تحقق شرطين لتأمين النجاح في الحرب ضد القاعدة: وجود حكومة مركزية وهيكلية دولة فعالة. لكن لا يمكن تحقق هذين الشرطين بوجود قوات صالح والمليشيات الحوثية. فمحاربة الحوثي تبدأ بتحول أتباعه إلى حزب سياسي وقبول صالح بالمسار السياسي الجامع. لذلك، يشير الباحث إلى أنّ التحالف العربي دعم بشدة حلاً سياسياً مبنياً على هذين الشرطين، كما بدا واضحاً في مبادرة الخليج والمفاوضات التي حصلت في الكويت ودعم القرار 2216 بالإضافة إلى محاولات لوقف إطلاق النار. رمز للحضارتين العربية والإسلامية لا يأتي دعم العالمين العربي والإسلامي للرياض بسبب مصداقيتها واستقرارها فقط، بل لكونها أيضاً قوة رمزية لولادة الحضارتين العربية والإسلامية بالإضافة إلى قوتها العسكرية والااقتصادية والدولية. وأضاف المرزوقي أنّ أكثر من مليار مؤمن حول العالم يديرون وجوههم إلى أراضي المملكة خمس مرّات في اليوم الواحد. بعد التشديد على محورية الدور السعودي وأهميته، يعاود المرزوقي التأكيد على أنّ حظر بيع الأسلحة إلى المملكة سيؤدي إلى تعريض التوازن الحالي الذي تحافظ عليه السعودية مع حلفائها لخطر كبير، لكنه يرى أن الأمر نفسه سينطبق أيضاً على مصالح أمريكا وأمنها القومي.