"الحوثيون في قلب المعادلة الإقليمية.. من جماعة محلية إلى لاعب يفرض توازنات جديدة في المنطقة"    مخطط بريطاني لإسقاط عدن عسكرياً.. "الكثيري" يحذر من مؤامرة دمج القوات الجنوبية وإعادة أدوات الفوضى    وضاح الجنوب والموقف المطلوب..!!    خذلان متكرر وصفعة لدماء الشهداء.. "الديني" يهاجم ارتماء "فادي" في أحضان خصوم مشروع الجنوب    ارتفاع جنوني للمشتقات النفطية في عدن    لبنان يحتفل بعد سريان الهدنة    سياسي أنصار الله يبارك الانتصار التاريخي للبنان    حاسوب عملاق يتوقع الفائز بدوري الأبطال    القائم بأعمال رئيس هيئة مكافحة الفساد يتفقد عددًا من المراكز الصيفية بعمران    بين قضية جنوب أو لا جنوب.. القاضي يهاجم تجار السياسة وبسطات النضال الرخيص    دعوة من روح لم تمت.. وطن يئن تحت الركام    سفراء الراية البيضاء يوجهون دعوة للسفير اليمني لدى السعودية لمساندتهم في إعادة فتح منفذ حدودي    سفراء الراية البيضاء يوجهون دعوة للسفير اليمني لدى السعودية لمساندتهم في إعادة فتح منفذ حدودي    سفراء الراية البيضاء يوجهون دعوة للسفير اليمني لدى السعودية لمساندتهم في إعادة فتح منفذ حدودي    مباحثات يمنية مع صندوق النقد العربي لدعم برنامج الإصلاحات الاقتصادية    حزب الله: سلسلة عمليات صاروخية ومسيرات ردًّا على خروقات إسرائيلية    عودة قيادي أمني متهم بانتهاكات حقوقية إلى عدن    عاجل: شركة النفط اليمنية ترفع أسعار الديزل والبترول ألى ما يقارب 30 ألف ريال للدبة    الفريق السامعي يدعو لتحالف إسلامي خماسي لتحقيق التوازن الاستراتيجي    اقتصاد الجبايات.. كيف حولت مليشيا الحوثي إب إلى اقتصاد مواز؟    الكتابةُ في زمنِ الضجيج.    العثور على جثماني شقيقين فقدا أثناء رحلة صيد بين شبوة وأبين    اللواء البحسني: قطاع الطرق شريان الحياة وإنهاء المعاناة.. دروس من تحرير ساحل حضرموت    أزمة وقود خانقة تجتاح حضرموت وسط دعوات لاحتجاجات غاضبة    العثور على الغريق الثاني عمر العظمي.. وغضب واسع من غياب دور سلطة شبوة في الفاجعة    الرئيس: الشراكة مع السعودية ضمانة أساسية لاستكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية    إب.. العفو في ساحة الإعدام عن مدان قضى أكثر من ربع قرن خلف القضبان    تفاؤل حذر بقرب انتهاء "حرب إيران" ووساطة باكستانية لفك عقدة الملف النووي    وزارة الشباب والرياضة تمنح إدارة نادي المجد في ابين التصريح النهائي    حين تصبح الأغنية ملاذاً من ضجيج العالم.. اغترابٌ يكسرهُ لطفٌ عابر    انتعاش أسعار الذهب والمعادن النفيسة عالمياً    دعوات لتشكيل لجنة طوارئ للتخفيف من تداعيات الحرب    تصعيد خطير: "جبهة النصرة" تلوّح بالتمدد إلى جنوب اليمن عبر فيديو جديد وتحذيرات من عودة دامية للإرهاب في عدن وحضرموت    ريال مدريد يودع دوري أبطال أوروبا بعد ملحمة بايرن ميونخ    رئيس إعلامية الإصلاح يعزي في وفاة الفنان عبد الرحمن الحداد    حضرموت.. مقتل ضابط واصابة جنود من قوات درع الوطن في كمين مسلح    بَصِيرةُ الأرواح: لغة ما وراء الكلمات    "الكازمية" من رسالة التعيين إلى طموح التمكين    وكالة: مقترح إيراني لتأمين الملاحة في مضيق هرمز    صنعاء.. الخارجية تعلق على إحاطة المبعوث الأممي الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي    عدن.. أكثر من 1200 ضحية خلفتها أكثر من ألف حادث سير خلال ثلاثة أشهر    بايرن ميونخ وأرسنال لنصف نهائي دوري أبطال أوروبا    ندوة بصنعاء حول دور التخطيط الحضري في صون وحماية المواقع الأثرية    المسجد الكبير في بنت جبيل: ذاكرة بلدة يهدمها الاحتلال ولا يمحوها    صحة وادي حضرموت تعلن تسجيل 5 وفيات و150 إصابة بالحصبة حتى منتصف أبريل    يا لقُبْحِ من يمثلون الحكومة اليمنية    وفاة فنان يمني شهير في العاصمة المصرية القاهرة    برشلونة يودع دوري أبطال أوروبا رغم الفوز على أتلتيكو مدريد    دواء روسي ضد سرطان الدم والعلاج مجاني    بين باب الثقة وباب الغدر    أسبوعان بلا سوشيال ميديا.. صحة أفضل وتركيز أعلى    علامة خفية: هل ينبئ فقر الدم لدى البالغين بالإصابة بالسرطان؟    تجليات النصر الإلهي    الأوقاف تعلن بدء إصدار تأشيرات الحج    داخلية الاحتلال الأجنبي في المكلا تلاحق 3 من قيادات انتقالي حضرموت (وثيقة)    الصبيحي وعدن: قصة وفاء كتبت بالدم والأسر    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفنان الكبير/ محمد عبده زيدي السيناريو الدرامي والمضمون الجمالي للأثر الموسيقي في اغانيه
نشر في عدن الغد يوم 30 - 03 - 2020


بقلم الفنان/ عصام خليدي
حملت مدينة عدن على جنباتها منذ مطلع القرن الماضي مشروعاً غنائياً موسيقياً كان نقطة تحول وإنقلاباً فنياً في مسار هيكل قوام بنية الأغنية اليمنية من النمط التقليدي المتداول والمعهود إلى مرحلة جديدة تميزت بإشتغالاتها الجادة والمدروسة ذلك بخلق أشكال غنائية جديدة وقوالب موسيقية حديثة أستندت على الطابع العلمي المنهاجي وتمردت بوعي ودراية على شكلها السائد والمعروف في ذلك الوقت،فقد أستطاع جيل الريادة من الفنانين تأسيس وبناء قوالب وأشكال موسيقية غنائية (حديثة) جمعت بين الأصالة والمعاصرة والتجديد وسميت فيما بعد بما يعرف بالغناء الحديث الذي تجاوز بقيمته الفنية ومستواه الراقي المتطور كل ما كان سائداً وموجوداً في تلك الحقبة الزمنية فأصبحت الأغنية العدنية بلونها وبثوبها وحلتها الغنائية الموسيقية الجديدة والغناء الحديث وجهين لعملة واحدة، وكان من أبرز روادها ومؤسسيها الفنانون الكبار: خليل محمد خليل ، يحيى مكي ، سالم بامدهف ، إسكندر ثابت، أحمد قاسم، المرشدي ،محمد سعد عبدالله ،محمد عبده زيدي، وآخرون..
وفي واقع الأمر أتسمت تجليات الغناء الحديث بروئ وأفكار ومحاور فنية متعددة وأصبحت قاسماً مشتركاً حرص بالإشتغال عليه غنائياً وموسيقياً كل جيل الريادة ،إضافة لذلك الهاجس الإبداعي الرائع والعام في الإنشغال الفكري بالحداثة والتجديد، وكانت كل هذه الأفكار الغنائية و الموسيقية في ذلك الوقت تنضوي تحت شعار ومفهوم اللون العدني أو الأغنية العدنية لأسباب متداخلة متشعبة سياسية/ ثقافية/ إقتصادية/ إجتماعية/ وجغرافية..لسنا بصدد شرحها في هذا المقام إلا أنها في حقيقة الأمر قدمت للغناء اليمني مستوى عالياً وراقياً ومتطوراً في أسلوب صياغة الجملة الغنائية الموسيقية أرتقى بذائقة المستمع في الداخل والخارج بشكل عام،وكان لمدينة عدن السبق الإبداعي الحضاري والإنساني.
كان لكل واحداً من الفنانين الرواد طريقته الخاصة ومدرسته المستقلة المتفردة عن زملائه الفنانين الآخرين، جعلت له ملامحاً وإستقلالية تميزت بها تجربته الغنائية والموسيقية بتعامله وتعاطيه مع (التجديد والحداثة) بأدواته الفنية الخاصة وأسلوبه ونهجه المتميز في صياغة نتاجاته الإبداعية،وقد سبق وأن تحدثنا في مواضيع عديدة نشرت تباعاً بالصحف وأشرنا بالتفصيل إلى ما يميز كل تجربة من التجارب عن غيرها..
نحن اليوم نقف أمام (تجربة فنان شامل ملتزم في غاية الأهمية ) حمل على عاتقه مهمة تغيير أسلوب الغناء اليمني من الغناء (التطريبي) إلى أسلوب جديد عُرف بمسمى الغناء (التعبيري) ،فقد كان الغناء اليمني حينها يعتمد على قوة الصوت والأداء الذي يستند على السلطنة والتطريب وحرفية الصوت بزخرفاته وعُربه وحلياته أثناء الأداء وهو ما عُرف بالغناء التطريبي،أما الغناء التعبيري يختلف تماماً عن سابقه إختلافا جدرياً إذ أن الغناء التعبيري يعتمد على رقة الصوت ودقة التصوير والتعبير الذي يجسد المعاني بإحساس قوي مصحوباً بأداء هادئٍ عميقٍ راكزٍ للفنان دون تكلف أو إفتعال..
فإذا أستمعنا إلى الحان وأعمال الفنان الرائع محمد عبده زيدي سنجدها عبارة عن قصة وسيناريو غنائي موسيقي ( يُقرأ بالأذن ) يحمل دلالات نغمية درامية مكثفة، مما يضع (الفنان الزيدي) في مصاف الملحنين القلائل الذين يمنحون الكلمة والأغنية عموماً قدرات تعبيرية تصويرية درامية وإضافات موسيقية نغمية وإيقاعية ودلالات وروئ (إبداعية إستثنائية) تعكس النفس اللحني والمقامي والأبعاد الجمالية لهذا الفنان (العبقري) الذي يُعد ضمن قلة من الملحنين ليس على مستوى اليمن وحدها بل على المستوى العربي الذين ( تبنوا عنصر التصوير والسيناريو الدرامي في المضمون الجمالي للأثر الموسيقي) ،فوق أنه يجمع في تجربته والحانه بين عنصري (التعبيروالتطريب)، والحقيقة أن ما قدمه الراحل محمد عبده زيدي في الغناء اليمني من أغنيات خالدات أتسمت بالعمق والثراء والخصوبة والفرادة والتميز لم يكن معهوداً في سياق تاريخ الغناء اليمني المعاصر إلا بتجربة الأستاذ إسكندر ثابث الذي كان لها السبق والخوض بهذا الأسلوب الموسيقي الغنائي الدرامي الحديث والجديد مع وجود التمايز والخصوصية بين كل من التجربتين.
فالأستاذ محمد عبده زيدي نجد الحانه وموسيقاه تفصح بوضوح عن قدرتة الفائقة وحنكته في تجسيد إنفعالاته وأحاسيسه وخلجاته للتعبير عن مضامين ومعاني النص الغنائي الذي يتعاطاه فيضيف بصوته المتفرد (الهبة الإستثناء) والحانه أبعاداً جمالية وروحية تعطي للنص الغنائي إضافات جمالية زاخرة بالصور والدلالات والجمل الموسيقية الرائعة المتناغمة المتمازجة مع صوتة الدافىء الشجي العميق، فيأخدنا عند سماعنا لأعماله إلى عوالم وفضاءات إبداعية رحبة نطوف بها فنستمع ونشاهد ونتأمل في وقت واحد (لسيناريو موسيقي غنائي بصري) في غاية الروعة والجمال يعتمد على (منهاج القصة المكتوبة بأسلوب نغمي عالي التكنيك )،مع توافر عناصر الدراما التعبيرية التي تتجسد في (البداية / الحبكة / والنهاية )، وإذا أردنا التأكد من صحة ما أشرنا إليه آنفاً علينا العودة إلى أعمال الأستاذ محمد عبده زيدي التي لايمكن الفصل في أغانيه بين المذهب والكوبليهات وإلا حدث خلل في سياق اللحن والأغنية ذلك لأن بناءها المعماري الهندسي الموسيقي الغنائي الدرامي متماسك متسلسل كوحدة فنية مترابطة ،ومن هنا تأتي مصداقية الزيدي وعظمته في تصوير وترجمة معاناته مع الشعراء بكل إقتدار وحرفية و صدق وأمانة دون صنعة أو تكلف في كل حالاته الإبداعية التي قدمها في مشوار حياته الفني ،فبقيت وستظل تلك الاعمال الغنائية راسخة في الذاكرة والضمير والوجدان الرومانسي والعاطفي،بل ونستطيع القول أنها(وشمت في تاريخنا الغنائي اليمني الحديث والمعاصر) ونتذكر في هذا المقام على سبيل المثال لا الحصر أغانية الشهيرة ذائعة الصيت: السعادة / ورأسك / صابر/ غصب عني/ ياحبيب العمر/ أنت لي دايم/ الدودحية/ غزيرالسلى / فقدان/ بتذكره حبك/ ياقلبي كفاية / أحلف بحسنك/ تعال/ جميل الوجه والقامه / القناعة/ الوصية/ لاتتعب نفسك / أيام تمر وتدور / والله بلدنا نورت وغيرها.
رغم العطاء الفني والإنساني الذي قدمه (الزيدي) للوطن وفي أعلى درجاته وتجلياته عاشقاً ومناضلاً غيوراً وأستاذاً معلماً للأجيال،برغم كل ذلك لم ينل مايستحقه من الوفاء والرعاية إلى أن توفاه الله ..
شكل الفنان محمد عبده زيدي ( ثنائية ناجحة) مع الشاعر الجميل مصطفى خضر وقدما (تحفاً وروائع فنية) بالإضافة إلى تعامله مع شعراء آخرين، منهم الأساتذة الأدباء : أحمد الجابري / نزار قباني / لطفي جعفر أمان/ ناصر علوي الحميقاني/ أحمد الحماطي/ عبدالرحمن إبراهيم/ محمد عبدالله بامطرف / فريد بركات/ عبدالله عبد الكريم/ الأمير صالح مهدي العبدلي ..
تعامل الأستاذ محمد عبده زيدي مع المقامات الشرقية الأصيلة في أغنياته ووظفها بإستخدامات أبعادها النغمية بطريقة غير مسبوقة أبرزها المقامات التالية: الراست/ البيات/ الكرد / راحت الأرواح/ السيكا / والحجاز كاركورد، بالإضافة للمقامات الغربية كالماجير / والنهوند ..
كان الفنان محمد عبده زيدي يشغل منصب رئيس قسم الموسيقى في (إذاعة عدن)، إضافة لذلك عمل (مهندساً وضابطاً للصوت) وله بصمات موثقة في كثيرمن التسجيلات الغنائية والفنية التي قدمها لزملائه الفنانين..
قدم ودعم الأستاذ محمد عبده زيدي العديد من الأصوات التي تبناها في الساحة الفنية من المطربين والمطربات أهمها: صباح منصر/ رجاء باسودان / جمال داؤد/ عصام خليدي/ محمد خميس/ ياسين العلس / نجيب سعيد ثابت / كفى عراقي/ منى همشري/ إيمان إبراهيم ..وآخرين..
تأثر الفنان محمد عبده زيدي بالفنان الموسيقار أحمد قاسم في بداية حياته وكان عازفاً للكمان بفرقته التجديدية ثم أرسله (بن قاسم) بعد ذلك للقاهرة لدراسة هندسة الصوت على نفقته الخاصة..
عشق الفنان محمد عبده زيدي تجربة الفنان الكبير عبد الحليم حافظ ومدرسته الموسيقية الغنائية مع الملحنين العظماء: محمد الموجي/ كمال الطويل/ بليغ حمدي، التي تميزت بأسلوب الغناء التعبيري والأداء العميق والصادق وأتذكر أنه إبتدأ حياته كفنان بأغنية (قولي حاجة) التي غناها عبد الحليم حافظ وأشتهر بها كمطرب وقد نجح (الزيدي) أيضاً في هذه الأغنية و قدمها بحفل فني كبير شهد ولادته كمطرب منذ تلك اللحظة، قدم الأستاذ محمد عبده زيدي أعمال موضوعية هادفة ووطنية بأسلوب ومعالجة فنية جديدة وتناول موسيقي متطور وراق..
وثبات فنية متألقة:
ظل عطاء فناننا القدير محمد عبده زيدي متجدداً متدفقاً حتى آخر (رمق في حياته) وبقيت نتاجاته الإبداعية تنبض بالحيوية والحركة منذ بداياته الأولى وكذلك في أعماله الجديدة والحديثة التي قام بتسجيلها مؤخراً للإذاعة والتلفزيون ( العدني ) قبل رحيله ، من هذه الأعمال المتميزة أغنية : لا تتعب نفسك كلمات / لطفي جعفر أمان، وأغنية شكراً لخطابك الأخير كلمات / نزار قباني، بالإضافة لأغنية القناعة كلمات/ ناصر علوي الحميقاني ،وجدير بالإشارة أنه قام بتوثيق وتسجيل كل هذه الأعمال الرائعة في (إذاعة وتلفزيون عدن) رغم ظروفه الصحية الصعبة، كما أتذكر أنه أبدع في أغنية ( القناعة ) التي ُسجلت أيضاً في حفل فني وحفظت في ( مكتبة تلفزيون عدن ).. ولكن للأسف لم نعد نشاهد أعماله الثلاثة الأخيرة التي أشرت إليها آنفاً تُعرض وتبث في ( الفضائية العدنية..؟! ).. والحقيقة أن الزيدي رحمه الله (حقق ما عجز عنه الكثيرون) من الفنانين الأحياء الذين على قيد الحياة ولكنهم (ماتوا فنياً ) منذ زمن طويل ،فعند الإستماع إلى أعماله الأخيرة نجده في كل أغنية من الأغاني الثلاث التي ذكرناها يختلف شكلاً ومضموناً ببراعة وحنكة تؤكد قدرته الفائقة على الإستمرارية والتجدد بما يتواءم وينسجم مع آخر صيحات ومبتكرات الزمن الذي يعيشه وربما في أحيان كثيرة (يسبق عصره في التنبؤ) بما يمكن أن يحدث للأذن المستمعة والمتلقية لأعماله ونتاجاته المتألقة فظل الفنان المبدع محمد عبده زيدي عائشاً في وجداننا وأرواحنا وقلوبنا بأعماله وأغنياته الساحرة الأسرة الآخاذة رغم رحيله..
شكلت عطاءاته ونتاجاته (الغنائية الموسيقية الوطنية) نموذجاً مغايراً خرج به عن المألوف ولعل أبرزها على سبيل المثال: والله بلدنا نورت/ ياسلام ياتلال/ الوصية / ياشعبنا .. ياشعبنا (أفرح وغني يابطل .. يالله على درب الأمل)/ ياجميلة والظفائر.. والعديد من الأناشيد الوطنية التي حملت وتبنت قضايا وهموم وتطلعات شعبنا اليمني، وأتسمت غالبيتها بالعاطفة الجياشة المتدفقة بالمشاعر والأحاسيس المفعمة بمفاهيم الإنتماء والولاء والحب والعشق للوطن، إضافة لرشاقة وحيوية الإيقاعات والأرتام المصاحبة للجمل الموسيقية المتنوعة الباذخة في وطنياته البديعة..
والواقع أن من أهم أسباب حبي وعشقي وإحترامي (للزيدي) أنه رفض أن أكون (مقلداً) لمحمد عبده زيدي أو لغيره من الفنانين الأخرين وشجعني بالنصيحة والرأي السديد للإستقلال بشخصيتي (الفنية الجديدة) الأمر الذي جعله كبيراً في قلبي إسماً ومعنى لا ينفصلان على الإطلاق.
عرضت القناة الفضائية اليمنية بمناسبة الذكرى (16) لرحيل الفنان محمد عبده زيدي مجموعة من أغانية من ضمنها أغنية قدمها على (العود فقط) في ثمانينات القرن الماضي حملت أهم الألحان في زوامل (خيلت براقاً لمع) وذلك يؤكد ما ذكرناه سلفاً من وثبات وإلتقاطات فنية جادة وهامة للفنان العظيم محمد عبده زيدي..
عرفت الأستاذ القدير محمد عبده زيدي كتلة من المشاعر والأحاسيس معتز بنفسه وبفنه وقد كان بالنسبة لنا ولا يزال معلماً وأخاً كبيراً وصديقاً صدوقاً منذ عرفناه إلى أن توفاه الله..
كلمة لابد منها :
أن فقدان ورحيل المبدع الخلاق الزيدي بما يحمله من قيم جمالية إبداعية ووطنية عظيمة راقية يُعد خسارة فنية فادحة لايمكن تعويضها على الإطلاق ونحن بدورنا كمهتمين نُذكر ونلفت عناية الجهات المعنية بتاريخ وفاته 26/ ديسمبر/1993م مايقارب( 27 عاماً) مضت منذ أن فارقنا (الفنان الصادق والانسان) محمد عبده زيدي ولم تلتفت إليه القنوات والمؤسسات الرسمية ممثلة (بوزارة الثقافة) أو (إذاعة عدن) الذي أفنى جل عمره في خدمتها وتبوأ أعلى المناصب القيادية في عصرها الذهبي.. تصوروا لم يشفع تاريخه الحافل والمشرف الزاخر بالانجازات الوطنية والإنسانية..؟!
لم يشفع ذلك الرصيد الضخم(بتكريمه) بما يليق وينسجم ومكانته الإبداعية المرموقة في قلوبنا وحياتنا من خلال ماقدمه من بصمات وعطاء متميز وشم في ذاكرة الوطن الفنية، رغم أننا نسمع ونقرأ في الصحف عشرات المكرمين في ظل غياب المعايير والمقاييس ممن يجيدون نسج العلاقات العامة (الدراويش) أصحاب الوساطات بمختلف أشكالها وأنواعها، لقد سبق فناننا الزيدي الجميع (وكرمنا بفنه الراقي والأصيل)، أما مايحدث له وللمبدعين الحقيقيين أمثاله من تغييب وتهميش وجحود ونسيان فهو مؤشر يبين ويوضح مانحن عليه من سقوط شمل بطغيانه ومفاسده كل مفاصل المشهد الثقافي الإبداعي الراهن.
العناوين الجانبية:-
1. إذا أستمعنا الحان وأعمال الفنان الرائع محمد عبده زيدي سنجدها عبارة عن قصة وسيناريو غنائي موسيقي ( يُقرأ بالأذن ) يحمل دلالات نغمية درامية مكثفة
2. يُعد الفنان العبقري (الزيدي) ضمن قلة من الملحنين ليس على مستوى اليمن وحدها بل على المستوى العربي الذين ( تبنوا عنصر التصوير والسيناريو الدرامي في المضمون الجمالي للأثر الموسيقي)
3. تعامل الأستاذ محمد عبده زيدي مع المقامات الشرقية الأصيلة في أغنياته ووظفها بإستخدامات أبعادها النغمية بطريقة غير مسبوقه أبرزها المقامات التالية: الراست/ البيات/ الكرد / راحت الأرواح/ السيكا / والحجاز كاركورد، بالإضافة للمقامات الغربية كالماجير / والنهوند
4. يأخدنا عند سماعنا لأعماله إلى عوالم وفضاءات إبداعية رحبة نطوف بها فنستمع ونشاهد ونتأمل في وقت واحد (لسيناريو موسيقي غنائي بصري) يعتمد على (منهاج القصة المكتوبة بأسلوب نغمي عالي التكنيك )،مع توافر عناصر الدراما التعبيرية التي تتجسد في (البداية / الحبكة / والنهاية )
5. كان الفنان محمد عبده زيدي يشغل منصب رئيس قسم الموسيقى في (إذاعة عدن)، إضافة لذلك عمل (مهندساً وضابطاً للصوت) وله بصمات موثقة في كثير من التسجيلات الغنائية والفنية التي قدمها لزملائه الفنانين
6. رغم العطاء الفني والإنساني الذي قدمه (الزيدي) للوطن وفي أعلى درجاته وتجلياته عاشقاً ومناضلاً غيوراً وأستاذاً معلماً للأجيال،برغم كل ذلك لم ينل ما يستحقه من الوفاء والرعاية إلى أن توفاه الله ..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.