أسمع أن ممثلي مسرحية الموفامبيك في جدل حول مصطلحين: "دين الشعب" و"دين السلطة". كلا المصطلحين تافهٌ جدّاً، لم يعد يُستخدم إلا في الدول غير المدنية التي تريد الحفاظ على تخلفها. الاختيار بينهما هو إختيار بين التخلف والتخلف. (لمن هم من خارج اليمن: بمسرحية الموفامبيك أقصد "مؤتمر الحوار الوطني"، الذي يكمل غداً شهره الرابع، والذي افتتحه الرئيس بعبارته الخالدة: "واللي معجبوش يخرج من الباب"). في دساتير كل الدول المدنية هناك كلمتان تحل إشكالية علاقة الدين بالمواطن: "حرية الضمير". (في دساتير كل الدول بما فيها تركيا التي على رأسها حزب أردوخان الذي قال وهو في مصر قبل أقل من عامين: "أنا علماني وافتخر"، والذي لا علاقة له سياسيّاً بمرسي، رغم أن تركيا الحديثة تجاوزته هو أيضاً). احفظوا هاتين الكلمتين، تذكّروهما، طالبوا بهوس بدخولهما دستور اليمن ودستور أي دولة عربية. نحتاج لهذه العبارة الدستورية المدنية لا غير: "دولة اليمن تضمن لمواطنيها: حرية الضمير". لا مدنيّة وحرية للتفكير والعقل والتعليم والأبحاث بدون هاتين الكلمتين! فيهما تلخيص لحلٍّ عصريٍّ تجاوزت بفضله الشعوب اليوم قروناً من الصراعات والحروب.
ماذا تعني هاتين الكلمتين؟ عني أن تؤمن بالدين الذي تريده، أن تغيّر دينك إذا أردت، أن لا تؤمن بدين إذا أردت…أي أن تكون حرّاً في تفكيرك ومعتقداتك...هناك احترام متساوٍ للجميع.لا يوجد احترام للدين أكثر من إحترامه في الدول العلمانية. يحصل لي مثلاً، هنا في فرنسا، أن أمرّ بالسيارة مع خروج المصليين، في بعض الجُمع، من جامع في الطريق إلى موقع عملي. كتيبةٌ من القندهاريين تخرج بنفس الملابس والهيئات الطالبانية، تعبر طريق السيارات الرئيسي، دون أن يضايق ذلك أحد، طالما الأمر فيه ممارسة طقوس دين بحريّة (وليس تفجير قنابل). القانون يضمن لهم ذلك، ولا توجد قوّة بإمكانها تغيير ذلك...
أعرف بعض هؤلاء: كلهم سعداء بممارسة دينهم بدون خطب تأتي مكتوبة من وزارة الأوقاف، بدون تدخل سياسي مقنّع بالدين، بروحانية نقيّة خالصة، بعلاقات تخلو من نفاق علاقات الدين في مجتمعاتنا العربية، وبأئممة يختارونهم بأنفسهم لجودتهم ومقدرتهم… أحدهم أعرفه شخصيّاً جداً: ملاك! يتأمم بالجميع غالباً…لا أحد من هؤلاء مستعد للرجوع إلى بلده العربي، حيث الدين "دين الشعب" أو "دين الدولة"، لأنهم أكثر حريّة وهم يمارسون طقوسهم بدون نفاق، في دولة علمانية كفرنسا.
في اليمن (مثل أي دولة عربية)، نصف أصدقائي متديّنون ونصفهم غير مؤمنين، لكن هؤلاء لا يعلنون عن ذلك بسبب الخوف والنفاق العام…النفاق يصل أحياناً إلى قمم أسطورية: كنت مدعوّاً للغداء يوم جمعة في بيت صديق عزيز في اليمن في نهاية التسعينات. كان معه أيضاً صديقان عزيزان. كنّا في الديوان… أراد أصدقائي الثلاثة الذهاب لصلاة الجمعة. أستغربت كيف تديّنوا بين عشيّة وضحاها، لأنهم غير مؤمنين كما أعرفهم منذ عقود…خلعت استغرابي بسرعة، لأني لاحظت صديقي صاحب البيت يلبس قميص صلاة الجمعة مثل الصديقين، يُخرج من خانةِ مكتبه قنينة ويسكي يغلفها كيس-نقاب (كلمة: "نقاب" على وزن "نفاق")، يجر بقية الأصدقاء للغرفة المجاورة لشرب كأس ويسكي سريع سيسمح لهم بمواجهة المسجد "بجرأة وروحانية"، في الوقت الذي كان المؤذن يصرخ بأذان صلاة الجمعة، في مدينة مِسكينةٍ ممحونة، هناك إصرار فيها على اختيار أنكر الأصوات لأداء الأذان…
ذهلتُ جداً من سلوك ثلاثتهم، وما زلت إلى اليوم، من النفاق العام المرتبط جذريّاً بمفهومي "دين الشعب" و"دين الدولة"، سيّان!…