على عَجَل, دُعي الرهط الإعلامي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية, لإجتماع طارىء مع الأمين العام للجنة المركزية للحزب الإشتراكي, وكالعادة تداعت التساؤلات عن الداعي للتدآعي. حبل التساؤل قادنا الى (المكلا). ففي ليلة الخميس السابقة ليوم التداعي الأثنين, صيف 86م وفي أحد برامج منوعات تلفزيون عدن, نُطِقَ الإسم بهكذا أحرف لآتينية ALMUKLLA إجتهاد الإعلامية نرجس عباد, قد لا يكون موفق, من وجهة نظر أمين اللجنة المركزية واللغة الرسمية للتلفزيون ومع ذلك يظل إجتهاداً فردياً, لا يستدعي دعوة القيادات الإعلامية في الدولة والحزب, ليعبر رأس الدولة عن تقييمه بكلمات صادمة بالقول (حز في نفسي وانا أتابع التلفزيون الخميس الماضي هذا الإستهتار بالعربية) وأرتجل البيض في الإنتقال من المكلا بالإنجليزية الى الجبن الهولندي متسائلاً: عن سر إصرار البعض على تناول جبنة (الكرافت) وأجاب على تساؤله بسئوال: إيش فيه الجبن الصيني؟.. أستمرت التساؤلات تتناسل كما كانت الإجابات من طرف واحد لثلاث ساعات تقريباً.
وكانت إنجليزية (المكلا) قفلة ظهور في وجه الزميلة المجتهدة. قفلة كتلك التي تكررت اليوم في وجه الحشد المجتهد لإحياء اليوبيل الذهبي لثورة 14 إكتوبر المجيدة, وإن جاءت الأخيرة بغير الزمان والمكان إلا إنها بذات الإرادة جاءت. وكما قال الفيلسوف الألماني (كارل ماركس) عندما تُكَرِر الأحداث نفسها, تكون في الأولى مأساة, وفي الأخيرة ملهاة, أي مهزلة, وهو ما حدث في تلفزيوني عدن الرسمي والشخصي.
تداعي الأحداث في الذاكرة بين الأمس واليوم نجم عن الحدث المؤسف, الذي كَدَّر صفو إحتفالات شعبنا الجنوبي بما أصبح يعرف ب(حادثة المنصة). وبما أني في الشتات فقد درجت مؤخراً على المتابعة من خلال (عدن لايف). ولإن الصورة كانت للحشود دون المنصة فقد تذكرت نقد الأمين العام في الإجتماع المذكور أعلاه تركيز الصورة على المنصة على حساب الحشد. فظننت الأمر تَمَثُلاً لوجهة النظر تلك, وبإنتهاء النقل المباشر دون إيراد, ولو لمقطع حي من خطابٍ, أو من بيانِ, أو حتى بضعة أبيات لقصيدة وطنية. لحظتها أدركت إن الأمر لا يعود لميثاق شرف إعلامي ولا يحزنزن, وإنما في الأمرِ إمور, وفي المنصة ما دار فيها!
من كواليس المنصة ومن بين أسطر الحديث, الذي نُقِلَ عن الرئيس علي ناصر محمد في (عدن الغد) في 15 أكتوبر يَلحُ السئوال: لماذا هذا الربط بين الحدث والمنطقة, في هذا التوقيت الأكثر من حرج؟. ولماذا هذا التأليب غير المباشر لإبناء ردفان تحديداً؟.. وضد من؟.. إذ لم يخطر ببال المرء أن يقرأ لكم, حديث تشتم منه رائحة 13 يناير الكريهة, بمفردات إسِّتُدعيت من ماضي التصالح والتسامح. إستدعاء وإن بدا شكله تباكياً على الحراك فإن فيه مقتلٍ للحراك, فالإصرار على إستجرار الماضي إن لم ينطو على أهداف ذاتية ضيقة فهو نتيجة لقصور في المواكبة والإدراك! نترك الإجابة لمن أَزْعُمّ بإنه: ما زال يحتل رمزية وطنية لا بأس بها في قلوب الكثيرين من أبناء جيلي والأجيال السابقة ويمكن اللآحقة. لذا أتمنى عليه العودة الى الرقيٍ بمفردات الحديث الى مستوى الوطن, بدلاً من مستويي الأسرة والمنطقة إن صح نسب الحديث. فإستباحة وضياع الوطن, ما كان لها أن تتم لو لم تَكُ هذه اللغة المناطقية قد سادت في الثمانينات.
فرمزية ردفان هي, بإنطلاقة الثورة ضد المستعمر القادم من وراء البحار ومن ثم برفع رآية التصالح والتساح في وجه المحتل القادم من وراء الحدود, وليس في خلافات على مربعات فوق المنصة أو في كواليسها. أياً كان مصدر إفتعالها عدن, بيروت, القاهرة, جدة أو لندن.
فدعونا نَرْبَأ برمزية المكان والشخص, الى الأسمى والأبقى, وكفى الشعب الجنوبي جور المحتل, فحادث المنصة كان كاشفاً للذات الرئاسية والتزعمية في موضوع الوطن الجنوبي.. وبه التساؤل لم بعد عن سر إقبال الناس على جبنة (الكرافت) وإنما عن سر إقبال الزعامات على المنصة, والهدف من نَحْر البسطاء على عتبتها.. فالذكرى هي لثورة أجترحها رجال عِظام لم تَكُ المنصة من أهدافهم, وإلا لما أنتصروا على الإمبراطورية.
فمن يتمعن أحاديثكم المتلفزة والمقرؤة أيها الرؤوساء السابقون والقادة المنقادون, يصاب بالإحباط لإن ذواتكم تكاد تقضي على موضوع الوطن. وهنا لا بد من التأكيد على حق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره بنفسه وأيضاً حقه في الإختيار بين جبنة الكرافت او الصيني أو حتى جبنة خالة (نظيرة) التي فضلت إدانة (الغربان), لإنها لم تتوقع غدركم لبعض.. فكفاكم مقتالة الغربان التي تمارسوها عن بعد, ودعو المنصة للمغروسين في الميدان, وكفو عن عبث تحويلها الى (لبن.. سمك.. تمر هندي).