عندما تفشل قوى سياسية في تحقيق وفاق نسبي ضمن تحالفاتها الوطنية فإنها بلاشك ستفشل أيضاً في تحقيق ذلك الوفاق بينها وبين الجماهير، وبالتالي فإنها لن تمثل أكثر من شخوصها، وزعاماتها، ولن يحق لها الخوض في أي مشروع لتشكيل منظومة ناطقة باسم الجماهير. جنوح قوى المعارضة إلى خيارات جديدة مثل «حكومة ظل» أو أية صيغة أخرى يعني فشل خياراتها السابقة، لكن عدم الاعتراف بذلك الفشل، أو التغاضي عن بحث الأسباب هو بحد ذاته تصريح جديد لتأكيد فشل أي مشروع قادم.. لأن من لايتعلم من تجاربه ولايعترف بأخطائه ليس إلا مغرور كبير، وأناني عظيم لايرى في الدنيا غير نفسه ومصالحه، وكل الآخرين على خطأ ولايستحقون الانتفاع بشيء من المصالح.. ومن هنا نستطيع فهم لماذا يرفض هؤلاء المعارضون الحوار مع السلطة، ولماذا يصرون على البقاء بعيداً عن الجماهير، ولماذا يفشلون في كل مرة !؟ هذه الحالة المرضية متأتية من جهل بمعنى السياسة، ومن غباء في إدراك قيم التوافق والجدل بين القوى السياسية الوطنية المختلفة ، إذ يرى أحد المفكرين الانجليز في السياسة أنها(تفقد قيمة أفكارها متى ماافتقرت للجدل ، وتصنعت وجودها بمحض افتراض فلسفي لم يتكلف عناء اكتشاف الآخر، فليس من سياسي يصنع منطقا بمفرده). ومن واقع ذلك القول لاتبدو السياسة أكثر من خلاصة جدل فكري، وحوار ثقافي تتعين بمقتضاه تصورات الحراك الداخلي والخارجي لهياكل الدولة.. إلا أن حدوث الجدل ضمن أفق الفلسفة الواحدة ظل ظرفاً عقيماً عن الإيحاء الإبداعي بعناصر فكرية جديدة، وأدوات عمل دقيقة يتبلور بهما المشروع الوطني للدولة، وهو الأمر الذي يستوجب توافق الفلسفات المتعددة في جدلية صناعة الرؤى السياسية. إن منطق تعيين الأفكار الذي يتحدث عنه ذلك المفكر يصطدم بافرازات التحولات الناشئة للديمقراطية في بعض البلدان، إذ أن الانطواء على مسميات الحالة السياسية الجديدة - بين حاكم ومعارض - وتعليق مسئوليات الصناعة الفكرية السياسية بالحاكم وحده، لابد أن يذيب البعد المنطقي في ممارسات غير مكتملة الوعي، أو نقيضة لحاجة الآخر، وأحياناً تتقاطع مع مفاصل العملية الديمقراطي رغم أنها قد تصيب مبتغاها في أحيان أخرى. ولعل هذه الإشكالية تتفاقم بتعقيداتها إذا ماتمسك أحد الطرفين بالبقاء خارج دائرة الجدل والحوار الفكري، إذ أنه حينئذ يضع نفسه نداً لمفاهيم الديمقراطية، ويعيق نماءها، بنفس القدر الذي يعيق به الحراك التنموي للدولة من خلال ما يمليه من شروط لفرض «أنانيته» الحزبية على مسارات العمل السياسية والتنموية، انطلاقاً من تكهنات، وظنون، وقصر نظر شديد لآفاق العمل السياسي التعددي.. وهو بذلك يتحول إلى عبء وطني بدلاً من ان يكون عنصراً تفاعلياً مع الإرادة الوطنية. إن تذبذب رغبة بعض احزاب المعارضة في تلبية دعوة الحزب الحاكم للحوار تنم عن جهل معرفي بمدلول العمل السياسي، وهي - طبقاً لتعريف المفكر لابروس - تفقد قيمتها الفكرية، وتحاول أن تصطنع وجوداً لذاتها الجوفاء دونما تكلف مشقة اكتشاف الآخر، والتأمل بمايحمله لها، والتيقن من جدواه أو عدمه، وبحث امكانية موائمة الرؤى السياسية وتوفيقها ضمن صياغات محددة.. إلخ. يبدو جلياً أن طبيعة الإشكالية ناشئة عن اتجاهين : الأول - هو ضعف ثقة الأحزاب المعارضة للحوار بقدراتها السياسية، ووسائلها الديمقراطية، الأمر الذي تجد بدائله في قوالب الامتيازات المطبوخة بمواصفاتها، أو تحين فرص ابتزاز الآخر، من غير اكتراث بمنطق التوافق مع ابجديات العمل السياسي الوطني. أما الاتجاه الآخر، فهو الحاجة الملحة لغرس ثقافة الحوار السياسي في الأرضية التي تقف عليها تلك القوى، من خلال إقناعها بالمدلول الأساسي للديمقراطية، والمقومات التي تستمد منها منطق القبول لدى شعوب العالم. إلا أن مثل هذا الاقناع يبدو صعبا في ظل انغلاق البعض على فلسفته، وتصوراته الخاصة، وتقوقعه داخل حلقات ضيقة تتهيب النفوذ من محيطها إلى الآخر، وإقامة الحجة عليه. لاشك أن السياسة «منطق تعيين الأفكار » - كما وصفها لابروس - ولأجل بلوغ تلك الغاية، يستدعي الأمر أولاً طرح جميع الأفكار التي تحملها القوى الوطنية على طاولة الحوار، وإبداء الرأي، ليتسنى في النهاية انتقاء الأكثر منطقاً للقبول منها، وبلورة رؤى متوازية للمشروع السياسي الوطني. يؤكد المفكر الانجليزي «ستيفن لابوس» أن : «قوة فعل السياسة قرينة لقوة الفكر وتعدد موارده، وعمق جدلياته.. » ويشير في كتابه الشهير «ميكانزم السياسة» إلى : «ان الجدل ثقافة والجدل في السياسة من اصعب الثقافات الانسانية لانها تتولى تعيين المنطق الفكري للدولة، التي هي بالوجه الآخر مصير ملايين الناس المنضوية تحت حكمها.. وصعوبة الأمر تأتي من ندرة العقل السياسي المدرك لتلك الحقيقة».