كل يوم تطالعنا وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، بأخبار علمية جد شيقة، رغم أن بعضها ينذر بحياة شقية، والبعض يبشر بحياة رغيدة، والبعض بإنهاء أوجه معاناة أليمة. لكن في مجملها أخبار تجسد أمثلة عملية لحقيقة أن «العلم نور والجهل ظلام »، وأن «المعرفة أفضل من التساؤل»، وتؤكد للعيان أن إنتاج العلم والمعرفة لازمتان لمؤسسات التعليم العالي : الجامعات والكليات والمعاهد ومراكز البحث العلمي في مختلف أرجاء البسيطة، إلا عندنا ياحسرة !! في الإمارات العربية مثلاً، وفي الشارقة تحديداً، نجحت أخيراً طالبات يدرسن الهندسة الكيميائية بالجامعة الأمريكية في إنتاج الوقود الحيوي أو «الإيثانول» من التمر غير الصالح للاستهلاك الآدمي، تأكيداً وامتداداً لنجاح ابحاث دامت خمس سنوات لشركة نخيل للبتروكيماويات الجزائرية التي ستنشىء الآن مصنعاً لانتاج وقود الإيثانول «Ethanol» كبديل واقعي للطاقة النفطية، صالح للسيارات وبمعدل 270 لتراً نقياً بتركيز «25،96» للطن الواحد من التمور الرديئة. وفي وقت لازال استخراج مادة الإيثانول عالمياً يتم من عباد الشمس وقصب السكر فإن الخبراء يجزمون بأن هذا النجاح الجديد وبفضل التكنولوجيا الحيوية «البيوتكنولوجي» يمنح الانسان فرصة انتاج الإيثانول من كل شيء طبيعي تقريباً : الخشب ، العشب البري، الشعير، البطاطا، ومخلفات الطبيعة لاسيما المخلفات الزراعية كالتمر فإضافة لبساطة طريقة التحضير تستطيع الدول غير النفطية زراعة آلاف أشجار النخيل ذات النوعية غير المكلفة، لتضمن إنتاج وقود بديل أقل تكلفة. على أن تحقيق الجامعات انجازات لمجتمعاتها، لايقتصر على المشكلات المعقدة ، فهناك مشكلات اقل تعقيداً منها مثلاً : مشكلة الوقت والجهد المهدران في إثبات الحضور والغياب بمرافق العمل والجامعات نفسها، ثم في التفريغ، ثم التحليل : تمكنت طالبات بكلية تقنية المعلومات جامعة الإمارات، من ابتكار وتطوير جهاز يوفر مؤشرات بيانية لادارة الجامعة عن المستوى الأكاديمي للاساتذة بقياس مدى إقبال الطلاب على محاضراتهم، ولأولياء الأمور بقياس التزام ابنائهم بالحضور. فكرة الإنجاز، هي إضافة تطبيق جديد لجهاز البصمة الالكترونية المتعارف عليه عالمياً بحيث يوصل بالسيرفر الرئىس للجامعة أو المنشأة المتصل بشبكة الانترنت، فيسجل الطالب أو الموظف قبل دخوله قاعة المحاضرة أو موقع العمل بصمة إصبعه أو يمرر بطاقة الكترونية خاصة أو كلمة مرور في الجهاز لتدرج كل بيانات حضوره بحسابه في موقع الكتروني صمم خصيصاً، و«سوفت وير» خاص مزود بالحماية، يقوم بتحليل المعلومات المرسلة للموقع، كمياً وكيفياً. لاحظوا أن الأهم من الابتكار هو توافر البيئة الحافزة لبلوغه، أي توافر توجه البحث العلمي وإمكانياته، ولهذا توصلت مشاريع تخرج طلبة الجامعات الإماراتية في مختلف الكليات إلى انجازات علمية حقيقية يعتد بها ولايعود الفضل فيها إلى المستوى المعيشي لسكان الإمارات أو النبوغ الجيني للطلبة بالضرورة، وإنما لأن كافة امكانيات البحث توفرها الجامعات لطلبتها، بعكس جامعاتنا، التي لاتوفر شيئاً لمشاريع تخرج طلبتها «البحثية والتطبيقية» التقليدية وغير المرتبطة بالمجتمع غالباً. ليس هذا فحسب، فجامعاتنا لاتوفر لطلابها وطالباتها أي شيء عدا البطاقة الجامعية بعد دفع الرسوم والمقعد غير النظيف دائماً، والمدرس «غير المؤهل» غالباً، لا علمياً ولاتربوياً ولاحتى نفسياً، وعلاوة على ابتلاء جامعاتنا بمخرجات «جامعات الصداقة» السوفيتية إياها، فإن جميعنا يتذكر فضيحة شهادات الدكتوراه والماجستير المزورة بالجملة، التي فاحت رائحتها في 2001 - 2002م، قبل أن يجري تداركها وفق قاعدة «استر ماسترالله» ومنهج «وإذا بليتم فاستتروا» !! فما أكثر المنتسبين لهيئات تدريس الجامعات في بلادنا، الذين انكروا ولايزالون تطور العلوم، فتوقفت معارفهم عند تاريخ نيلهم الدكتوراه قبل عشرين أو ثلاثين عاماً، ولازالوا يدرسون الطلبة نفس «الملزمة» غير المنقحة حتى من الأخطاء المطبعية والإملائية واللغوية والمنهجية ايضاً، إن كان فيها ملامح منهجية بينما البعض عجزوا عن وضع مناهج للمقررات الموكلة لهم، فأوكلوا لبعض طلابهم - كنت منهم - إعدادها بالنيابة، ووضع اسمهم على الملازم مصدراً ب «الدال»، مقابل درجات نشاط !! وماأكثر أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المحلية، المؤهلين لكن أغلبهم مغرورون أو معقدون في شخصياتهم ونفسياتهم مريضة، فينذرون أنفسهم ليس لنقل معارفهم لطلبتهم كماهي سنة الحياة وطبيعة واجبهم الذي يتقاضون عليه راتباً لايرضيهم حالياً رغم ارتفاعه، بل لاستعراض عضلاتهم وتحدي طلبتهم بإسلوب تدريس فج، واسئلة امتحانات معقدة ليس لقياس الفهم والاستيعاب، وإنما للتعجيز، فيتفانون في تعقيد الطلبة وقهرهم واهانتهم علناً، وقذفاً يندى له الجبين !! هؤلاء كثرة مشهورون بهذا، وهم يرفعون غالباً شعار «ياأرض اشتدي لا أحد مثلي» أو «ماأحد قدي»، فيبلغ بهم الغرور ونزعة التسلط المعبرة عن «نقص مركب» لدرجة يتحولون معها من دكاترة إلى دكتاتوريين بامتياز، فيرسبون أحياناً دفعة بأكملها ولا يجدون رادعاً، في ظل غياب لوائح تنظم العلاقة بين المدرس والطالب، وتكفل لكليهما حقوقاً وتلزمهما بواجبات، وفي ظل تصدر تحصيل رسوم التظلمات ورسوم إعادة «إكمال» المادة، اهتمام عمداء الكليات وأولوياتهم !!.. أضف إلى أن اقساماً وكليات في مختلف الجامعات المحلية الحكومية والأهلية على السواء، لاتملك كادر تدريس مستقل ومتفرغ، وتعتمد نظام «المقاولة» والخدمة المزدوجة لنفس كادر التدريس، ماينعكس على مقدار الوقت اللازم لتدريس المقرر، وتطويره، وتحديث أسلوب تدريسه، ومتابعة تطبيقاته، انعكاساً سلبياً يبطح بمستوى جودة مخرجات الطلبة في الكليتين أو الثلاث التي تولى هذا الكادر غير المتفرغ ، التدريس فيها بنفس الوقت، وبنظام «المقاولة» !.. بل إن هناك كليات مستحدثة في جامعاتنا، مازالت بلا منشآت دراسية خاصة بها ودائمة رغم مضي سنوات وعقود احياناً على استحداثها كماهو حال كلية الإعلام بجامعة صنعاء، ظلت في عمارة للإيجار حتى السنة التاسعة على استحداثها، ولازال طلاب كلية اللغات التي لم يتخط وجودها حبر قرار تشييدها، مشردين بين قاعات مباني الكليات الأخرى بحسب أوقات فراغها، محاضرة في مبنى هذه الكلية ومحاضرة في مبنى الأخرى، اسبوع هنا، واسبوع هناك، وهكذا !! أما الكتاب الجامعي، فحكاية مستقلة بذاتها، إذ وعلى ندرته أصلاً في أغلب أقسام وكليات جامعاتنا، لافتقاد غالبية اعضاء هيئة التدريس مقدرة التأليف ومؤهلات البحث العلمي المجيد المفضي لجديد، تجد أكثر القلة التي تصدر كتباً باسمها للمواد التي تدرسها، تعمد للنقل الحرفي بلا اجتهاد فكري أو علمي، ومن مصادر متعارضة أحياناً في طروحاتها العلمية، بهدف إكساب المادة ومدرسها أهمية كبرى عند الطلبة، مردها ليس أهمية مضمونها العلمي بالضرورة، بل صعوبة فهمها «المفتعلة » !!. صحيح هناك كتب جامعية قيّمة لأساتذة أكفاء لكنها قليلة تعد بأصابع اليد، وتؤكد عمومية هذه الحال المزرية لأساتذة جامعاتنا القلة الذين يصدرون كتباً لمقرراتهم، وليتهم يكتفون بهذا المستوى الفاضح لامكانياتهم الهزيلة، بل يتمادون إلى طرح كتبهم بأسعار مبالغ فيها تصل إلى 2000 ريال، وفرض إلزامية شراء النسخة الأصلية من الكتاب، وربط امكانية دخول الطلبة امتحانات موادهم أو نجاحهم في هذه الامتحانات، بتضمن كشف مبيعات الموزع الحصري للكتاب أسماءهم وأرقام قيدهم !! بينما ينحصر مفهوم البحث العلمي في جامعاتنا - مع شديد الأسف - في كونه غالباً إما وسيلة لفرض هيمنة الدكتور وهيبته المفقودة بفعل افتقاده توقير الطلبة لافتقاده وقار العلم والأخلاق والشخصية، فلا ينفك هذا النوع من إرهاق الطلبة بتكليفات بحثية «عدمية»، لا تنشد لهم فائدة معرفية أو جديداً علمياً، قدر ماتنشد إذلالاً للطلبة، يمعنون فيه بتشرطات لاتولي المضمون أهتماماً قدر ماتهتم لعدد المراجع والصفحات ولطباعة البحث ونوع إخراجه وشكل الغلاف.. إلخ!! وإما كون البحث العلمي وسيلة لترقي الدكتور وظيفياً باستغلال الطلبة وتكليفهم بتنفيذ ابحاث ومسوحات تخدم بحثاً ينفذه ويطمح منه لترقية علمية. فتجدهم - وهم دكاترة كثيرون بالمناسبة - لايتحرون خطة منهجية لأبحاث الطلبة أو التزاماً بمعايير علمية منهجية قدر مايطلبون من طلابهم وطالباتهم تقديم معلومات حديثة تحت عناوين محددة، وإثبات مصدر نسخها الحرفي، أو توزيع استبيانات مسحية معدة على شرائح عينة بحث محددة حصرا !! .. و.. وللحديث بقية بالطبع.