ما أروع الماضي عندما يكون سبباً للمستقبل.. طاقة للحلم بالآتي.. وما أسوأ الماضي عندما يتجلى في أفئدة البعض بما هو النموذج الأسمى للزمان ماضياً، حاضراً، ومستقبلاً.. عند هذه النقطة بالذات افترق أحرار اليمن عن دعاة الحفاظ على الماضي بثبوتيته.. وكان الشهيد محمد محمود الزبيري أحد أهم المثقفين الذين تمثلوا التراث وتشبعوا به في الوقت الذي كان نظره يتجه صوب الأفق القادم، ولم يكتف الزبيري بطاقة الحلم بل عمل طوال حياته بنفس لا ينقطع من أجل الترشيد لمشروع يمني قادم قوامه العدل والحرية، لكن رصاصات الغدر طالت الزبيري أثناء سعيه الدؤوب من أجل الحفاظ على الجوهر الوطني والتطوري للتحولات القادمة، ولقد كان الشهيد الزبيري مستوعباً الثمن الذي كان عليه أن يدفعه من أجل الوطن ، وهو الذ كان قد تنبأ بنهايته قائلاً : حطّميني يا ريح ثم انشري أش لاء ..روحي في جو تلك الجنان وزّعيني في كل حقل على الأز هار .. بين القدود والأغصان زفراتي طوفي سماء بلادي .. وانهلي من شعاعها الريان أطفئي لوعتي بها واغمسي رو حي .. فيها وبرّدي ألحاني يقول الأستاذ أحمد محمد النعمان: كان الزبيري يردد هذا البيت من الشعر وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة : بحثت عن هبة أحبوك يا وطني فلم أجد لك إلا قلبي الدامي في مصر وجد الزبيري نفسه في قلب النهضة والسؤال الكبير، وفي أروقة مكتباتها ومع رموزها العظيمة تبدّى رمزاً يحضن الماضي بأحلى صفحات روعته ، ويستشرف مستقبلاً مغايراً للسائد.. كانت أفكار حسن البنا وطه حسين تتسق لديه قيمة وجواباً على سؤال المستقبل.. وكان الفضيل الورتلاني بالنسبة له نموذجاً لمن يحتذي طريق الإسلام بما هو طريق العدل والتطور والاتّساق مع المستقبل.. قرأ الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وانتقل بهم ومعهم إلى آفاق معرفية وروحية جديدة . وبعودة الزبيري من مصر عام 1941 وجد نفسه في صف واحد مع عبدالله السلال وأحمد حسين المروني والحورش.. ودعا إلى العدل والإنفاق من بيت مال المسلمين لصالح الشعب.. ووقف خطيباً وداعية في مساجد صنعاء. تلك المآثر يتذكرها اليمانيون والعرب بمناسبة كلما تذكروا الشاعر والحالم محمد محمود الزبيري، الذي غادر إلى جوار الحق منذ أمد بعيد ولكنه ترك وصايا وأحلاماً مازالت صالحة إلى اليوم .