لن أكون بعيداً عن الدقة إذا قلت إن أهم وأول أسباب الوفاة والموت في بلادنا هي الحوادث المرورية في الخطوط الطويلة وفي شوارع وأحياء المدن الرئيسية والثانوية. الإحصائيات تشير إلى هذا السبب، والإحصائيات لا تشمل كل الحوادث التي تؤدي إلى إزهاق أرواح البشر هنا وهناك، وليس هناك من أرقام على وجه الدقة تبين عدد الذين يموتون في حوادث مرورية تصفها بيانات النعي بأنها مؤلمة حيناً ومؤسفة أحياناً أخرى. عدد لا يستهان به من الضحايا يسقطون داخل المدن وفي شوارع مزدحمة يفترض أن يغيب فيها سبب السرعة الزائدة الذي هو أبو الأسباب جميعها وأخطرها على حياة الناس الركاب والمشاة وهذا الذي يحدث بالفعل. إذا كانت السرعة في الخطوط الطويلة هي أقرب الوسائل والطرق نحو الموت، وبالسرعة وحدها يظن بعض السائقين في تلك الخطوط أنها أي السرعة دليل مهارة وحنكة فيغامرون بأرواحهم ومن معهم. ومن يصادف وجودهم في الخط المعاكس وبالسرعة وحدها يسابقون الزمن، حيث لا مجال لسباقه ولا الطرقات ميادين سباق مع الزمن من أجل كسب الوقت لصالح أكبر عدد من المشاوير كما يفعل أصحاب (المركبات) الأجرة وبالأخص في الأعياد، حيث الزحام في الطرقات على أشده والهدف من السرعة هو زيادة الرزق أو هكذا يظنون وكل الظن إثم هنا. الطرقات وفق هذا المبدأ وغيره أصبحت ساحات موت مفتوحة تظهر نتائجها في إحصائيات إدارات المرور في المحافظات والكثير لا يحصى ولا يعد. خلال عدة أسابيع مضت ما يكاد يمضي أسبوع إلا ويجيني خبر موت واحد ممن أعرفهم، وحين أسأل عن سبب موته يكون الجواب هو حادث مروري في واحد من شوارع العاصمة!!. والغريب والأغرب هو أن يكون الحادث في مكان لا يمكن أن تكون السرعة حاضرة فيه لكنها حضرت فأودت بحياة إنسان فجأة ودون سابق إنذار، والمشكلة الحقيقية تبدأ بموته وما ينجم عن الحوادث القاتلة من مشكلات اجتماعية تطال ذوي الضحية. نؤمن أن الموت حق، والموت أسباب، لكننا في ذات الوقت لا نؤمن أن السرعة حق وعدم التركيز حق، ولا نؤمن أن الاستهانة بأرواح الناس أينما كانوا حق. ظُهر الخميس غادر المكان الذي كنا فيه مبتسماً وبكل صحته؛ وما هي إلا ساعات حتى جاء الخبر المفجع أن الرجل قد مات، وكان جواب سؤال السائلين: هو الحادث المروري في مكان لا مجال للسرعة فيه إلا من كان سائقاً مجنوناً أو مستهيناً بأرواح المشاة. وحتى تتضح الحقيقة التي لن تغير من حقيقة أن الرجل الطيب قد مات على قارعة شارع مزدحم وتناثرت أوراقه التي كان يحملها احتجاجاً على ما حدث لحاملها.. ومثله الكثيرون يقتلون تحت إطارات السيارات صغاراً وكباراً في شوارع وأزقة المدن، حيث لا تجدي الفرامل في كبح جماح الموت رباعي الدفع أو ثنائي الدفع، وكلما زاد عدد السيارات بأنواعها زادت الحوارث وزاد عدد القتلى وزادت المآسي المترتبة عنها. وبالمناسبة لم تعد السيارات وحدها تأتي بالموت المفاجئ إلى قارعة الطريق أو إلى الرصيف، وقد ظهر في الآونة الأخيرة وتكاثر سبب أخطر للموت في شوارع وأحياء المدن وفي الطرقات بشكل عام وهو (الموتورات) والتي لا يحكمها نظام ولا قانون ولا يلتزم سائقوها بأنظمة السير ولوائحه، فلا إشارات المرور الحمراء توقفهم ولا تقاطعات الشوارع ولا غير ذلك، حتى الشوارع ذات الاتجاه الواحد يعكسون السير فيها. ومن المؤسف أن يكون أهم أسباب الموت المعاصر خارج نطاق كل النظم والقوانين وكأننا نعطي للموت حريته في الشوارع من خلال (الموتورات)!!.