الإنسان حيوان عاقل ،، والعقل عنوان (أولي الألباب) ومن ليس له عنوان فترحم عليه فقد مات قبل أجله ومن نقص عقله فقد من الخير بقدر نقصان عقله،، والأمم التي يتصدرها أرباب النقول ويتأخر فيها أرباب العقول تعيش الماضي في الزمن الحاضر ،، ويتصارع فيها الخلف بذنب من سلف ،، وتقدم لمشاكل اليوم حلول الأمس ،، فصلاح الحياة قائم على العقل ،، والأهم من ذلك كله أمر الدين قائم على العقل فمن شكك في العقل فقد شكك في الدين ،، والبرهان على ذلك واضح لا لبس فيه: - أولا: جميع القواعد التي وضعها علماء الحديث للتثبت من صحة الروايات الواردة عن النبي (ص) قواعد عقلية بامتياز سواء منها الروايات الواردة في كتب السنن أو الواردة في كتب الصحاح وبقدر صلابة القواعد العقلية التي ابتكرها الرواة وعلماء الحديث بقدر صلابة الروايات الواردة إلينا وبقدر ضعفها أو هشاشتها تكون هشاشة هذه الروايات ،، وبقدر اجتهادنا في تمتين هذه القواعد بالتعديل فيها أو الإضافة إليها أو الحذف منها نتمكن من التوصل إلى صحة نسبة الأحاديث إليه (عليه الصلاة والسلام). - ثانيا: من يتتبع قواعد الفهم والاستنباط من نصوص الوحي المدونة في كتب قواعد الفقه أو أصوله سيجد كذلك أن كثيراً منها قواعد عقلية في جملتها أو تفاصيلها ك (القياس - والاستحسان - والمصلحة المرسلة - والاستصحاب ....) ،، وهو ما يدلل لنا دلالة واضحة أنه لا جدوى من نصوص الوحي في ظل غياب دور العقل فنصوص الوحي تمثل المادة الخام التي يستفيد منها العقل في إنتاج المعرفة بشتى أنواعها ،، وبقدر جودة هذه المادة تكون جودة المنتج ،، وبغير العقل تبقى هذه المواد خالية من الفائدة مهما كانت جودتها. - ثالثا: في كثير من مقررات العقائد بل والأحكام التشريعية لا يزال القرآن يذكرنا بأن الأمر لا يفقهه إلا أرباب العقول ، والخطاب لم يكن يقتصر على الجاحدين فحسب بل يشمل أيضا الموحدين وقد يخصهم دون غيرهم ،، فما أكثر ما تكررت في السور المدنية عبارة (أفلا يعقلون - أفلا يتفكرون - لأولي الألباب) ،، والخطاب غالبا ما يكون فيها للمؤمنين الذين أعلنوا اتباعهم للوحي ورضاهم به ،، ولعل في ذلك شاهداً على أن من كان يتنزل عليهم الوحي لم يحظر عليهم التفكير وإعمال العقل فيما يتنزل عليهم بحجة أن الإيمان انتقال من المعقول إلى المنقول ،، بل على العكس تماما فالإيمان ليس مجرد الاتباع الأعمى وإنما يعني مزيداً من التفكير والبحث والمناقشة الذي يهدي إلى قوله تعالى (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ( 108 ). - رابعا: الشواهد المتوافرة في إسقاط التكليف أو بعضه عن كل من فقد عقله أو كمال العقل بصفة دائمة (المجنون) أو مؤقتة ( الصبي - السكران - شدة الغضب - النائم) ،، فالدين لا يقوم به إلا أرباب العقول لا عشاق النقول عن السلف من أمثال (شيخون) الناطق باسم السلف. - ومما سبق ندرك أن الدين تمثله نصوص الوحي غير أن هذه النصوص تحتاج إلى العقل في كل مراحلها فهي تحتاج للعقل للإيمان بكونها منزلة من الله رب العالمين وتحتاج إلى العقل في إثبات صحة نسبتها إلى المبلغ (عليه الصلاة والسلام) ،، وتحتاج إلى العقل في فهمها والاستنباط منها ،، وتحتاج إلى العقل في تنزيلها على الواقع بما يحقق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، وتحتاج إلى العقل عند العمل بها كشرط للتكليف. - وبدون العقل لا قيمة للوحي ،، فالذي أنزل النقول وهب العقول وجعلها الأول والآخر والظاهر والباطن وجعل (نصوص الدين) قائمة على العقل في كل مراحلها ،، في الإثبات والتثبت ،، في الفهم والعمل ،، في الاستنباط والتنزيل ،، فمن شكك في العقل فقد شكك في الدين ،، ومن رفض العقل فقد تنصل من الدين .. (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون).