إن سألتني من المسئول عن إنتاج المعرفة ؟ فلن أتردد بالقول إنه العقل لا محالة ،، فإن بادرتني بسؤال آخر وما الجدوى من نصوص الوحي في رأيك ؟ سأبادر فأقول ،، إنه المادة الخام (المعلومات أو المعطيات) التي يتزود منها العقل في إنتاج المعرفة بشتى أنواعها وإليك مزيداً من التفصيل: - لا يمكن للعقل أن يقوم بإنتاج أنواع المعرفة في شتى مجالات الحياة ما لم تتوفر له المعلومات الصحيحة واللازمة غير أن المعلومات الصادرة عن البشر قلما تخلو من النقص أو الخطأ وعليه فيتحمل العقل العناء للقيام بأمرين: البحث عن مدى صحة المعلومة ، ثم الاستفادة منها في إنتاج المعرفة . - ورحمة من الله بعباده كلف الرسل بتزويد العقول بالمعلومات الصحيحة في القضايا الهامة التي تمثل العمود الفقري لحياة الإنسان ولا يمكن توافرها دون مصدر إلهي (نصوص الوحي) ،، ومن هنا صار دور العقل يقتصر على شيء واحد (الاستفادة من نصوص الوحي في إنتاج المعرفة) . - إلا أن ما أصاب الكتب السماوية من تحريف جعلها مصدر شك ،، ورفعا لهذا الشك كانت معجزة الرسول معجزة عقلية (القرآن) ،، ثم استثار العقول للتفكر في هذا الكتاب ليس في فهمه فحسب ولكن في البحث حول عقلانية مقرراته وأحكامه العقدية والتشريعية ،، وهذا ما يدلل عليه كثرة إيراد العبارات الحاضة على التفكر والتدبر (افلا يعقلون - أفلا يتفكرون - لأولي الأبصار - لأولي الألباب) ،، كما أن القرآن يشن هجوما كاسحا على الذين لا يعقلون ،، وليس الأمر بإعمال العقل مقصورا على المشركين المنكرين للوحي،، بل إن الآيات المدنية الموجهة للموحدين طافحة بالتوجيهات الحاضة على إعمال العقل ليس في قضايا العقيدة فقط وإنما في أحكام الشريعة كذلك (مثال: راجع أحكام الأسرة في سورة البقرة). - والمتخوفون من إعمال العقول في كشف مدى صحة الأحكام والأوامر الإلهية يسيئون الظن بربهم ويتهمونه دون شعور - على أحسن الظنون - بالعجز عن إقناع خلقه بإلهية الكتاب وعظمة أحكامه ،، ويظنون أن إعمال العقل طريق للتشكيك في الوحي. - أما الذين يصفون كل من مجد العقل بإعراضه عن نصوص الوحي وينسبونه إلى المعتزلة - الذين اتبعوا عقولهم فضلوا حسب رأيهم - ويجعلون ضلال المعتزلة عبرة لمن اعتز بعقله ،، فينبغي أن يعلموا أن أحوال الناس مع العقل والنقل أصناف: الصنف الأول: اعتمدوا على عقولهم في إنتاج المعرفة واستفادوا من كل ما قدمته لهم الحياة من علوم إلا أنهم أهملوا نصوص الوحي وأعرضوا عنها وهؤلاء ليسوا محل حديثنا . والصنف الثاني: اعتمدوا على نصوص الوحي بحسب فهم السلف واتهموا العقل بالقصور والضعف وهؤلاء عطلوا نصوص الوحي يوم أقفوا حركة العقل . والصنف الثالث: ،، وظفوا نصوص الوحي في التدليل لآرائهم بعيدا عن الموضوعية ، ومشكلة هذا الصنف في ضمائرهم وليس في عقولهم . والصنف الرابع : سلموا بصحة ما ورد في نصوص الوحي وأعملوا عقولهم في فهمها ،، ونحن إن وافقناهم في النص القرآني ربما اختلفنا معهم في النص النبوي الذي يحتاج إلى قواعد عقلية صارمة لتنقيته من كثير من المدخول والمدسوس. والصنف الخامس: ناقشوا كل ما ورد في نصوص الوحي وأعملوا عقولهم تثبتا وفهما وهؤلاء لا خوف منهم لأن عقلانية نصوص الوحي كفيلة بإقناعهم ،، ووقوعهم في بعض الأخطاء ليس شيئا مقصورا عليهم بل كل من أقدم على إعمال عقله في نصوص الوحي لم يسلم من الوقوع في أخطاء ابتداء من علماء الصحابة ومرورا بغيرهم من كبار أساطين العلم سواء في ذلك المعتزلة أو أهل الحديث ،، والنقاش العلمي الهادئ كفيل برد الشارد إلى جادة الصواب. - ثم نقول لمن احتج بضعف عقولنا عن مناقشة نصوص الوحي ومقرراته فهما أو حتى تثبتا ويطلبون منا التسليم دون بحث وتفكر ،، نقول لهؤلاء لدينا لكم جملة من الأسئلة ،، أولا: إذا كانت عقولنا ضعيفة فلماذا جعلها الله مناط التكليف وعذب أناس عطلوها عن التفكير وأرجع إليها النظر في مقررات العقيدة وأحكام الشريعة ؟ ، ثانيا: يا ترى ماذا لو احتج علينا أهل الكتب السماوية المحرفة بصحة كتبهم وطلبوا منا التسليم بما فيها دون اعتراض لضعف عقولنا ؟ ثالثا: هل في نصوص الوحي معارضة لمقررات العقول حتى نصادر حق الناس في السؤال والاعتراض؟ ،رابعا:لماذا استخدم المحدثون قواعد عقلية في تنقية الحديث من الروايات الضعيفة الموضوعة؟ . - وأما اختلاف العقول الذي يحتج به البعض في الاستدلال على ضلال العقل وقصوره ،، فيقابله اختلاف العلماء وغيرهم في قبول وتفسير نصوص الوحي وفي كثير من القضايا التشريعية والعقدية فهل في هذا دليل على فساد نصوص الوحي كونها لم تجمع العلماء على رأي واحد ،، أما أن التباين والاختلاف في النقول والعقول سنة إلهية. أيها العقلاء (نصوص الوحي لا قيمة لها دون إعمال العقل) ومن عطل عقله فقد أغضب ربه (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير).