- د. عمر عبد العزيز منذ الانطلاقة الأولى كانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد وضعت نفسها في مكان مُغاير لمألوف الخيارات العربية، فالإمارات العربية المتحدة هي الدولة الاتحادية الوحيدة والفريدة في العالم العربي، ولقد كان لهذا الخيار أثره الحاسم في منطق التطور الاقتصادي والاجتماعي والتنموي الذي حوّل الثروة إلى ثراء والتنمية إلى قيمة والتراكم إلى إنزياحات حقيقية في المجتمع باتجاه المزيد والمزيد من العصرنة، وهذا يُغاير تماماً ما نراه في كثرة كاثرة من بلدان العرب النفطية التي تحوّلت فيها الثروة النفطية إلى تكديس للسلاح، وعرقلة للتنمية المتوازنة، واستخدام غير رشيد للمال العام مما لا تُحصى شواهده ومشاهده الكوموتراجيدية . خيار الإمارات الاتحادي شكّل كما قلنا المقدمة الكبرى ليس للنماء الاقتصادي فحسب، بل أيضاً للتمهيد العاقل لنجاح الدولة على الانخراط في العصر والاتساق مع استحقاقاته، ونرى الآن أن الليبرالية الاقتصادية الاماراتية قطعت أشواطاً غير مسبوقة قياساً بعموم العالم العربي، كما نرى أن تحرير العوامل الاقتصادية على مستوى الإمارات مهّد لتحرير متجدد أدّى إلى استقطاب الاستثمارات العالمية، وتدوير التجارة الإقليمية من خلال المناطق الحرة، واعتماد الشركات العابرة للقارات على بيئة الامارات بوصفها أفضل المراكز وأكثرها حيوية في إعادة تصدير منتجاتها، بل إن بعض هذه الشركات شرعت منذ أمد في إعادة الإنتاج وتحويل بعض قلاعها الصناعية إلى الامارات بما يؤدي إلى منافع متبادلة ويكرس الهوية العالمية الموضوعية في الحياة الاقتصادية . وكما كانت الإمارات سبّاقة في اختيارها النهج الليبرالي الناجز اقتصادياً، وسيرها على درب اللامركزية التامّة، بدأت أيضاً في التفرّد بقوانين كسر الاحتكار، وهي قوانين لم نعهد لها مكاناً في العالم العربي، وتباشر اللجنة الوطنية لمكافحة الاحتكار في عملها لمنع تفرد بعض الشركات ووكلاء الأعمال بالسوق ، مما يفتح مجال المنافسة ويعزز قواعد المعايير والأفضليات التي تسعى اليها مختلف الاطراف المنخرطة في المنافسة الاقتصادية . إن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على حكمة القائمين على إدارة الاقتصاد، واستيعابهم لمحتوى قوانين السوق العالمية الجديدة التي مازالت تأبى الحضور في أكثر البلدان العربية. وفي اليمن نرى ان تجربة الإمارات تشكل أنموذجاً إيجابياً للاستئناس بها ، خاصة وأن قانون السلطة المحلية، والتوجه نحو اللامركزية المالية والادارية، وفتح أبواب الاستثمار تصب جميعها في مجرى تعزيز الليبرالية الاقتصادية . [email protected]