وفاة 3 فتيات غرقا في حجة    تعذيب العليمي حتى الموت في سجون عدن    مخيم طبي لمرضى العظام للمحتاجين والمستضعفين    ثنائي برشلونة مهدد بالإيقاف أمام أتلتيكو مدريد    مقتل 8 أشخاص على الأقل جرّاء زلزال في أفغانستان    أكبر زيادة منذ الحرب العالمية الثانية.. ترمب يطلب ميزانية دفاعية ب1.5 تريليون دولار    خرائط الإمبراطوريات.. أكاذيب وأوهام تُباع للشعوب    الخنبشي يعيد رجل المهمات الوسخة الى منصبه في أمن المكلا    الجفري يتحدّى... الاعتقال لم يكن يومًا نهاية بل بداية لانفجار أكبر    تعزيزات عسكرية سعودية تتجه إلى عدن    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    وصول 200 مهاجر غير شرعي إلى سواحل شبوة    وقفة وقافلة مالية للهيئة النسائية في سنحان تضامنًا ونصرة لمحور المقاومة    وفاة ثلاث شقيقات غرقاً أثناء محاولة إنقاذ في حجة    تتويج الفائزين بجائزة ميخالكوف الأدبية الدولية في موسكو    صاروخ إيراني يدمر مصنعا إسرائيليا للطائرات المسيرة    من يملك باب المندب، لا يحتاج إلى قنبلة نووية لأنه يملك القدرة على التأثير في العالم    أبين.. إصابة قيادي في الانتقالي برصاص مسلح مجهول    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    عاجل | مقتل ركن استخبارات اللواء الخامس وإصابة آخرين في اشتباكات مسلحة بسوق الحبيلين في ردفان    تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران: هجمات على بنى تحتية مدنية وتهديدات متبادلة    البرلماني حاشد يتجه لمقاضاة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا    بمناسبة افتتاح مركز طب وجراحة العيون.. مستشفى "اليمن السعيد" يطلق أسبوعاً خيرياً لعلاج وجراحة العيون    الأرصاد: أمطار رعدية على أجزاء من 10 محافظات ومتفرقة على أجزاء من أربع أخرى    فيفا يدرس زيادة عدد منتخبات المونديال    الرئيس يعزي نائب رئيس مجلس النواب في وفاة أخيه    بعد نكسة البوسنة.. رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم يقدم استقالته من منصبه    فارق القيم قبل السياسة.. حين يرفض الاستعمار البريطاني إفساد التعليم ويستبيحه إخوان اليمن    انعقاد الاجتماع الأول للمجلس العلمي للهيئة العامة للآثار    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    ترامب يبدد آمال إنهاء الحرب وأسعار النفط تقفز والأسهم تنخفض وذو الفقاري يتوعد    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    وزير الكهرباء ورئيس مصلحة الجمارك يبحثان تطوير التسهيلات الجمركية لقطاع الطاقة    عوامل تزيد خطر الوفاة بعد سن الخمسين    الوكيل الجمالي يطلع على سير العمل في المشتل المركزي الزراعي في البيضاء    استنفار لهيئة المواصفات بذمار لإنقاذ الأطفال من الحليب غير الآمن    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    شبوة… أطباء وممرضون يهددون بتعليق العمل في حال عدم الاستجابة لمطالبهم    فيصل سعيد فارع.. من أولئك الذين يبقون    فيصل سعيد فارع.. من أولئك الذين يبقون    نجاح أول عملية قسطرة طرفية في مستشفى الثورة بالحديدة    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    عصابات بن حبريش تختطف وقود كهرباء المهرة وتدفع المواطنين نحو العتمة    تقرير أممي: تحسن الأمن الغذائي في اليمن بشكل طفيف    مرض السرطان ( 5 )    "سنعود".. مسرحية لنازحين ببيروت تجسد المقاومة الثقافية ضد اسرائيل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    اتحاد كرة القدم ينظم دورة تنشيطية للحكام استعدادا للدوري اليمني    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أربعون زيارة وألف حكاية ورواية الحلق5
اليمن وأهل اليمن
نشر في الجمهورية يوم 24 - 06 - 2008

الامام اطلق الثعابين على الطيار احمد العلفي وأصابه بالجنون
“على فانله” ومشية الأوزة
ولأن ثوار 26 سبتمبر كانوا من ضباط الجيش اليمني على عكس المدنيين من ثوار 1948 المؤسسين لحركة الاحرار ومعظمهم من المرجعيات الدينية والفكرية والتجار ومشايخ القبائل ونفر من الضباط والجنود ، من هنا تبدو الضرورة في القاء نظرة شاملة وفاحصة على أوضاع الجيش اليمني منذ تأسيسه في عهد الإمام يحيى ، وما شهده من تطورات ، والحقيقة انه لم يكن جيشاً نظامياً بالمعنى الحديث ، فلما ورث ابنه الامام أحمد الحكم كانت عنايته ان يظل الجيش موغلاً في التخلف من حيث السلاح والمعدات والتدريب ، أما عدد أفراد الجيش فلم يكن يهمه ان يزيد او ينقص ، إذ ان مهمته لم تكن في الدفاع عن الوطن في الحقيقة ، وانما قهر القبائل وكسر شوكتهم والقاء الرعب في نفوسهم ، بالتزامن مع ايواء الرهائن من أولادهم، وجلب الأموال الى صندوق البدل النقدي من العاجزين وأصحاب العاهات مقابل اعفائهم من الخدمة العسكرية ، إضافة الى جمع الضرائب وتنفيذ الاحكام وعقاب كل من تسول له نفسه مجرد النية في التمرد على سلطة الامام ، عبر اقامة الجنود في ضيافتهم غصباً آكلين شاربين حتى تنقضي مدة العقوبة !
وقد ورث الامام أحمد ما يسمى “الجيش المظفر” عن والده الامام يحيى ، وكان الغرض من انشائه سد النقص الذي تخلف عن انشغال الجيش النظامي بإخماد تمرد القبائل على حكمه ما بين عامي 1919 و1923 ، فكان اشبه بالميلشيات ، بينما كان توزيع الرتب والوظائف العليا بين ابناء المشايخ والموسرين عبر الرشوة ، بل وكانوا يؤجرون أولاد الفقراء حتى ينوبون عنهم في طوابير التدريب العسكري .
ومن الطريف ان اليمنيين كانوا يطلقون على الجندي الذي يلتحق بجيش الدفاع “على فانله” وذلك انه عندما كسدت تجارة الفانيلات التي كانت تنتجها المدرسة الصناعية آنذاك ، تقرر بيعها لأفراد جيش الدفاع ، وقد جاء هذا التعبير بالنظر لرداءة صناعتها ، فكان الجندي يصارع الفانيله حتى يرتديها ، ثم كانت حيرته بالغة عندما يحاول ادخال يده في الفانلة حتى يحك جسمه من لسعات البراغيث !في بداية الحرب العالمية الثانية كان الانجليز قد احتلوا “شبوه” ووجدها الامام يحيى فرصة سانحة لغزو بعض المحميات ، فأرسل خمسة آلاف من جيش الدفاع الى تعز استعداداً لمواجهة الانجليز ، لكن قيامهم بالتدريبات العسكرية والاستعراضات الاسبوعية مع الجوع والمرض ادى الى وفاة معظمهم ودفنهم في مقبرة خارج أسوار تعز !
والغريب في الامر ان الامام يحيى لم يكن هدفه تعزيز قوة اليمن العسكرية عندما أنشأ ما يسمى“الجيش البراني” ولكن لأنه كان لا يثق في جيش الدفاع ، ولذلك حاول ان يقزم دوره حتى لا تتعاظم قوته ويتغلب عليه في النهاية ، وكان هذا الجيش يتكون من أفراد القبائل الذين لا يرغبون في الخدمة المستمرة بالجيش ، وينفرون من قوانينه وتعليماته وتدريباته اللهم عند الاستعانة بهم في القيام بعمليات التنفيذ والمأمورية والخطاط التي كانت تعود عليهم بالمغانم .
ويصف الرحالة نيبور شجاعة الجندي اليمني في المعارك ، فحين يرغب في اظهار ولائه للامام او لقبيلته يربط ساقه الى ركبته ويستمر في اطلاق النار على اعدائه الى ان يفنيهم او يفنوه ، ثم يضيف نيبور قائلاً “حسبت هذا الكلام خرافه عندما سمعت عن هذه الظاهرة في أول الأمر ، ولكني صدقتها عندما شاهدت حادثة مماثلة بنفسي في كهف أحد شيوخ قبيلة حاشد وبكيل حين كانت وقتئذ في خدمة الامام .. فقد تصرف بهذه الطريقة طيلة معركة ناشبة بينه وبين آخرين من أبناء قومه ، إذ كان ستة من عبيده يقومون بشحن بندقياته الست ويقدمونها له تباعاً حتى يقوم بإطلاقها على أعدائه بنفسه ، وبقي على تلك الحالة حتى تركه جنود الامام وانفض عنه عبيده .. وبقي يحارب وحده حتى قطعه الرصاص إرباً إرباً” !
جورجي النمساوي
ويروي أمين الريحاني في اعقاب زيارته لليمن عام 1923 ملاحظاته الذكية حول جيش الامام يحيى وكان في دور التكوين .. يقول : أما السلاح فعند الامام من البنادق أنواعها..وقيل ان عددها 40 الف بندقية ، ولكن منها ما هو غير صالح كالبندقية الايطالية القديمة ، وعنده كذلك 200 من المدافع المتنوعة والرشاشة الجبلية ، وقد رأيت يوم العرض فرقة كاملة تامة بعدتها وأجزائها ، بمشاقها ومدفعيتها ، وكان بعض الترك يركبون البغال وقد علموا ابن اليمن ان يخطو خطوة الجندي الالماني الرسمية المعروفة بمشية “الأوز” ، في حين ان الفرسان يلعبون بالسيف والرمح وخيلهم ترقص على نغمات الموسيقى ، وبعض مدافع الامام مجلوب وبعضها مغنوم وبعضها مشترى ، وهناك معمل “الفشك” أي الخرطوم او الطلقات في قصر “غمدان” يديره جورجي النمساوي الجنسية ، وكان يشتغل بصفة متواصلة وينتج أربعة صناديق في اليوم ، في الصندوق الواحد الف فشكه ويستجلبون الرصاص من الخارج ويستعملون ملح البارود المحلي !
حرب الغبار
من المعروف ان الامام يحيى كان البادئ باستقدام الخبراء والمدربين العسكريين من الخارج ، الى جانب عدد من اليمنيين الذين اتيح لهم التدريب العسكري في تركيا إبان الاحتلال العثماني ، الا ان شراسة السيد على بن ابراهيم الملقب “الذئب الاسود” الذي عينه الامام يحيى معاوناً لأمير الجيش الشريف عبد الله الضميم ، ادى الى تراجع نتائج جهود التدريب والتنظيم ، واثار غضب المدربين الاتراك وعلى رأسهم كنعان بك ، لكن رد الفعل من جانب الامام يحيى كان على غير المتوقع حين كلف الذئب الاسود بإمارة الجيش . وهو نفس مصير تحسين باشا الفقير السوري الجنسية وكان قد خدم في الجيش التركي عندما كانت سوريا تابعة للاستانة ، فكانت قلة خبرته وسوء ادارته ومعاملاته الفظه فضلاً عن نفاقه لحاشية الامام سبباً مباشراً في تدهور اوضاع الجيش ، مما أدى الى طرده ونفيه الى تركيا،وقد ادى سوء قيادته الى الشقاق والعداء بين جيش الدفاع والجيش البراني الى حد الاقتتال احياناً ، وهو مخترع اسلوب “حرب الغبار” ، حيث كان الجنود ينثرون التراب في العراء مع التكبير والتهليل والكر والفر واطلاق الاصوات المفزعة بقصد الاحتجاب عن انظار العدو ، وقد سر الامام لعرض “حرب الغبار” في احدى الاحتفاليات حيث أنعم على تحسين باشا برتبة عسكرية عالية مع مضاعفة مرتبة !
لكن الامام عاد يستعطف الحكومة التركية ويبرر طرده كنعان قائلاً : “باسم الدين والروابط الوثيقة ، نترجاكم ارسال ضابط متزن عاقل ليقوم بما كان يقوم به كنعان” ..لكن بعد فترة عاد تحسين باشا الفقير الى منصبه مجدداً !
ورغم كل سلبيات وجور وتخلف الامام يحيى ، الا انه كان وطنياً جسوراً لا يتوانى في الدفاع عن التراب اليمني ، وهو قد حاول رغم الامكانات المتواضعة ان يشكل قوة دفاعية او قوة ردع عسكري لأعداء اليمن ، ولهذا السبب عقد اتفاقية مع الحكومة الايطالية لتدريب عشرة من الشباب اليمني على فنون الطيران الحربي الذي استغرق عامين .. وعادوا الى اليمن لتقديم استعراض جوي على طائرتين من المانيا .. وكان في طليعتهم احمد الكبسي وأحمد السراجي ، ولكن يشاء القدر ان تنفجر احدى الطائرتين بمن فيها على مرأى من الامام وحاشيته وثار الاهالي هلعاً وطالبوا بمنع الطيارين والطائرات من الاقلاع ، وبعدها الغى الامام مشروع انشاء كلية للطيران وظلت الطائرة الالمانية الاخرى رابضة على الارض حتى اكلها الصدأ ، في الوقت الذي وزع الطيارون على إدارة البريد وغيرها من المصالح الحكومية ، فيما تعرض الطيار أحمد العلفي للجنون ، اذ ظل يتحدث مع الناس عن مشاهداته للتقدم الذي احرزته ايطاليا واوربا .. فكان جزاءه ان يتحول الى فرجه للامام عندما زج به في أحد أقبيته السرية وأطلق عليه الثعابين غير السامة بقصد المداعبة ، وخرج من القبو يهذي متسكعاً في شوارع صنعاء الضيقة !
البعثة العسكرية العراقية
في عام 1931 وقع الامام اول اتفاقية مع دولة عربية هي العراق ، وبموجبها ارسل بعثة من الشباب اليمني للتدريب العسكري في بغداد وكانوا من الطبقة الاجتماعية التي كان الامام يعتقد افتقارها للوزن القبلي والسياسي ومن غير المؤهلين لمنصب الامامة ، وكان من بينهم أحمد الثلايا ومحمد العلفي وحسن العامري وعبد الله السلال وحمود الجائفي وأحمد حسين المروني ، ومحمد عامر ومحمد اسحاق ، واحمد الآنسي ومحمد الزيدي وأحمد طاهر ومحمد جمر .. ومعظمهم استشهد في الثورات والانتفاضات التي قامت ضد الحكم الامامي .
بعدها كان وصول البعثة العراقية عام 1940 ، اثر المخاوف التي استبدت بالامام يحيي من ابتلاع ايطاليا لليمن ، وكان قد تشكك في نواياها عندما قدمت له هدية ثمينة بدون مقابل، اشتملت على مدرعتين وأربع مدافع مضادة للطائرات وأجهزة اتصالات .
كانت البعثة العراقية برئاسة العقيد اسماعيل صفوت ومكونة من اربعة ضباط هم الرئيس جمال جميل “مدفعيه” والرئيس محمد حسن”مخابرة” والرئيس عبد القادر الفاطمي”الجيش الدفاعي” والملازم أول سيف الدين “مشاة” اضافة الى احد عشر من ضباط الصف !
ولأنهم راحوا يبشرون بالتقدم العلمي والاختراعات ونظم الحكم الحديثة ، من هنا راحت شكوك الامام وولي عهده احمد حميد الدين في ولائهم ، خاصة وبعضهم انخرط بالفعل وسط التجمعات الفكرية والبؤر الثورية الطامحة لتغيير نظام الحكم او ترويضه وتحديثه على الأقل .
من طرائف ما يروى عن البعثة العسكرية العراقية ، انها حملت معها من بغداد العديد من معدات واسلحة التدريب الحديثة ، و كم هائل من الملابس العسكرية ، لكن الجنود اليمنيين رفضوا ارتداء الشورت العسكري القصير بدعوى مخالفته للشرع ، فيما سرت اشاعة مغرضة حول التدريبات العسكرية ، من انها تفضي الى انهاك قوة الجندي وتجعله عبداً ذليلاًً مطيعاً للاوامر .. وهو ما أدى الى اندلاع التمرد في الجيش الدفاعي والجيش المظفر ، بل وكانت النهاية صدور الامر بنقل فوج التدريب اليمني الى تعز .. وهناك استطاع ولي العهد الامير احمد حميد الدين في بث الفرقة والشقاق بين أفراد الجيشين نهاية بتوزيع خريجي الفوج لجمع العشور والضرائب من الاهالي بعدما شاع التندر والسخرية من التعليم العسكري الجديد، الى حد السماح بتقليد حركات التمارين في الشوارع !ولاشك ان الوعي الثوري تسرب الى اليمن بشكل عام والي الجيش بالتحديد عبر الضباط اليمنيين الذين تدربوا في العراق ، وغيرهم من الذين كانوا ضمن افواج المتدربين على يد ضباط البعثات العسكرية العراقية في اليمن ، وحين كان عليهم العودة الى بغداد ، تشبث الرئيس جمال جميل بالبقاء في اليمن ، وهو كان ضمن المشاركين القياديين في ثورة 1948 ، وقام شخصياً بقتل سيفي الاسلام المحسن والحسين ، وعندما انتصرت الثورة شغل منصب قائد عام الجيش اليمني ومديراً للامن العام ، فلما انتكست كانت رأسه من أوائل رؤوس الثوار التي قطعها سيف الجلاد أحمد بن حميد الدين !
على ان من كتبت له النجاة من الموت بسيف “الوشاح” سياف الامام ، مات في السجون الرهيبة تحت الارض من جراء التعذيب والمرض والجوع والاذلال ، ويذكر ان نحو 800 من مشايخ قبيلة الزرانيق ماتوا تباعاً من وطأة انتشار الجراثيم والمكروبات في سجن نافع ، إذ كانت المراحيض تصب ليل نهار الى داخل الاقبية والدهاليز ومضاجع الثوار !
هل تدخلت مصر فى اليمن ؟
لعل من ابرز اشكاليات الفهم والكتابة عن ثورة اليمن ذلك الخلط المعيب بين مفهوم الضرورات التي حتمت اندلاعها ، وبين تداعيات الدور المصري عندما بادر الى مساندتها، بل وساد اعتقاد خاطيء لدى البعض من الكتاب وعامة الناس كما لو ان الثورة اليمنية مجرد محصلة لسياسة وتدبير واعداد من جانب مصر ، ولاشك ان هذا الالتباس لم يكن جهلاً بالحقائق فحسب ، وإنما ينم كذلك عن محاولة مشبوهة للطعن المزدوج ، سواء في مصداقية الموقف القومي لثورة 23 يوليو في دعمها للثورة اليمنية ، او في ضعف البنية الاساسية للثورة اليمنية وافتقارها الى المؤهلات الذاتية التي تحتم اندلاعها !
ولاشك ان المتابع لتاريخ اليمن الحديث ، سوف يلاحظ ان النظام الامامي ، سواء عبر الوعي بتوازنات القوى في المنطقة ، ام بطبيعة الامور ، قد استفاد الى حد كبير من العنصر الخارجي في الحفاظ على نفوذه الداخلي والامساك بتلاليب السلطة والوقاية من مخاطر الثورات والانتفاضات الشعبية !
من هنا كان من الطبيعي ان يرنو الذين عقدوا العزم على تفجير ثورة 26 سبتمبر، الى ثورة 23 يوليو المصرية وزعيمها جمال عبد الناصر الذي اخذ على عاتقه دعم ومساندة حركات التحرر ، لأن تصدي الثورة اليمنية بامكاناتها الذاتية في مواجهة قوى الثورة المضادة تعني مثالية مضللة وقاتلة ، بينما قوى الثورة المضادة لديها من الدعم الداخلي والخارجي ما يمكنها من الصمود واجهاض الثورات والانتفاضات .
واذن فالدور المصري لم يكن ينطوي على شبه اكراه ، كما لم يكن يعني تدخلاً في شئون اليمن على غير إرادة شعبه ، بينما كان التدخل المعادي لإجهاض الثورة على غير إرادة اليمنيين من وراء الحدود ، بمعنى ان الدور المصري كان ضرورة قومية أملتها الظروف الموضوعية والاقليمية التي أحاطت بثورة اصيلة نهضت بإرادة جماهيرية حرة ، وترتكز على قوى اجتماعية وفكرية وعقيدة راسخة طامحه للتغيير ومواكبة العصر ، وهو ما مكنها بعد الاطاحة بسلطة الامامة من ان تخطو خطوتها الاولى في ظروف طبيعية ، نحو بناء الدولة من الصغر ، وتحديث قواتها المسلحة والشروع الى فرض هيبة ونفوذ السلطة المركزية وتعزيز الولاء للوطن !
ثم ان القوات المصرية عندما غادرت اليمن بعد خمس سنوات من أدائها لدورها القومي الجسور ، كانت الثورة اليمنية انذاك قادرة بقواها الذاتية وحدها في التصدي للاجتياح العسكري الامامي المدعوم بالقبائل الملكية وبأحد الاسلحة واغراءات الذهب الرنان وبالمرتزقة الاجانب تحت قيادة الضابط الامريكي المغامر المدعو “كومر” ، ومع ذلك اجتازت الثورة اليمنية بنجاح امتحان التاريخ الصعب لمصداقيتها السياسية والشعبية على مدى سبعين يوماً من الحصار الذي طوق العاصمة صنعاء ، وأكدت بطلان الزعم بأنها مجرد نمر من ورق ولاهية الحائط المائل التي يعتمد في قوتها واستمراريتها على المساندة الخارجية !
مأزق الاحتلال العثماني
ولعلنا من هنا نشيد بعطاء الكتاب والباحثين العرب والاجانب الذين توافروا على سبر أغوار “الدور المصري في اليمن” وفي طليعتهم الدكتور احمد يوسف رئيس معهد الدراسات العربية ، فهو الذي اختاره موضوعاً لرسالة الدكتوراه من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1978 ، وبعدها كان استاذا ً ورئيساً لقسم العلوم السياسية في كلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء أواخر الثمانينات .
ومن الاجانب يجدر الاشادة – مع التحفظ على كتاب “الحرب في اليمن – دراسة في الثورة والحرب حتى عام 1970” لمؤلفه البريطاني ادجار اوبلانس ، حيث تابع مسيرة الثورة ميدانياً ، وكذا الدور المصري ازاء دعمها سياسيًا وعسكرياً ابتداء من صفحة 130 ، ثم لأن الشيء بالشيء يذكر ، من هنا وجبت الاشادة كذلك بالدكتور سيد مصطفى سالم الذي نذر جهده العلمي على صعيد الاسهام في تحقيق وتوثيق بعض من مراحل التاريخ اليمني وتنقيته من عوامل التشويه وغبار النسيان ، فاستحق عن جدارة الانعام عليه بالجنسية اليمنية مع احتفاظه بالجنسية المصرية ، فلما طاب له المقام في صنعاء تزوج بيمنية !
اتذكر مما قرأته للدكتور سيد مصطفى كتابه القيم “الفتح العثماني الاول لليمن” حيث يشير الى مرتكز هام في تاريخ الوطنية اليمنية التي تأبى الضيم والاحتلال وشراسة نضالها من أجل الحرية والانعتاق ، مما جعل الاتراك يعترفون عبر مقولتهم الشهيرة :”ما رأينا مسبكاً مثل اليمن لعساكرنا ، كلما جهزنا عسكراً ذاب ذوبان الملح ولا يعود منهم الا الفرد النادر” صفحة 194 ، صفحة 195 .
ومما لاشك فيه ان هذه المقولة التاريخية كانت موضع الدراسة المتعمقة من قبل الانجليز ، وهو ما أدى بهم الى التمرتس في عدن وحصر احتلالها على المساحة المحيطة بها فحسب ، وعدم المغامرة في التغلغل الى داخل اليمن خشية مصير العثمانيين الذي ينتظرهم حتماً !
من هنا كان النقد الموضوعي الذي نال الدور المصري في اليمن عندما تجاوز تجربة العثمانيين مع اختلاف المقاصد والمصالح ، فلا كان لدى القيادة العامة للقوات المصرية دراسة تاريخية قديمة او حديثة عن اليمن ، ولا دراسة علمية لأبعاد ومكونات الشخصية اليمنية ، او دراسة ميدانية للظاهرة القبلية ومعالم القوة والضعف وكذا العادات والتقاليد لكل قبيلة كبيرة ، خاصة في اطار العزلة التي فرضها الائمة على اليمن ، بل وعلى كل قبيلة على حده ، اضافة للتداعيات السلبية التي تخلفت عن حروب “الخطاط” بين القبائل المسلحة التي لم تكن لها حرفة او مصدراً لكسب سوى الحرب .. نهاية بعدم توافر الخرائط الحديثة التفصيلية للمواقع والطرق والمدقات الفرعية في اليمن !
هكذا لعبت تلك العوامل مجتمعة دورها في تصعيب مهام الدور المصري على أكثر من صعيد ، على نحو ما سوف يأتي تناوله تفصيلاً في حينه ، لكن علينا ان نبدأ أولاً بمرحلة اختمار قرار جمال عبد الناصر لدعم الثورة اليمنية ، وهل كان من حيث التوقيت قبل ام بعد اندلاعها في 26 سبتمبر 1962 !


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.