هيئة الآثار تكشف حقيقة وجود كهف أثري جنوب محافظة عمران    تصعيد استيطاني واسع بالضفة: إحراق خيام بالأغوار واعتداءات تطال نابلس وبيت لحم وسلفيت    الذهب والفضة ينتعشان عالمياً اليوم بعد موجة هبوط حادة    تطرف مناخي عالمي.. وتحذيرات هامة لسكان المرتفعات اليمنية من موجة صقيع    قضية الجنوب وقتل المتظاهرين في شبوة تصل إلى الإعلام الدولي وتفتح باب المساءلة    أتلتيكو يسحق برشلونة 4-0 في ذهاب نصف نهائي كأس الملك    تحرك دولي مكثف من لندن... عمرو البيض يفتح أبواب القرار العالمي أمام الجنوب    إحاطة أممية تكشف واقع القمع في الجنوب وتحذّر من انفجار شامل    عوض بن الوزير.. هل هكذا ترد الجميل لأبناء شبوة الذين أوصلوك إلى سدة الحكم؟    أمريكا تسلم قاعدة التنف للجماعات المسلحة في سوريا    وزارة الشباب تدشِّن حملة "أهلًا رمضان" بحملة نظافة في مدينة الثورة الرياضية    "مجموعة الموت".. نتيجة قرعة دوري أمم أوروبا لموسم 2026-2027    تحقيق استقصائي يكشف نهب السعودية لنفط وغاز اليمن في الربع الخالي    الترب: اليمن اليوم أقوى مما كانت عليه قبل عشرة أعوام    الفيفا يفرض عقوبة قاسية على بلباو    المندوب الروسي يحذر من التداعيات في جنوب وشرق اليمن    إدانات حقوقية دولية تفتح باب التحقيق في جريمة شبوة وتبعث الأمل للجنوبيين    صنعاء.. إيقاف التعامل مع منشأة صرافة وإعادة التعامل مع أخرى    المبعوث الأممي يناقش تقليص التوترات وتعزيز فرص إطلاق عملية سياسية جامعة في اليمن    في اجتماع موسع.. الضالع تتأهب ل"مليونية الاثنين": واتصال مباشر للرئيس الزُبيدي يلهب حماس الجماهير    ابشِروا يا قتلة شبوة بعذاب جهنم الطويل.. طفل يتيم ابن الشهيد بن عشبة ينظر إلى تراب قبر أبيه وحسرة قلبه الصغير تفتت الصخر(صور)    أكسفورد تحتفي بالروحانية الإسلامية عبر معرض فني عالمي    وزارة النفط تواصل برنامج تقييم الأمن والسلامة بمحطات صنعاء    جماليات التشكيل ودينامية الدلالة في شعر الدكتور خالد الفهد مياس: مقاربة تحليلية تأويلية في ضوء شرفات الشوق ونبضاتي    تقرير أمريكي: مقتل خمسة متظاهرين وإصابة العشرات أثناء تفريق الأمن احتجاجًا في شبوة    الفريق السامعي يهنئ إيران بالذكرى السنوية بثورتها ويشيد بما حققته من انجازات    مناقشة أول أطروحة دكتوراه بجامعة الحديدة بقسم القرآن وعلومه بكلية التربية    الافراج عن 135 سجينًا في حجة بمناسبة رمضان    معرض للمستلزمات الزراعية في صنعاء    الاتحاد التعاوني الزراعي يدعو المواطنين إلى شراء التمور والألبان المحلية    موسم الخيبة    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "ارواح وكوابيس"    المعاناة مستمرة.. برشلونة يغير خطته مجددا قبل موقعة أتلتيكو    كأس المانيا ..بايرن ميونيخ إلى نصف النهائي    الحديدة.. الإعلان عن مبادرة رئاسية بخصوص الكهرباء    السيتي يواصل ضغطه على صدارة آرسنال    مصر.. النيابة تحقق في سرقة لوحة أثرية فرعونية    هيئة الزكاة تدشن مشاريع التمكين الاقتصادي ل667 أسرة بمحافظة إب    لا...؛ للقتل    دراسة صينية: الدماغ والعظام في شبكة واحدة من التفاعلات    تدشين صرف الزكاة العينية من الحبوب في الحديدة    عاجل: شبوة برس ينشر صورة أول شهيد في عتق الشاب محمد خميس عبيد خبازي    تهريب تمثال يمني نادر يعود للعصور السبئية    هل تتدخل جهات دولية لإيقاف جرائم تهريب النفط اليمني الخام؟!    حجة.. جمعية الحكمة اليمانية الخيرية تدشّن مخيم عيون لإزالة المياه البيضاء بمديرية عبس    الاستمرارية في تأمين دفع رواتب موظفي الدولة.. بين الدعم الخارجي والحلول المستدامة    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    نقابة الصحفيين والاعلاميين الجنوبيين تحيي حفل تأبين الفقيدة أشجان المقطري    دراسة: التناول المعتدل للشاي والقهوة يقلل خطر الإصابة بالخرف    السامعي يعزّي وكيل أمانة العاصمة في وفاة والدته    السيد عبدالرحمن الجفري يبعث برقية تعزية في رحيل المناضل الوطني الشيخ علوي علي بن سنبله باراس    الهيئة العليا للأدوية تتلف 80 طناً من الأدوية المهربة    منظمات حقوقية تدين القمع في سيئون وتدعو الأمم المتحدة بارسال لجان تحقيق دولية    مثقفون يمنيون يتضامنون مع النائب حاشد ويدينون سلبية سلطات صنعاء وعدن تجاهه ويحذرون من تدهور وضعه الصحي    ماوراء جزيرة إبستين؟!    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أول قاضية في الإسلام
نشر في الجمهورية يوم 01 - 09 - 2008


«أم الشفاء»
العدل فريضة شرعية أوجبها الله تعالى، وجعلها أصلاً من أصول شرعه، ومقصداً من مقاصده التي لايجوز الإخلال بها، أو الانحراف عنها، وقد أمر سبحانه بذلك أمراً في محكم كتابه حين قال: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان»، كما أوجب العدل في جميع الحالات، وحذر من أن يكون اتباع الهوى سبباً للزيغ عن طريقه في الحكم به على من نحبهم أو نبغضهم فقال سبحانه: «ولايجرمنكم شنآن قوم على أن لاتعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى» وقال سبحانه:« فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا» وقال سبحانه: «ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين» ومن ثم كان الأمر بالعدل مطلقاً في جميع الأحوال، وفي كل الحالات، حتى ولو كان الحكم به على أنفسنا أو من نحبهم، أو على أعدائنا ومن نبغضهم، وذلك وحده كاف في إظهار أهميته، وإبراز مكانته.
والعدل يعني أن نقيم الحق، وأن نحكم بين الناس على أساس أحكامه، وأن يكون الناس جميعاً أمام تلك الأحكام على درجة سواءً، وهذا يعني بداهة أن تكون هذه الأحكام معروفة على نحو دقيق من خلال نصوص محددة، أو مواد مقننة، وأن يتحقق الإلمام بها من قبل القادرين على استيعابها وفهمها وإنزالها في مجال التطبيق، فإذا كان العدل يعني مضمون النص الذي يجب إنزاله في مجال التطبيق على الناس جميعاً دون تفرقة بينهم، فإنه مع ذلك يقتضى القدرة على إنزال هذا النص في مجال التطبيق، وبهذا يتحدد معنى العدل، فهو علم يقيم ميزان الحق كما أمر الله تعالى بإقامته واستعمال هذا الميزان في مجال التطبيق على كل حالة يراد وزنها به، ولهذا عرف الفقهاء القضاء بأنه: الحكم بين الناس، أو الفصل في الخصومات بحكم ملزم التطبيق، وإذا كان العدل مطلوباً شرعاً على هذا النحو، فإن مايوصل إلى هذا الواجب يكون واجباً كذلك ومايوصل إلى العدل هو القضاء، ولهذا كان القضاء واجباً.
وأساس القضاء هو العلم الكافي الذي يقدر به من يتولاه على الاضطلاع بعبئه، وذلك بالإجازة في مواد الشريعة والقانون والقدرة على إنزال ماحصله من علم بمقتضى تلك الإجازة في مجال التطبيق على القضايا المنظورة أمامه، يدل على ذلك ماذكره الفقهاء عند بيان الحكم الشرعي لتولي القضاء حين قالوا: إنه فرض كفاية أو واجب كفائي، ومعنى أنه فرض أو واجب كفائي أن من يقوم به يجب أن يكون على درجة من الكفاءة التي يقدر بها على الحكم بين الناس بالعدل، لأن الفرض سببه الكفاية، أي كفاية من يقوم به، وإذا كان مبناه على الكفاية، يكون العلم هو الفيصل في أولوية إسناد مهامه لمن يقوم به.
وإذا كان العلم هو أساس الاقتدار الذي تتشكل من خلاله الكفاءة لتولي القضاء يكون من العدل الذي طلبه الشارع إسناد ولايته للمرأة إذا كانت أكثر تفوقاً أو علماً من الرجل في مجاله، وليس من المقبول شرعاً أن تكون حاصلة على درجة متفوقة في مجال علومه، أو أن يكون الرجل دونها في تلك الدرجة ثم تحرم من تولي منصبه بمقولة إنها امرأة أو إنها أنثى، لأن الفيصل في إصابة مقصود الشارع من الحكم بين الناس بالعدل هو العلم، وليس الجنس أو اختلاف النوع، وإلا لصح في إطار هذا المنطلق، أن يتولى الجاهل أريكته مع وجود من تحيط بعلومه، ومثل هذا إن حدث فلن يرجى من ورائه عدل ولن يستقيم من خلاله الحكم بين الناس به، لأنه سيكون إمضاء لما يراه من لاعلم عنده، وليس تطبيقاً لمبادئ محددة تستمد مشروعيتها من هدى الدين أو إعمالاً لما أمضاه المشرع من نصوص التقنين، ومانظن أن يقول بهذا أحد، وإذا كان ذلك كذلك، يكون إبعاد المرأة ذات الكفاءة العلمية عن منصبه، عملاً ليس في صالح العدل الذي أمر الله بإقامته، ويكون مخالفاً لمقصوده سبحانه.
وليس من الصحيح مايقال: إن أدلة الشريعة تمنع المرأة من تولي القضاء، إذ ربما كان عكس ذلك هو الصحيح، وبناء عليه ذهب كثير من كبار الفقهاء كالإمام ابن جرير الطبري والإمام ابن حزم إلى أن للمرأة أن تتولى القضاء بجميع أنواعه، وليست الذكورة شرطاً عندهما لتوليه، فيجوز للمرأة أن تتولاه كالرجل سواء بسواء وقد وافقهما في ذلك فقهاء الحنفية، وبعض فقهاء المالكية كابن القاسم وغيره.
حيث ذهبوا إلى أنها يجوز أن تتولى القضاء فيما يجوز أن تشهد فيه وتحفظ بعض الحنفية فقالوا إنها يجوز أن تتولى القضاء في كل شيء ماعدا الحدود والجنايات ويبدو مماذكروه من أسانيد قولهم: إن هذا الاستثناء ليس بسبب طعن في أهليتها أو قدح في كفاءتها، ولكن مبعثه مراعاة حيائها في مجلس القضاء بالحدود لما قد يكون فيها من ذكر أمور تمس الحياء أو تخدش مواطن العفة فيها، خاصة في جرائم العرض كالزنى والقذف بما يشين أو ترفقاً بمشاعرها وأنوثتها عند الفصل في الجنايات على النفس لأنها تنطوي على مشاهد العنف التي تؤذي مشاعرها، وتصدم أنوثتها، فأعفيت من هذين المجالين لذلك تخفيفاً عليها ورفقاً بها، وليس لعدم صلاحيتها للفصل فيهما، وهذا القول مردود بأن منعها إن كان رفقاً بها، يكون رخصة لايحرم تركها، ولو كان للفصل في تلك القضايا تأثير سيئ على فطرتها، لما نجحت في دراستها بالكليات التي تؤهلها للقضاء، فإنها تدرس الأركان المادية لتلك الجرائم عملياً ونظرياً، ولم يقل أحد إنها ذات تأثير سيئ عليها، وإلا لو كان لمثل هذا التأثير وجود لما كان من الصواب السماح لها بدراستها، ولتعين حرمانها منها، وهذا يصادم حقها في التعليم، ومادام لم يحدث مثل هذا التأثير السيئ عليها من خلال الدراسة ولايجوز حرمانها منها، يكون أمره مجرد ظن، لايصح الاستناد إليه، لأن الظن لايغنى من الحق أو الواقع شيئاً، وقد ذكر الإمام ابن حزم في المحلى «ج9 ص924»: إن أول امرأة تولت القضاء في الإسلام هي أم الشفاء بنت عبيد الله بن خلف القرشية، والدة عبدالرحمن بن عوف، حيث ولاها عمر بن الخطاب الحسبة على الأسواق، وهي نوع من القضاء المختص بالمعاملات المالية والتجارية من جهة جودة السلع وتنظيم الأسعار يشبه في عصرنا المحاكم التجارية وماتتغياه من الفصل في المنازعات المتعلقة بالتجارة والسوق، وهما وثيقاً الصلة بالمعاملات المالية المعاصرة.
وماكان لمثل عمر بن الخطاب أن يقوم بهذا العمل لو أنه قد وجد فيه مخالفة لأحكام الدين أو إهداراً لأصل من أصوله، أو أنه كان يعلم بحكم موقعه من رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وصحابته، وخلافته للمسلمين بعد أبي بكر الصديق رضى الله عنهم أن هذا العمل مخالف لهدى دينه أو مبادئ سنته، فلو كان يعلم ذلك أو صح لديه مايستدل به الذين يريدون أن يبخسوا حق المرأة في تولي القضاء، ماولاها ولكنه حين أصدر قرار توليتها قد أعمل مبادئ الدين في توليه الأصلح والأكفأ بناء على علمه، وقدرته على إنزال مايعلمه من علوم التشريع في مجال الواقع والتطبيق، وكانت أم الشفاء على علم وكفاءة أهلاها لذلك، فقد كانت ذات شخصية قوية استلفتت نظر عمر بن الخطاب، وكانت صاحبة علم ورأي، حتى كان رضي الله عنه يقدم رأيها على رأي كثير من الرجال ويفضلها عليهم، كما ذكر الإمام ابن حجر في الإصابة وغيره من الباحثين والمؤرخين، كما كانت مصيبة في قضائها وقوية ذات هيبة في أحكامها، وكان الناس يقيمون لها وزناً شديداً، وحساباً حفظ عليهم أقواتهم وأسباب معاشهم.. وحق المرأة في تولي وظيفة القضاء يقوم على أصول شرعية يمثل تجاهلها إهداراً لأصول الدين وبعداً عن هديه، لأن المرأة كالرجل في مجال التكليف فكانا في كافة أمور التشريع، على درجة سواءً إلا ماورد الدليل بتخصيص أحدهما به ولم يؤثر مثل هذا التخصيص أحدهما به، ولم يؤثر مثل هذا التخصيص إلا في مجال الإمامة العظمى.
ومن المتفق عليه عند جميع الأئمة أن المرأة أهل للفتيا، وأنها إذا وصلت إلى مرحلة النذارة أي تعليم الناس وتذكيرهم بأمور دينهم، كما قال الله تعالى «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» يجب الأخذ عنها فالنذارة قد تكون من اختصاص المرأة إذا وصلت إلى درجة الفقه في الدين، بل إنها إذا وصلت لذلك يجب نذارتها، ويجب على الرجال أن يأخذوا عنها، ولايجوز لهم أن يعرضوا عن الحق الذي تعلمه لهم بزعم أنها امرأة والقضاء على وفق الفتيا فإذا كان من الجائز أن تكون مفتية، فإنه يجوز أن تكون قاضية ولايخل بذلك القياس الصحيح مايقال من أن الفتوى إخبار بحكم شرعي غير ملزم وأن القضاء إخبار بحكم شرعي مع الإلزام لأن الإلزام ليس من اختصاص المرأة، ولكنه اختصاص السلطة التنفيذية التي تضطلع بتنفيذ أحكام القضاء، وإذا كان تنفيذ الأحكام من اختصاص السلطة التنفيذية فإن المرأة تتساوى مع الرجل في ذلك ولايكون ثمة مايقتضي التفرقة بينهما في صلاحية تولي القضاء لذلك.
ثم إن للمرأة حق الولاية الخاصة على الأيتام ونظارة الوقف فلم لايكون لها حق ولاية القضاء؟ لقد روى الشيخان عن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته» ومن يتأمل هذا الحديث الشريف يجد أن المرأة متساوية مع الرجل في الولاية الخاصة، وقد ختم الحديث بما يفيد عموم المساواة بينهما في الولاية بقوله صلى الله عليه وسلم:« وكلكم راع ومسئول عن رعيته» وإذا كانت تلك المساواة قائمة في مجال الولاية الخاصة،فإنه لايكون ثمة مسوغ للتفرقة بينهما في مجال الولاية العامة التي لم يدخلها التخصيص بأحدهما كالولاية العظمى،ويكون ماعداها بينهما على السواء.
ومايثيره المانعون لتولي المرأة القضاء من أسانيد لم يسلم من المناقشات التي تدل على أن تلك الأسانيد لاتصلح أساساً لحرمانها من هذا الحق ومن ذلك:
أولاً: ما قالوه من أن للرجل القوامة على المرأة بقول الله تعالى: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم»، وأنه إذا كان قواماً عليها، فإنه يصلح لتولي القضاء دونها، هذا القول لايدل لهم على ماذهبوا إليه،وربما كان دليلاً عليهم لا لهم،لأن تقرير القوامة للرجل على المرأة ليس نوعاً من الوصاية عليها،وإنما هو في حقيقته نوع من تخفيف مسئوليتها في مجال الأعباء المالية والأسرية،بإلقاء عبئها على الرجل حتى تتفرغ لما يطلب منها من أعباء أخرى في المجالين الخاص والعام،ومنها تلك التي تصلح لتوليتها من المناصب والوظائف،والتي يدخل القضاء فيها، ولهذا كان مايثار في هذا المجال دليلاً يرجح جانب حق المرأة في تولي القضاء، وليس في عدم توليه،ثم إن القوامة ليست هي الأساس في تولي القضاء،وإلا لكان الجهلاء،ومن لا دراية لهم بعلومه أهلاً لتوليه بمقولة أن لهم القوامة على النساء،وهذا ما لايقول به أحد،وإنما الأساس هو العلم،وهي قد تتفوق على الرجل فيه،ومن ثم تكون هي الأكفأ منه،وهي الأصلح لتولي شئون المنصب دونه.
ثانياً: وما قالوه من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وأن هذا يفيد عدم جواز توليها القضاء،حتى لايكون المجتمع الذي يوليها واقعاً تحت وعيد النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بعدم الفلاح في الحياة، فإن ذلك القول مردود عليه بأن هذا الحديث لايفيد النهي عن تولي جميع الولايات، وإلا كانت ولايتها الخاصة داخلة ضمن دلالته، فلايجوز لها توليها، وهذا يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم:«والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها»،ولهذا لايستقيم القول بعموم دلالة الحديث لجميع الولايات لأن منها ماهو مجمع على حقها في توليه دون نكير من أحد، وإذا كان ذلك كذلك،تكون دلالة الحديث مقتصرة على أهل فارس بعينهم،لا لأن امرأة فيهم قد وليت رئاسة الدولة عليهم،بل لما عرفوا به من خلال تلك الواقعة الغريبة في وقتها، ومن ثم لايقوم على تولي المرأة كافة المناصب دليل محرم،أو تكون دلالته خاصة بتحريم الإمامة العظمى، وهذا مايقول به جمهور الفقهاء، ومن ثم يكون ماعداها باقياً على الإباحة والجواز، ومنه توليها القضاء، فلايكون هذا الحديث الشريف دليلاً على حرمانها منه.
ثالثاً: وماقالوه من أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين،وذلك من شأنه أن يقدح في أهليتهن لتولي القضاء،فإن ذلك مردود بماهو ثابت من أن نقصان العقل والدين ليس نقصاً على الحقيقة حتى يمثل قدحاً في أهليتها للقضاء، وإنما هو نوع من التخفيف عليها،والترخيص لها في مجال الشهادة وما يعتريها من طوارئ الأنوثة كالحيض والنفاس والحمل والرضاع، وقد بين الشارع حكم هذا النقص وعالجه بأدلة واضحة في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال بيان أحكام نصاب شهادة النساء،وما اختصه بهن من الإعفاء في مجال العبادات عند حلول طوارئ الأنوثة بهن،وليس من ضمن تلك الأحكام حرمانهن من الولايات التي يصلحن لتوليها،ومنها ولاية القضاء.
إن تولي القضاء حق، ولم يعهد في شرع الله أن يحرم عبده من حق بسبب أمر لايد له فيه،ولهذا لايجوز القول بأن مايعتري المرأة من حمل وولادة،ورضاع وحيض ونفاس ينبغي أن يكون مانعاً لها من تولي وظيفة معينة،بل يتقرر لها هذا الحق،ويترك أمر توليه لرغبتها،أو اعراضها منه بإرادتها،أما أن تحرم جبراً منه، فذلك مالايستساغ القول به، فإذا طلبت المرأة توليه فلايجوز حرمانها منه بمقولة أنها تحمل وتلد،وتحيض وتنفس إلا إذا كان ذلك نوعاً من التزيد في الدين عما قرره من أحكام تعالج عوارض الأهلية وطوارئ الأنوثة عند النساء.
رابعاً: وماقيل من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تتولى المرأة القضاء»، أو أن الاجماع قد انعقد على عدم توليها للقضاء، فذلك القول غير صحيح، لأن هذا الحديث لم يصح، كما أنه لم يثبت في كتب السنة فلايحتج به، ودعوى الاجماع منقوضة بتلك الأدلة،وبما ورد من ثبوت الخلاف في ذلك، ولذلك فإنه لايحتج به.
ويبدو من تلك الأدلة وغيرها أن حق المرأة في تولي القضاء من الحقوق الثابتة التي لايجوز غمطها، وأن إنكار هذا الحق عليها فيه مساس بسلامة العدالة وحرمانها من طاقات علمية تفيدها،وتثري محرابها،فإن مدارها على العلم والقدرة على التطبيق،والمرأة قد تكون أكثر من الرجل علماً في مجاله،بل قد تكون أستاذاً،يتخرج على يديه القاضي،فكيف يستقيم القول بصلاحية التلميذ،وعدم صلاحية الأستاذ؟!،وما يقال عن عاطفة المرأة ورقة مشاعرها،وماقد يخشى على القضاء منهما بعدم قدرتها على إدراك الحكم الصحيح،فذلك مالايصح التسليم به،بعد أن رأينا المرأة تثبت نجاحها فيما هو أشق من ذلك على مشاعرها،كقيامها بعمل سجّانة أو جراحة أو غيرهما من الوظائف التي تكشف عن صلاحيتها له كالمحاماة، وكالقضاء في كثير من فروعه في بعض البلاد الإسلامية،بل وفي كل فروع القضاء في البلاد الأخرى، ولهذا فإنه قد يقال أن العرف والتقاليد يمنعان تولي المرأة القضاء لكن لايجوز أن يقال: إن الشرع يمنعها منه،فذلك يمثل مخالفة لرأي الدين وإعراضاً عن هديه المبين،والله الموفق والمعين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.