الحوثي يجند 4 آلاف ( زينبية) في كتائبه النسائية    البنك المركزي يعلن استعداده تغطية احتياجات جميع البنوك من العملات الاجنبية بسعر506    عرض الصحف البريطانية.. ديلي تلغراف: السيسي يضمن البقاء في السلطة حتى 2030 في "استفتاء صوري"    آلاف الأفارقة الوافدين يربكون سلطات عدن    اليوم .. شركة اسمنت الوطنية تختتم دوري الشهداء    الهند تعفي ابناء الجالية اليمنية ومواليدهم من غرامات نظام الإقامة    تراجع جديد للريال اليمني أمام العملات الأجنبية في بداية تداولات صباح اليوم في (صنعاء،عدن)    طرد عائلة البشير وأشقائه من مسكنه بالقيادة العامة للجيش    حرب اليمن.. ربع مليون قتيل وثلاثة سيناريوهات    المقاومة الشعبية تغدر بالحوثيين وتحول الساحة الى "محرقة" وتدمر طقميين وقتلى بالعشرات والمعارك على أشدها في الضالع    ورد الان : انزال مظلي للتحالف ينقذ الجيش الوطني ويدفع الحوثيين للفرار    صورة ..العثور على جثة طفل داخل سيارة مهجورة في عدن    التحالف يوقع مجزرة مروعة بحق الحوثيين في الضالع قبل قليل بينها القائد "ابو العز" وكل من كان في الاجتماع    أول تصريح رسمي لنقيب الفنانين المصريين بشأن "إعلان وفاة النجم الكبير عادل إمام"..! (فيديو)    شاهد سيدة من الإمارات فاقت من الغيبوبة بعد 27 عاما، لن تصدق ماذا سألت؟    “ليفربول” يعرض التخلي عن محمد صلاح بسعر خيالي    وصفة سحرية من الخيار والثوم لعلاج هذا المرض الخطير    شاهد بالفيديو… ما حل بنهر القذافي الصناعي بعد سقوط نظامه !    رواتب بالريال الإلكتروني.. ميليشيا الحوثي تعتقل قيادات بقطاع النفط لرفضهم إستلامها    عيد ميلاد سعيد يا والدي الغالي والعزيز    قطر تكشف عن أضخم برنامج لها في صناعة الغاز    مجلس كلية التربية الضالع يعقد اجتماعه الدوري ويعلق الدراسة نتيجة قصف الحوثيين لمحيط الكلية    4 مدربين أوروبيين مرشحون لقيادة المنتخب السعودي    اجتماع يقف أمام مستجدات الوضع الصحي في المكلا    زيدان يكتشف سبب فشل ريال مدريد في الفترة الأخيرة    تعرف على النادي الذي تصدر قائمة الأندية الأعلى إيرادات    اللجنة الرقابية لحماية المستهلك تنفذ النزول الميداني الثاني للمحلات التجارية    المخ الماسوني    الفوضى الأمنية في إب تغتال روح أحد المعلمين    مواعيد رحلات طيران اليمنية ليوم الاربعاء 24 ابريل 2019م    الدوري الإسباني| برشلونة يقترب خطوة جديدة من اللقب بالفوز على ألافيس    توتنهام يحافظ على المركز الثالث بفوز صعب على برايتون    الداخلية السعودية تعلن تنفيذ حكم الاعدام في يمنييان (تفاصيل)    الملك سلمان يكشف مضمون أربع رسائل وصلته من 4 زعماء    تمساح حي في شارع بالرياض .. وقوات الأمن تسيطر على الموقف    داعش يعلن المسؤولية عن الهجمات الإرهابية في سريلانكا    حظك مع الابراج الاربعاء 24 ابريل 2019    أكثر من 350 إنسان يستفيدون من المساعدات المرضية لغطاء الرحمة في اليمن    الطيران: 3 مليارات دولار خسائر إغلاق مطار صنعاء    موقع: السعودية تدفع بتعزيزات عسكرية جديدة إلى مطار الغيظة بالمهرة    الفلسفة والأطفال.. استئناف الدهشة!    مابين الضحايا الصامتة والمعاناة الإنسانية.. رُسومات تشكيلية جدارية لمعاناة اليمنيين    عن المعابر ومبادرة الحاج عبد الجبار هائل    هجوم فاشل يكبد المليشيا خسائر فادحة في الحديدة    أول معرض للكتاب في مدينة تعز منذ بدء الحرب    رامز جلال يروج لبرنامجه الجديد في رمضان الذي يقوم على هذه الفكرة    الثقافة تؤكد على أهمية الحفاظ على الموروث الثقافي الذي تزخر به حضرموت    عودة 48 شخصا من معتمري المهرة الى مطار الغيضة الدولي    لقاء برئاسة رئيس الوزراء يناقش جوانب تعزيز العمل بين الحكومة ومؤسساتها الإنتاجية والاقتصادية    ارتفاع الأسهم الأمريكية عند الفتح    تحذير هام من وزارة الأوقاف والإرشاد لكافة المواطنين بشأن تأشيرات الحج والعمرة..!؟    بالصورة ..احتجاز أعداد كبيرة من الأفارقة داخل ملعب في عدن وناشطون يناشدون التدخل العاجل    هوليوود تحتفل بآخر أفلام سلسلة "أفنغرز"    أعضاء حملة "عمرتك معنا" يؤدون أول عمرة لهم بعد وصولهم الأراضي المقدسة    الخيار بالثوم .. الحل لمرضى ضغط الدم    مناقشة ترتيبات تنفيذ حملة لقاح الكوليرا بثلاث مديريات بأمانة العاصمة    وزارة الاوقاف والارشاد تحذر من التعامل مع اي سماسرة او من يبيعون تأشيرات حج وهمية بعد اغلاق باب التسجيل    اجتماع يناقش ترتيبات العمرة لموسم رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الخلافة .. بين الدولة و الدين 1-4
نشر في الجمهورية يوم 02 - 09 - 2012

إن موضوع وقضية الإمامة، والخلافة – وأنا هنا أساوي بينهما في المعنى والدلالة السياسية، والواقعية، وليس الدلالة الذهنية الفكرية الدينية – أي بين الإمامة، والخلافة، لتوحد وتجسد معناهما في واقع الممارسة في شيء واحد هو الحاكم، أو الخليفة، أو الملك وهي في تقديرنا موضوع، وقضية من أعقد وأخطر المسائل الإشكالية ليس في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي فحسب، بل وفي تاريخ المعرفة الكلامية -علم الكلام-، والفقه، وما يزال حتى اللحظة يطفو على سطح بعض الأقوال، والكتابات خطاب الخلافة، وكأننا أمام محاولة لإعادة إنتاج ثقافة وواقع فتنة كبرى جديدة في شروط عصر مغاير، إن موضوع وقضية الإمامة في تجليه السياسي الواقعي التاريخي يكشف بوضوح إلى أي مدى توحدت النظرية والفكرة بالتطبيق، وإلى أي مدى جاء، وكأن الفكر الفلسفي والكلامي – علم الكلام- والفقهي المذهبي بعد ذلك تجسيد لوحدة الفكر بالواقع، في صورة الصراع الجاري حول الإمامة، والخلافة، فمسألة الإمامة، والخلافة، صحيح أنها بدأت بعد أن توفي الرسول الكريم (توقف الوحي، والنبوة) وتجسدت في صورة ما جرى في (سقيفة بني ساعدة) والطريقة المعروفة لنا جميعاً التي جرى فيها حل الخلاف، أو الصراع، والتي نوجزها في التالي:
إن السقيفة وما جرى داخلها من مداولات وجدل سياسي -ليس دينياً- هو حوار حول قضية السلطة وتقاسمها بين طرفي القوة والنفوذ في ذلك الحين، والذي تحول بعد ذلك إلى صراع أو (فتنة كبرى) كما يسميها البعض -أحمد شوقي، وطه حسين- وهي الخلافة التي تحولت إلى خلاف كما سماها د. عبد العزيز المقالح، الصراع الذي كان عنوانه البارز المهاجرين (قريش) والأنصار(1) (الأوس والخزرج)، وهي التي وضعت -بصورة نظرية عامة- حجر الأساس لدولة الخلافة العربية الإسلامية في صورتها الجنينية الأولى، وكان لقرب عهدها بالرسالة والنبوة (زمنياً) أثره العميق في اتِّصافها (خلافتي أبي بكر، وعمر) بالروح الدينية الإسلامية الصافية، ونقاوة الممارسة الإسلامية الأولى التي اشتبكت وتوحدت مع نفائس وذخائر روح دولة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، إضافة إلى الصفات الذاتية والسلوكية الشخصية لكل من أبي بكر، وعمر، ويكشف الجدل السياسي التاريخي في السقيفة حول من يخلف الرسول في الإدارة، والسياسة والقضاء بين المسلمين، إننا أمام قضية سياسية مباشرة، وليست دينية بأي وجه من الوجوه ،هي مسألة بناء الدولة التي لم يترك الرسول العظيم فيها أي وصية، أو تعيين، بل ولا حتى إشارة أو تلميح في من يخلفه، أو يأتي بعده، بصرف النظر عما تقوله بعض الاجتهادات الشيعية المذهبية الضعيفة التي ظهرت متأخرة بعد ذلك، التي لا تدخل إلا في دائرة الصراع السياسي والايديولوجي المذهبي الفقهي (سنة، شيعة بعد ذلك)...، ألم يقل أبو بكر الصديق في البداية منا الأمراء، ومنكم الوزراء، وقالت الأنصار: منا أمير،(2) ومنكم أمير، ومنذ السقيفة بدأت الفكرة الجنينية الأولى، لفكرة وقضية التشيع، ولكنها لم تكتمل وتأخذ صورتها وملامحها الواضحة إلا بداية نهاية خلافة عثمان ومقتله، من قِبَل من كانوا يرون في أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة، ورفضاً لأسلوب إدارته السياسية والاقتصادية للخلافة وللشأن العام،
كما نسميه اليوم، حيث جاءت سياسات عثمان بن عفان التي ارتكزت واعتمدت على العصبية الأموية والتي شكلت كما تقول الكثير من الكتابات التاريخية، انقلاباً على خلافتي أبي بكر، وعمر على وجه التحديد، ليصل معه التشيع السياسي أولاً إلى قمة تعبيره عن نفسه، حتى تحوله بعد قتل علي، والحسين بالطريقة الدرامية (المأسوية) التي عرفناها، إلى ظاهرة فكرية ومذهبية، وعقيدة راسخة، وتحدد بعد ذلك في صورة خلاف وصراع مذهبي (شيعي، سني) وكان (موضوع الخلاف الأساسي بين الشيعة والسنة هو: هل الدولة واجبة وجوباً دينياً أو مصلحياً) يرى أهل السنة أنها وجبت بالعقل لما في طباع العقلاء من التسليم بزعيم، يمنعهم عن التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم “بينما يرى الشيعة أن الإمام يقوم بأمور شرعية كان جائزاً في العقل أن لا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل موجباً لها” “والخليفة عند السنة يخلف الرسول في السلطة الزمنية فقط، وأحكام الرسول السياسية كانت اجتهادية، والإمامة ليست أصلاً من أصول الدين” أما الشيعة فجميعهم متفقون أن الإمامة ليست من المصالح العامة، التي تفوض في نظر الأمة، ويعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام(3) .
لقد أخذت مسألة وقضية الإمامة، والخلافة في تطورها أبعاداً جدلية مختلفة فكرية، فقهية، وكلامية (علم الكلام) ومحاورات نظرية أخذت في بعض تعبيراتها مناحي فلسفية في صورة بعض اتجاهات الخطاب الاعتزالي (المعتزلة)، والصوفية عند بعض رموزها، بعد ذلك، في مناقشة مسألة الإمامة، والخلافة،
وما رافق ولحق ذلك من اجتهادات فكرية فقهية منذ الخوارج شيعة علي (والقول لا حكم إلا لله) حتى تشكل الشيعة كحركة سياسية، ومذهبية بعد ذلك، وصولاً إلى ما نسميه اليوم مذهب أهل السنة، (المذاهب الأربعة، المالكية، الشافعية، الحنفية، الحنبلية)، واجتهاداتهم المختلفة حول مسألة الإمامة، والخلافة، ولأن الحيز لا يتسع للدخول في بحث بعض التفاصيل فإننا سنركز على الاتجاهات العامة الفكرية لتطور مسألة الإمامة والخلافة بصورة مكثفة موجزة، وبما يفي بالغرض، ويحقق هدف البحث في حدوده الدنيا.
لقد قدمت فرقة أو جماعة “المرجئة” اجتهادها حول مسألة الحكم (عندما قامت بفصل الدين كعقيدة عن المعاملات)، حيث رأت وقدرت المرجئة أن المسلم عضواً في الجماعة حتى لو ارتكب المعصية، وهل هو من أهل الجنة
أم من أهل النار لإخراجه من جماعة المسلمين، فهذه مسؤولية الله، ويُرجَأُ الفصل فيها إلى يوم الحساب، والقيامة(...) ورفض المرجئة اعتبار مخالفة بني أمية للشريعة سبباً معقولاً لإنكار بيعتهم كزعماء سياسيين، ورأوا أن عثمان، وعلي، ومعاوية يعملون لله ،وهو وحده الذي يحاسبهم(4) وهو تخريج سياسي، وأيديولوجي فقهي، وعملي، يؤدي غرضين أو يحقق هدفين في نفس الوقت، الأول: فصل الديني، عن السياسي (السلطة) أي أنه شكل عامل فاصل، وحَّد، بين الدنيوي الزمني، وبين الديني، الإلهي، والثاني: تجاوز سياسي واقعي (فقهي) لمحنة رأي الخوارج الداعي للحرب من خلال شعار (لا حكم إلا لله)
أو (إن لا حكم إلا لله) التي أنزلت قرآنياً، وعملياً (كتنزيل) في أهل الكتاب، حيث يعطي الشعار للخوارج حسب تأويلهم الايديولوجي حق أخذ الحق وتنفيذه بأيديهم، على قاعدة، وحدة الدين، والسياسة، أو وحدة الدين، والدولة . ورأى المعتزلة في خطابهم الكلامي، حول مرتكب المعصية، أو مرتكب الكبيرة حسب تعبيرهم أنه لا يخرج نهائياً من جماعة المسلمين ويبقى مسلماً، وليس كافراً، ويبقى في حالة خاصة منسحباً، أو على جنب، وبذلك يكون في منزلة بين المنزلتين، وهو موقف فكري كلامي غير واضح في موقفه في علاقة السياسة، بالدين، والدولة، بالدين، وهو مؤشر على ابتعادهم من ذلك الحين عن الصراع السياسي (السلطة) وبقائهم محافظين على نقائهم الفكري الكلامي، على عكس موقفهم بعد ذلك في محنة (خلق القرآن) وتورطهم في العلاقة بالسلطة فترة المأمون . أما الأشاعرة، فقد قدموا رؤية فكرية فقهية سياسية، برجماتية -حسب توصيفنا لها اليوم- هي عملياً إقرار بالأمر الواقع وهي محاولة لتكييف النظرية لصالح واقع الإمامة، والخلافة (السلطة / الدولة) القائمة، وهم من أسسوا بعد ذلك لما نسميه مذهب أهل السنة، في تطوره الفكري الفقهي المبرر والمشرعن لفكرة وقضية الخلافة المستبدة، وجعلوا من ثقافة طاعة ولي الأمر، بما فيه ولي الأمر الظالم، والفاسق، أيديولوجية فقهية سياسية، وبرروا للخليفة توريث الحكم لأبنائه حفاظاً على وحدة الجماعة والأمة، خوفاً من (فتنة تدوم) أي “سلطان غشوم خير من فتنة تدوم” أو”من اشتدت سلطته وجبت طاعته” كما يقولون، حتى قولهم إن الاستبداد والظلم أفضل من الفوضى، وبذلك اسسوا نظرياً وفقهياً، لقدسية مبدأ الخلافة المستبدة (الدولة) في الممارسة الواقعية . أما الإمام زيد بن علي مؤسس المذهب الزيدي فيرى (أن الإمامة مسألة عملية لا سلبية، فيجب أن يقود الإمام شيعته في الكفاح دون إخفاء أو كتمان) (5) أي دون “تقية” كما هو عند العديد من مذاهب الشيعة، وهنا يفترق الإمام زيد عن جميع مذاهب الشيعة بقوله بالخروج على الإمام الظالم، وعدم أخذه “بالتقية” ومن أن الإمامة، والخلافة، قضية سياسية عملية كفاحية تؤخذ بالغلبة والقوة (الخروج) وليست من العقيدة، أي فصل الدين، عن السياسة، والدولة، وفصل الخلافة والإمامة، عن الدين،
-بهذه الصورة أو تلك- كما أنه يختلف عن مذاهب الشيعة الأخرى في موقفه من أبي بكر، وعمر، حيث يقول الإمام زيد (وغاية ما أقول أنا كنا أحق بسلطان رسول الله من الناس، فدفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك الكفر، وقد عدلوا في الناس -يقصد زيد أبا بكر، وعمر-الباحث- وعملوا بالكتاب والسنة) (6).
إذاً نحن أمام قضية سياسية صراعية لا صلة لها بالدين، فالخلافة في الإسلام قضية مرتبطة ببناء السلطة والدولة، وليس الدين، (أي قضايا المعاملات) ولذلك يفتتح الإمام الشهرستاني عنوان أحد فصول كتابه (الملل والنِّحَلْ) بالقول (واعظم خلاف بين الأمة، خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة) (7)، “خطب معاوية بأهل الكوفة فقال: يا أهل الكوفة اتراني قاتلتكم على الصلاة، والزكاة، والحج، وقد علمنا أنكم تصلون، وتزكون، وتحجون، ولكن قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون”(8).
وفي خطاب أبي بكر الصديق لتوليه الخلافة يقول(قد وليت عليكم
-وفي رواية أخرى أصبحت حاكماً عليكم-الباحث- ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني(...) أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله)(9) وخطاب تولية الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حين يقول: (إن رأيتم فيَّ اعوجاجاً فقوموني) جميعها أدلة نظرية وفكرية فقهية، وعملية، جاءت شواهد وحقائق السياسة والتاريخ لتؤكدها وتسندها مع الخليفتين (أبي بكر، وعمر) ولتنقضها وتؤكد عكسها مع معظم الآخرين من الخلفاء، ذلك أن الشريعة في النظرية (النص) شيء، والشريعة في واقع الممارسة السياسية، والحكم والدولة شيء آخر. يقول الإمام علي رضي الله عنه في “نهج البلاغة” (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر، وعمر، وعثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما هي الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن أجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا، فإن خرج على أمرهم خارج بطعنا أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه)، وفي ذلك يشرح ويقول أبي الحديد: (أعلم أن هذا الفصل دالاً بصريحة على كون الاختيار طريقاً إلى الإمامة
كما يذكر أصحابنا المتكلمون) (10).
وهو هنا يقصد المعتزلة، حين يقول (المتكلمون)، الخلافة، والإمامة، عند جميع مذاهب السنة قضية حياتية (دنيوية) تقوم على الاختيار وليس النص والتعيين، كما عند الشيعة الإمامية، الجعفرية، والإثنى عشرية. فقد قال معاوية بن أبي سفيان: (وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركته للناس فبفضل مني)، وظاهر هنا أن المغالطة في القول جاءت من اعتبار نفسه خليفة الله
لا خليفة لخليفة، خليفة رسول الله” (11).
ب. الخلافة، بين الشريعة كفكرة، والشريعة كتطبيق.
بعد الاستخلاص أو الخلفية الفكرية والفقهية، والكلامية والسياسية التاريخية، الموجزة التي وصلنا إليها، حول مسألة الخلافة، علينا أن نقتنع اليوم جميعاً بأن مسألة الخلافة صارت من التاريخ، وأن ظاهرة الخلافة ما هي في الواقع إلا حالة سياسية موضوعية تاريخية، ابتدعها وأنتجها العرب في صدر إسلامهم، وفي أول لحظة مواجهة مع مشروع بناء الدولة الذي لم يكن لهم معهم به خبرة تاريخية، وتجارب حياتية سياسية حقيقية، خاصة في الجزيرة والخليج، وجدوا أنفسهم بعد موت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في مواجهة مع مشروع سياسي تاريخي جديد من أجل إنجاز دعوتهم الدينية وكذلك من أجل تلبية حاجاتهم العملية، والإدارية، والتنظيمية، والسياسية -أي إدارة حياة المجتمع، والناس وتسيير مصالحهم العامة والخاصة- ومن هنا تاريخياً، ارتباط اسم الخلافة بالإسلام (الخلافة الإسلامية) والذي قطعاً لا يشير بأي معنى من المعاني إلى وحدة الدولة، والدين، أو أن الخلافة، السلطة، والدولة، هي مسألة دينية، بقدر ما هو ارتباط لغوي، تحول تاريخنا إلى مفهوم، أو مصطلح أيديولوجي - سياسي، وهو ليس أكثر من خطأ شائع تحول مع الزمن إلى ظاهرة اسمية، أو اصطلاحية،
أو صوتية، لا يعكس حقيقة الوحدة الدلالية والمضمونية، والموضوعية، بين الخلافة كشكل من أشكال الحكم، أو بناء الدولة، وبين الدين الإسلامي كدين، فلم يقل الدين الإسلامي بالدولة، وشكل ومضمون بنائها -كما سيأتي في سياق فقرات البحث العديدة- ولم يعترف بها باعتبارها جزءاً من الدين،
بل هي -الدولة / الخلافة- مسألة ترتبط بالشريعة والتشريع، وليس بالعقيدة، وفقاً للشروط الموضوعية، والسياسية التاريخية، التي تطرحها الحياة أمام الناس، وباختصار هي قضية ومسألة عقلية إبداعية، سياسية كما تقول بعض المذاهب الفقهية، والكلامية (فلم يعرف الإسلام الدولة السياسية، ونعني الإسلام الدين، لا الإسلام التاريخ أو الإسلام الحضارة، وهذا أمر بديهي، لأنه ليس من وظيفة الدين إنشاء دولة سياسية، والإسلام شأنه في ذلك شأن سائر الأديان السماوية) (12) وكما يقول المستشار القاضي والفقيه محمد سعيد العشماوي (فقد كان من شأن الخلط بين الدين، والسياسة، أن أصبح الخليفة، خليفة لله، وليس خليفة للمسلمين، يلي الخلافة بالبيعة أو الانتخاب أو ما ماثل، وسواء بالعقيدة أم بالواقع، فلقد صار الخليفة معصوماً في فعله وقوله، ثم صار مستبداً في الرأي والحكم، رقاب الناس ملك له، ودولة الخلافة ضيعة خاصة له، يعطي الحياة ويهب المال، نزوة أو شهوة)(13) وقطعاً فإن هذه العصمة التي منحتها الفرق والمذاهب الشيعية بصورة مطلقة ومن خلال قولهم (بالنص والتعيين) -عدا الزيدية الهادوية- هو ما شهدناه في واقع الممارسة في كثير من الوقائع والحقائق السياسية التاريخية التي تعرفها كتب التاريخ حول العديد من تجارب الخلافة، والسلطة، والإمارة، وهي التي تبرر وتفسر حالة جمع الخليفة والإمام، بين السلطة الزمنية، والدينية، الذي أثر بالضرورة على مضمون واتجاهات كتابة الفكر الإسلامي، والفقه الإسلامي على وجه الخصوص، وهو كذلك ما يفسر حالة التناقض الصارخ بين المذاهب الإسلامية في قراءة مسألة الإمامة، والخلافة-الشيعة، والسنة، وداخل كل منهما على حدة- لمسألة الإمامة، والخلافة، وهل هي دينية، أم مدنية، سياسية وعملية زمنية، مؤقتة، مرتبطة بمصالح وحاجات الناس، فمن المهم اليوم إزالة هذا الالتباس الايديولوجي التاريخي، وتصحيح خطأ تاريخي، ارتبط بمسمى (الخلافة الإسلامية) جعل من الخلافة مسألة دينية عند البعض حتى اليوم، ويطالب علناً بعودتها إلى حياة الناس كنظام للسلطة والدولة، في شروط عصر مغاير، إن الدعوة للخلافة اليوم،
لا يعني سوى أن لا مستقبل لنا، وأن مستقبلنا في ماضينا -وراءنا- فردوسنا المفقود، وهي حالة أيديولوجية مرضية، ورغبة جامحة للإقامة في الماضي،
مثل الميت الذي يتشبث بتلابيب الحي ليجرَّه معه إلى القبر، والموت، هذا بعد أن سقطت ظاهرة الخلافة في التاريخ السياسي العربي لحوالي ثلاث مرات، إذا أضفنا إليها سقوط الأندلس، تصبح أربع مرات، الأولى: بعد مقتل عمر وطعن الخلافة في القلب، وبعدها مقتل عثمان الدراماتيكي، والثانية: مع سقوط بغداد العام 1258م وقتل خليفتها بعد وضعه بين السجاجيد وتعطيفه بها، والسير عليها حتى موته، ومن ثم إحراق بغداد وتدميرها بالطريقة الوحشية والمأسوية التي يعرضها لنا التاريخ، والسقوط الثالث والأخير: مع سقوط الخلافة العثمانية السلطانية التي تحولت عملياً إلى حالة استعمارية متخلفة في 1922م، ثم إعلان سقوطها النهائي في مارس 1924م، وهنا من المهم التأكيد -للمرة المليون- أن الشريعة في النظرية شيء، وفي واقع الممارسة في السياسة، والدولة (الخلافة) شيء آخر، ولذلك يقول الإمام محمد بن محمد الغزالي 450ه ... 505ه (أيهما الأسوأ؟ هذا سؤالي لكم أن نعلن بطلان كل أئمة زمانكم لافتقارهم لشروط الإمامة... وبالتالي خلعهم، وإعلان بطلان كل الحكومات، بحيث لا يمكن إبرام عقد زواج، وتتعطل كل الأعمال في أرجاء العالم الإسلامي، وتصبح بلا سند من الشريعة(...) أم الأفضل الاعتراف بقيام الإمامة على عقد شرعي، وبالتالي شرعية الأعمال القضائية، والتنفيذية، باعتبار الظروف الراهنة، وضرورة هذه الأزمان)(14) وهو بمثابة اعتراف من الإمام الغزالي بإمامة وخلافة قائمة بقوة الأمر الواقع، يجب الاعتراف بها لتسيير أمور الأمة والمسلمين، وإلا الفوضى والخراب، وهنا الحديث يجري عن الخلافة كشكل من أشكال السلطة/الدولة، وليس باعتبارها دين، أو عقيدة، وكأن الإمام الغزالي يقول ويقوم في الوقت نفسه، بتأسيس نظري مفهومي للقاعدتين الفقهيتين اللتين تقولان (الضرورات تبيح المحظورات) والثانية: “حيثما كانت المصلحة والعدل فثمة وجه الله”(15) واللتين صارتا جزءاً لا يتجزأ من بنية الفقه الإسلامي .
إن الشيء الأكيد والمحقق تاريخياً، بعد هذا السرد التاريخي الموجز والمكثف، والضروري، هو أن الرسول الكريم (لم يعالج مع صحابته قضية الحكم بشيء من التفصيل الذي أبان به أركان الإسلام، من صلاة، أو صوم، أو حج... إلخ، ودل ذلك على أن أمر الحكم أو الخلافة هو ما ينتهي إليه المسلمون في ظل الظروف الخاصة بهم، وليس هو بأصل من أصول العقيدة، وإن كان من الممكن أن يدخل في عداد الشريعة التي مناطها العقل، وهدفها العدل) (16)، على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ألا يصدقوا أي حاكم، أو فقيه، أو رجل دين، يعرض عليهم رأياً مستبداً، أو حكماً مستبداً، حول أن الإسلام، دولة، ودين، تحت عنوان (تطبيق الشريعة).. فالشريعة من كل ذلك براء. هو رأيهم السياسي والفكري الشخصي وليس رأي الدين في نصه القرآني الحكيم.
قطعاً هناك في القرآن الكريم العديد من الإشارات الواضحة لأحكام في المعاملات، وأحكام نصية قاطعة خاصة ببعض الإجراءات في الحدود (الزنى)، (السرقة)،(المواريث)، (النكاح)، (شرب الخمر)، ولكننا لا نجد نصوصاً أو أحكاماً تتعلق بمسألة الحكم، والدولة، والسلطة السياسية، وكيفية قيامها،
أو طرق وأساليب تعيين وتنصيب الحاكم، وتنظيم العلاقات بين الحاكم، والمحكوم..، بل إنها في غالبها لتنظيم العلاقات بين الإنسان وربه، (العقائد، والعبادات)، وما يخص المعاملات الدنيوية هو أقل القليل، لذلك فالرسول ، لم يعين خليفة بعده، ولم يوص لأحد من بعده، ترك الأمر شورى بين الناس (وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم) كما جاء في نص القرآن الكريم، وذلك لا يقلل من مكانة الإسلام، ودوره وعظمته في التاريخ الإنساني كله،
بل يشهد له على ترك حرية الاختيار للناس لتقرير مصير من يكون الحاكم، فالناس أصحاب المصلحة هم من يتدبرون أمورهم في بناء دولتهم وأمر قيادتها، إمامتها، أو رئاستها، وهو ما اشار إليه الشيخ الإمام والقاضي علي عبد الرازق حيث قال: (فالخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء
ولا غيرهما من وظائف الحكم، ومراكز الدولة، وإنما كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها، ولا نهى عنها،
وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى إحكام العقل وتجارب الأمم، وقواعد السياسة) (17) فالخلافة في تقديرنا ليست منصباً أو مركزاً دينياً، ولا موقعاً أوحى به أي نص ديني (قرآن، وسنة)، بل ولا حتى إجماع، فالخلافة موقع سياسي دنيوي مرتبط بالحكم والسلطة السياسية مباشرة، مركزاً ومنصب يدخل في صميم حياة الناس اليومية ومصالحهم المتغيرة المتحولة أبداً، لقد ترك الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، -على عكس المتفيقهين الإسلاميين الجدد الذين يدعون لدولة خلافة اليوم- أمر الحكم والدولة اختيارياً بين الناس وفقاً لما يحقق مقاصد مصالحهم العليا، وهي مقاصد ومصالح الشريعة، فحيثما كانت المصلحة فثم وجه الله، فالخلافة إذاً هي نظام سياسي للحكم، ابتدعه العرب المسلمون لاستكمال أمور دنياهم، وتحقيق مصالحهم، بعد أن صار الإسلام قوة عظمى امتد نفوذها إلى أصقاع الشرق، والغرب، بعد توسع الفتوحات الإسلامية. ومن هنا كان شكل الخلافة الأموية، وبعدها العباسية، في صورة الملك العضوض الذي دار من حوله الصراع، وهو الشكل الذي عبر عن مرحلة من مراحل تطور بناء السلطة، والدولة في العالم العربي، والإسلامي آنذاك. وإن لم يكن هو الشكل والمضمون المطلوب إسلامياً، أي أن مضمون الخلافة وشكلها جاء أقل من حلم العرب والمسلمين بها، ولم تلب طموحاتهم (بالعدل، والحرية، والمساواة) التي أمر بها القرآن والرسالة المحمدية، بقدر ما جسدت طموحات ومطامع الطبقة السياسية الإمامية الحاكمة (شيوخ القبيلة النافذين تجارياً ومالياً واجتماعياً) وتوازنات القوة والمصالح في ذلك الحين، وكما يرى المفكر الإسلامي خليل عبدالكريم “أن الخلافة منصب سياسي استقاه المسلمون الأوائل من النظام القبلي، فالخليفة هو شيخ المسلمين، ورئيسهم السياسي، وأن ظروفاً جديدة تضافرت على بروزه لحيز الوجود، وأنه ليس فرضاً دينياً، ولو كان كذلك
لما استطاع أتاتورك إلغاءه”(18) فمن الصعب اليوم على أي باحث سياسي تاريخي، أو سوسيولوجي، أو باحث دستوري قانوني اختصاصي في تاريخ بناء الدول وظيفتها، ودورها، ومضمونها، أن يدعي أن دولة الخلافة التي أنشئت وأقيمت مع دولة الخلافة الإسلامية الأموية، وما بعدها...، هي دولة خلافة إسلامية دينية صرفة، وفي هذا المبحث هناك العديد من الاجتهادات في قراءة واقع وتطور مسألة دولة الخلافة “يرى عبدالله العروي في التنظيم الهرمي الآسيوي، إلى جانب الاخلاق الإسلامية، والدهرية العربية، إحدى المكونات الإسلامية للدولة العربية الإسلامية، ويذهب عابد الجابري، إلى أن “الملك السياسي” يشكل إلى جانب “الملك الطبيعي” و”الخلافة” أحد العناصر التي ستتكون منها الدولة العربية الإسلامية التي لم تكن ملكاً طبيعياً وحسب،
ولا ملكاً سياسياً فقط، ولا بقيت دولة خلافة..، وإنما كانت الدولة العربية الإسلامية مزيجاً من الملك الطبيعي، والملك السياسي، والخلافة الدينية”(19)
أي أن جملة المكونات الثلاث هي التي شكلت روح ما نسميه الخلافة الإسلامية، والمتمثلة في مكونات: فارسية – ساسانية، ويونانية هلنستية والروح الإسلامية العامة التي شكلت جوهر المرحلة عقائدياً، وسياسياً.
إن الخلاف في تقديري كما يبسطه تاريخ السياسة، والحكم في الإسلام، ليس حول العقيدة، وإنما حول مفهوم وواقع السلطة، ومضمون تطبيق الشريعة التي هي في الجوهر والأصل عمل بشري اجتهادي، متطور ومتغير، ولا يمكن قياس حكم دولة الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قام على الوحي الإلهي، وجوهر الرسالة النبوية، مع جميع أشكال الخلافة، بما فيها الخلافة الراشدة، ناهيك عن الحكم الأموي الذي أزاح نهائياً الهالة الدينية، والوازع الديني، مستبدلاً ذلك بالعصبة، ووراثة الملك، باسم الخلافة الدينية، والتي صارت جزءاً من الدين في سيرورة الفعل، والممارسة السياسية الإسلامية في كل ذلك التاريخ، وهي البداية السياسية والعملية التاريخية لتحول الخلافة إلى ملك عضوض، وسيف، وشوكة، وغلبة. فليس في القرآن الكريم آية واحدة تفرض إقامة الإمامة (الخلافة) بمعنى الملك والحكم، وكذلك ليس في السنة النبوية الشريفة ما يدل أو يشير إلى ذلك..، فلم يعرف التاريخ الإسلامي في الممارسة الواقعية –وليس في القول والخطاب– ما يمكن أن نسميه إجماعاً (إجماع العلماء)..، ومع ذلك اعتمد هذا المبدأ، كما اعتمد القياس في قضايا النظر الفقهي والكلامي (علم الكلام)، وهو مما لا يدخل عملياً في حسم مسألة الخلافة والإمامة، لأن ما يحسم ذلك في الواقع إنما هي العصبية، والغلبة، الشوكة، والقوة الحاصلة في الواقع .
إن قضايا ومسائل الحكم، وبناء الدول يبتكرها البشر في سياق تلبيتهم لحاجاتهم المادية والسياسية والاجتماعية..، يخترعونها لتسيير أمور الدنيا، فالقرآن والسنة لم يتصديا لمسألة الإمامة والخلافة (الدولة)، وكما يقول الشيخ علي عبد الرازق (إننا إذا رجعنا إلى الواقع والأمر نفسه، وجدنا أن الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وإن تلك القوة كانت إلا في النادر قوة مادية مسلحة، فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه إلا الرماح والسيوف، والجيش المدجج، والبأس الشديد فبتلك دون غيرها يطمئن مركزه ويتم أمره)(20)، فالخلافة في التاريخ السياسي العربي الإسلامي، هي قوة، وغلبة وشوكة وعصبية، وقوة التغلب هي التي كانت تصنع الملك القاهر كما يرى بن خلدون، وسأورد لكم أمرين أو مثالين من مئات الأمثلة، من التاريخ السياسي الإسلامي البعيد، والقريب، أحدهما قديم، والآخر جديد حديث، يصوران ويعكسان ثقافة التغلب، والشوكة، والقوة، الأول: ما قاله أحد اتباع معاوية ومجالسوه حين قرر معاوية تولية الخلافة لولده يزيد مع وجود كبار صحابة رسول الله، وسبطي الرسول وتحديداً الحسن بن علي، والحسين، حيث قال: أمير المؤمنين هذا، واشار إلى معاوية، فإذا ذهب أو هلك فأشار إلى يزيد ولده (فهذا بعده) ومن لم يعجبه أو لم يرد، فأشار إلى سيفه، والمثل الثاني من التاريخ اليمني في مرحلة التأسيس الأخير للإمامة الحميدية المتوكلية، حيث وقف ناصر بن مبخوت ابن الأحمر، جد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر حين جرى الحديث عن شروط الإمامة وشروط البيعة للإمام يحيى بن محمد، وحول نقص أحد الشروط الأربعة عشر، كما تقتضيها الإمامة الزيدية فقال الأحمر: ما نقص يكمله هذا..، مشيراً إلى عصاه، أو سيفه، فكل تاريخ الإمامة اليمنية (السلطة، الملك) قامت على القوة، ونصرة القبيلة وشيوخها..، وإلا فكيف نفسر قيام أكثر من خمسة دعاة للإمامة في صنعاء وحدها وفي وقت واحد، وجميعهم باسم الدين والمذهب(21)، فالدولة الإمامية (الدينية / المذهبية، السلالية) لم تقم سوى على القوة والغلبة، ومن هنا وحدة الملك الإمامي، والإمامة بشيوخ القبيلة، والقبيلة، الذين شكلوا البعد الحربي العسكري الحاكم لحكم الإمامة، ومثلت الإمامة البعد الإيماني العقيدي في السيطرة على الملك (فهل غير حب الخلافة، أو الغيرة عليها ووفرة القوة دفعت يزيد بن معاوية إلى استباحة ذلك الدم الزكي الطاهر، دم الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ، وهل غير تلك العوامل سلطت يزيد بن معاوية على عاصمة الخلافة الأولى، ينتهك حرمتها، وهي مدينة الرسول ؟! وهل استحل عبد الملك بن مروان بيت الله الحرام ووطأ حماه إلا حباً في الخلافة وغيرة عليها مع توافر القوة له؟ وهل بغير تلك الأسباب صار ابو العباس عبد الله بن محمد بن علي ابن عبدالله بن العباس سفاحاً، وما كانت إلا دماء المسلمين، وما كان بنو أمية إلا من قومه)(22) وهو نفسه الموقف من جهيمان العتيبي، حين استباحت القوى العسكرية والأمنية الأجنبية الحرم المكي الشريف دفاعاً عن ملك آل سعود في نوفمبر 1979م، وخلافاً لكل هذا السياق السياسي السلطوي التاريخي، نقول لم تكن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جوهرها رسالة سياسية تتطلع إلى بناء مملكة أو ملك،
ولم يكن شعارها وهدفها (الإسلام دين، ودولة) بل رسالة دينية روحية سماوية مقدسة هدفها هداية وتربية الناس، وليس حكمهم، فسياسة الملك، والحكم ليست جزءاً من رسالة الرسول الكريم، والإمام الشيخ الأستاذ محمد عبده يقول في هذا الصدد “فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم السلطة الدينية، بوجه من الوجوه، ولم يعرف المسلمون في عصر من الأعصر تلك السلطة الدينية التي كانت للبابا عند الأمم المسيحية”(23)، وفي موضوع آخر يقول الإمام محمد عبده “يقولون: إن لم يكن للخليفة ذلك السلطان الديني أفلا يكون للقاضي؟
أو للمفتي؟ أو لشيخ الإسلام؟؟ وأقول: إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء، فهي سلطة مدنية قدرها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريقه نظره”(24) والله تعالى في محكم كتابه يقول: (فذكر إنما أنت مذكر(21) لست عليهم بمسيطر(22)) سورة الغاشية (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (256) البقرة (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) “سورة يونس” وقوله تعالى (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) آية (35) النحل إن أي تقييم موضوعي تاريخي لظاهرة الخلافة في الحياة السياسية العربية الإسلامية يجد أنها حقيقة هي أولاً: دعوة للحكم والملك، وهي ثانياً: وسيلة لنشر الدعوة وبالصورة التي تخدم الإمامة والخلافة، والملك. وهو ما تجلى مع بداية الفتوحات، ومع عملية توسعها. ومع اكتمال الدعوة ووصول الفتوحات إلى منتهاها أو قمتها، تغلب جانب الملك العضوض، على الدعوة بصورة واضحة. ذلك أن ظاهرة الخلافة والملك ليست من صميم جوهر الدعوة، والرسالة، والنبوة، فلم نعلم أن رسول الله (تعرض لشيء من سياسة الأمم الشتيتة، ولا غيَّرَ شيئاً من أساليب الحكم عندهم، ولا مما كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية(...)
ولا وضع قواعد لتجارتهم، ولا لزراعتهم، ولا لصناعاتهم، بل ترك لهم عليه السلام كل الشؤون وقال لهم (أنتم أعلم بها) فكانت كل أمة وما لها من وحدة مدنية وسياسية، وما فيها من فوضى أو نظام، لا تربطهم إلا.. وحدة الإسلام وقواعده وآدابه)(25) فالخلافة منذ سقيفة بني ساعدة، حتى خلافتي أبي بكر الصديق، وعمر، هي خلافة سياسية، وليست دينية، وكل الخلاف والصراع حول الإمامة، والخلافة في التاريخ السياسي العربي الإسلامي لم يكن حول الدين، الذي بقي محل اجماع، ولكن النزاع والصراع كان حول الخلافة باعتبارها سلطة، وثروة، وجاهاً، وملكاً، أي حول الدولة ومستقبلها، وليس حول الدين. وهو ذاته الصراع السياسي، وليس الديني الذي دار وجرى في حرب 1994م باسم الدين، كذباً وبهتاناً على الدين، في فتوى عبد الوهاب الديلمي المشهورة حيث خيضت الحرب باسم الردة، وإقامة الدولة الإسلامية وضد الملحدين والكفار، مع أن الهدف المركزي والمباشر للحرب، كان السلطة، والثروة، واحتكارهما لصالح طرف دون الآخر. وتلكم هي المسألة.
وهنا يكمن ويتحدد سؤال الوحدة والصراع، في تاريخ الدولة العربية الإسلامية، منذ سقيفة بني ساعدة، ومقتل عثمان، ووراثة يزيد بن معاوية، حتى سقوط الخلافة العثمانية في مارس 1924م وخلاصة القول هو ما قاله جمال البناء (إن السلطة التي هي خصيصة الدولة، تفسد الأيديولوجيا “أو العقيدة” وأن هذا الإفساد هو في طبيعة السلطة، ولا يمكن ابداً أن تتحرر منه، وأن أي نظام يقترن بها، بفكرة إصلاحها لا بد وأن تفسده، وأن أي نظام يحاول تطويعها
لابد وأن تطوعه، وبدلاً من أن يكون سيدها يصبح تابعها. هذا هو المبدأ القاهر. وهو الذي جعلنا -كما يقول جمال البناء- نقول إن الإسلام دين وأمة وليس ديناً ودولة)(26) لقد تقدم الإمام والمفكر الإسلامي عبدالرحمن الكواكبي برؤية متقدمة سياسياً، وفكرياً، قبل حوالي قرن من الزمان، حول مستقبل
ما يسمى بدولة الخلافة العثمانية أو الإسلامية، وذلك حين ربطها أولاً: بالفكرة الدستورية بما يتماشى مع تحولات العصر السياسية الدستورية، والديمقراطية، وثانياً: ربطها بمسألة العروبة (العرب)(27) في مواجهة الخلافة العثمانية (الأتراك) وهي من البدايات الجنينية والمبكرة للقومية العربية في إطار الإسلام (خلافة عربية إسلامية)، وكان عبدالرحمن الكواكبي يريد أن يتجاوز دولة الخلافة التقليدية، بدولة عربية إسلامية واحدة، وكان ذلك مؤشراً سياسياً، وفكرياً، وعملياً على بداية سقوط فكرة الخلافة العثمانية “الإسلامية”، التي كانت تعيش حالة انحدار، وتحلل، وسقوط...، والغريب أن نجد اليوم من يدعو مع صعود الثورة الشبابية الشعبية اليمنية، والعربية، إلى قيام دولة خلافة إسلامية أو دولة دينية!! إن الدعوة لاستعادة الخلافة اليوم، ليست أكثر من معاندة صريحة، للواقع، وللثورة، وللتاريخ، ومحاولة لإنكار واقع قائم، بواقع متخيل في الذهن، لا يختلف من حيث المبدأ عن رؤية النظام المستبد القائم، إن الدعوة لدولة خلافة إسلامية ضداً على مشروع ثورة الشباب والشعب، المطالبة بدولة مدنية ديمقراطية دستورية هو نوع من الإقامة في الماضي، وعدم قدرة على التحرك باتجاه المستقبل، وهي دعوة لا تختلف في مضمونها عمن يدعون لإقامة دولة ولاية الفقيه، ومن ينتظرون مجيء المهدي المنتظر. ولا نرى اليوم في من يتحدثون عن دولة الخلافة، سوى دعوة إلى دولة دينية ثيوقراطية (كهنوتية) لا علاقة لها بالدين الإسلامي، ومعادية في جوهرها للحياة والعصر، بل هي معادية لجوهر الإسلام الحق...، هي دعوة سلفية جهادية، تكفيرية للواقع وللعصر...، دعوة ما تزال تقيم في الماضي في أسوأ وجوهه البدائية التاريخية، متذرعة بالإسلام كغطاء أيديولوجي سياسي ليس إلا، هي دعوة سلفية متشددة، لا عقلانية ومفصولة عن الواقع والحياة والعصر، تريد أن تصادم المستقبل وتواجهه وهي تحمل كل عدة الماضي في أسوأ صوره البائسة..، والأهم أنها دعوة تأتي ضد مشروع ثورة الشباب والشعب كله، بدولة مدنية دستورية حديثة، وهي الدولة التي أكد الأزهر الشريف في بنده الأول عليها (دولة وطنية دستورية حديثة) وأنا أتفق كلياً مع دعوة المفكر الإسلامي جمال البناء، من أن الإسلام دين وأمة، وليس ديناً ودولة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.