مواضيع ذات صلة باريس -الصحافة الفرنسية العنف في مارسيليا ومأزق ساركوزي القضائي، وسياسات التقشف في بريطانيا، وجولة أوباما الشرق أوسطية، موضوعات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. عنف مارسيليا في افتتاحية بصحيفة لوفيغارو استعرض الكاتب «إيفان ريوفول» عودة الاحتقان الأمني إلى مدينة مارسيليا بالجنوب الفرنسي، وخاصة بعد تسجيل خمس حالات قتل خلال فترة الأسبوعين الماضيين، متسائلاً عما إن كان استمرار عدم الاستقرار الأمني في الضواحي ومناطق النسيج الحضري الصعبة، سيقتضي في النهاية إرسال قوات من الجيش لدعم الجهد الأمني الذي تبذله السلطات في تلك المدينة الكبرى المعروفة بالحجم الكبير لذوي الأصول المهاجرة بين سكانها. وقال الكاتب إن مارسيليا التي ينظر إليها عادة على أنها متنوعة الثقافات والأعراق، و«عاصمة أوروبا الثقافية»، ورمزاً للتعايش والتعددية، تعاني من مشكلة عجز الدولة عن فرض القانون على أراضيها «المستعمرة» بحكم الأمر الواقع من قبل مخرجات هجرة سكانية أفريقية، وأفريقية شمالية، يتقوقع أغلبها على ثقافته الخاصة وينطوي على نفسه عن بقية مجتمع البلد المضيف. والحال أن المآل الذي انتهت إليه مارسيليا يتجاوز سوابق العنف الإجرامي فيها، بل إن هذه المدينة أصبحت مع مرور الوقت نموذجاً لكل ما ينبغي تجنبه وتلافيه من أخطاء. ويتساءل الكاتب: ولكن مع العمل لإصلاح الضرر؟ مجيباً بأن الحل المثالي هو إعادة ما تقطع من أواصر بين مكونات نسيج المدينة السكاني، ولكن في المدى القريب لابد أيضاً من حلول واقعية ناجعة، للسيطرة على الأوضاع، وإعادة الاستقرار الاجتماعي إلى سويته وعاديته. وعلى الدولة أن تعيد تكريس وجودها في تلك الأراضي التي فقدت السيطرة عليها! وهذا يقتضي إعادة تشخيص التحدي من جديد. والتحدي ليس فقط اجتماعياً، وإنما هو أمني في المقام الأول. وقد عبر وزير الداخلية الفرنسي «مانويل فالس» هذا الأسبوع عن معنى قريب من هذا حين قال «إنها حرب تخوضها دولة القانون ضد الهمجية، وضد أولئك الذين يريدون فرض نظام آخر غير القانون، نظام المافيا». وإلى جانب استخدامه لكلمة «حرب» لم يتردد أيضاً في استخدام كلمة «استعادة السيطرة»! ومن هنا ينهض السؤال: لماذا إذن رفض إرسال الجيش الفرنسي إلى هناك؟ وفي شهر أغسطس الماضي، وبعد سلسلة من أعمال القتل، طالبت أيضاً السيناتورة الاشتراكية سامية غالي بضرورة إرسال الجيش، وهي مطالبة وصفها عمدة المدينة بأنها «غير مسؤولة». وقد كان «فالس» واضحاً أيضاً بهذا الخصوص حين قال «إن مسألة إرسال الجيش غير مطروحة، لأنه لا يستطيع الاستجابة لهذا النوع من المآسي والجرائم». وفي سياق داخلي آخر ما زالت الصحف الفرنسية تردد تداعيات عودة ساركوزي إلى متاهات المساءلة القضائية، على خلفية قضية فساد بيتانكور الشهيرة. والجديد في الأمر أن قاضي القضية أثار شبهات وتهماً موجهة للرئيس السابق، في وقت لم تعد الحصانة الرئاسية توفر له فرصة التهرب من المساءلة. وضمن تغطيتها لأبعاد هذه القضية ذكرت صحيفة لوموند أن ساركوزي كان قد سلم للقضاء أجندته الشخصية التي لم يرد فيها ذكر لأي زيارة أداها لعائلة بيتانكور الثرية، وريثة إمبراطورية لوريال الشهيرة، التي يتهم بتلقي أموال منها ربما ساعدته في تمويل حملته الانتخابية سنة 2007. ولكن القضاء وجد ثغرات في الإقرار المقدم، وخاصة في ضوء شهادات أدلى بها مستخدمون لدى عائلة بيتانكور أكدوا فيها معلومات مختلفة عن ادعاءاته. وفي ضوء حجم التهم الموجهة لساركوزي تذكر الصحيفة أن عقوبتها قد تصل، في حال الإدانة، إلى ثلاث سنوات سجناً، وغرامة 375 ألف «يورو». رهان كاميرون اعتبرت لوموند في افتتاحية بعنوان «رهان كاميرون: سياسة عرض ضد الكساد»، أن رئيس الوزراء البريطاني انطلق في البداية من افتراض عمل بسيط مؤداه أن سياسات التقشف المالي القوية ستعيد إلى الاقتصاد الثقة، وهذه الأخيرة ستعيد معدلات النمو. وكان يتصور أن هذه هي أنسب الطرق لإعادة التوازن إلى حسابات الخزينة العامة، ومن ثم عودة الانتعاش والحيوية إلى أداء القطاعين العام والخاص. ولكن هذا لم يتحقق وفق ما كان متصوراً، والبساطة التي وقع بها الربط بين تضحيات التقشف ووعود النمو بدا أنها غير مثمرة. ومنذ مجيء كاميرون إلى السلطة في سنة 2010 لم تتحقق معدلات نمو تناسب حجم التقشف، وإن كانت اختلالات موازين المدفوعات قد تم تخفيف نزيفها الفادح. وقد قدم وزير المالية البريطاني المحافظ «جورج أوسبورن» يوم الثلاثاء الماضي ميزانية تقشفه الرابعة. وليس فيها ملمح لجهود تروم إطلاق الإنفاق العمومي. بل إنه على العكس، ما زال يتمسك ببرامج الاقتطاع من ميزانية الإنفاق العمومي للدولة. وفي رده على من يعتقدون أن سياسته المالية تسير في اتجاه الاصطدام بالحائط، قال الوزير إن «الأمر يحتاج إلى وقت». ومعنى هذا أن تلمس نتائج إيجابية قريبة لسياسات التقشف الراهنة ليس وارداً في موعد قريب. وفي هذه الأثناء يبقى العجز المالي البريطاني واحداً من أعلى العجوزات الأوروبية عند معدل 7,4 في المئة، فيما يتوقع أن يتجاوز الدَّين البريطاني العام، من هنا وحتى سنة 2015 الدين الفرنسي العام، ليصل إلى نسبة 110 في المئة من الناتج المحلي الخام. وفي سياق أوروبي آخر، متصل بالأزمة المالية القبرصية نشرت صحيفة ليبراسيون مقالاً بعنوان «قبرص: أسبوع مصيري للخطة ب»، قالت فيه إن المأزق المالي في هذه الجزيرة المتوسطية دخل مرحلة حرجة بعد إغلاق البنوك أبوابها منذ أسبوع، وتوقف التحويلات المالية الخارجية عبر الإنترنت، وتعذر حصول الشركات على المال، للوفاء بالتزاماتها. ويعلق الجميع آمالاً عريضة على ما ستتكشف عنه مفاوضات الحكومة يوم أمس السبت مع الترويكا الأوروبية للحصول على مليارات من اليورو تسمح بإعادة تعويم النظام المالي، وإنعاش الدورة الاقتصادية في قبرص. واعتبرت الصحيفة أن التضامن الأوروبي بات ضرورياً ومصيرياً لانتشال الجزيرة من وضعها الصعب، حتى لا تتحول بسرعة إلى سبب آخر من أسباب تفاقم الأزمة النقدية الأوروبية المستفحلة، ما يهدد بجر دول أخرى أكبر اقتصادياً إلى براثن الهاوية المالية السحيقة. جولة أوباما نشرت صحيفة لوموند افتتاحية بعنوان «إسرائيل وفلسطين.... تنازل أوباما»، اعتبرت فيها أن جولة الرئيس الأميركي الأخيرة في المنطقة لم تغير شيئاً في استعصاء معادلة الصراع التي تأدَّت إلى الجمود وانسداد آفاق التسوية السلمية. ومع هذا ما زال أوباما مقتنعاً بأن إقامة دولة فلسطينية من شأنها إصلاح بعض الضرر والظلم التاريخي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه تدعم أمن إسرائيل. وما زال يعتقد أيضاً أن الاحتلال والاستبعاد اللذين يتجرعهما الفلسطينيون ليسا حلًا للصراع، وأن تحقيق السلام بين هذين الشعبين ما زال ممكناً. وبين خطاب القاهرة الذي ألقاه أوباما في سنة 2009 والخطاب الذي ألقاه في القدس يوم الخميس الماضي، 21 مارس، اختفت جملة واحدة فقط، ولكنها أساسية للغاية. ففي العاصمة المصرية بعد أن تطرق إلى أهمية التوصل إلى اتفاق فلسطيني- إسرائيلي، قال أوباما يومها إنه ينوي «شخصياً متابعة ما يتم إنجازه على هذا الطريق، بكل صبر وجهد بما يقتضيه تحقيق هذه المهمة». ولكن في قاعة مؤتمرات المدينةالمحتلة التي يعتبرها الإسرائيليون عاصمة لهم، حرص رئيس القوة العالمية الأولى في العالم على تغليف تنازله بأشد براعة ممكنة. وكأن البيت الأبيض لم يعد مهتماً بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومفهومٌ أن الرئيس الأميركي لا يريد المجازفة مجدداً بالإخفاق في ملف صراع الشرق الأوسط بعد مرارة الفشل التي تجرعها في فترته الرئاسية الأولى، بعدما عجز عن انتزاع وقف مؤقت لأعمال الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. وفي القدس اكتفى أوباما بكلام طلب فيه من الإسرائيليين «أن يضعوا أنفسهم في مكان» الفلسطينيين، لكي يفهموا حجم إحباطهم، قبل أن يطالبهم بالضغط على قادتهم السياسيين لتحمل المقايضات المؤلمة الضرورية لتحقيق السلام. والحال، تقول الصحيفة إن الانسحاب الأميركي من عملية السلام يغلق اليوم القوس الأخير من عملية أوسلو، التي بدأت قبل عشرين عاماً، بعيد التدخل العسكري الأميركي الأول في العراق. ويومها تحمست أميركا للعب دور ضامن لعملية السلام بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. ولكن ذلك الزمن مضى الآن وانقضى، وأدرك نهايته. وسيستمر هذا الانسحاب من هنا وحتى يفرض نشوب أزمة كبرى أخرى على الولاياتالمتحدة إعادة التزامها من جديد. إعداد: حسن ولد المختار