تقرر غالبية الشعوب العربية مواقفها من الولاياتالمتحدة، بحسب مواقف الأخيرة من إسرائيل أولاً، ثم من سائر اهتمامات المواطن العربي ثانياً.. ولأن اهتمامات هذا المواطن العربي تصنعها في الغالب وسائل إعلام مملوكة للحكومات، أو موجهة من قبلها على أقل تقدير، فإن مواقف المواطن العربي من أمريكا، تقررها في الغالب، وسائل إعلامه «الحكومية» ، ومصادره المعرفية الأخرى. ولهذا نرى التضارب والتباين في مواقف ذات المواطن من سياسات او قرارات أمريكية تتعلق بمناطق اهتماماته، خذ مثلاً اتهام مواطنين عرب لواشنطن بالتقاعس عن حماية الشعب السوري ضد بطش نظام الأسد، أو اتهامهم لادارة اوباما بخيانة الشعب الليبي حين رأى الرئيس الامريكي ان الوقت مناسب ل «القيادة من الخلف» مكتفيا بالدعم اللوجستي للناتو، أو خذ أيضا اتهامات «إسلامية» لادارة كلينتون بالتآمر على المسلمين إبان المجازر الصربية في سراييفو.... باختصار.. في عيون أغلبنا عرباً ومسلمين، فإن ثمة مؤامرة ( أمريكية في الغالب) تحاك ضدنا طول الوقت، وثمة متآمرون يحقدون علينا ويحسدوننا، ويخططون للاستيلاء على مقدراتنا، ومع ذلك فإننا نسارع إلى مطالبة أمريكا بالتدخل في الشأن العربي في سوريا وليبيا والعراق واليمن وحتى الآن في مصر (حيث هناك من يتهم إدارة أوباما بالتواطؤ مع جماعة الإخوان المسلمين للسيطرة على السلطة، أو يطالبها بالضغط على الجماعة او بالتوقف عن دعمها).. إذا تدخلت أمريكا فإنها تريد السيطرة على المقدرات، واذا امتنعت أمريكا فإنها تفعل ذلك لتكيد للعرب!! لست معنياً بالدفاع عن أمريكا، فهى أقدر على حماية مصالحها، لكنني مهموم برصد عوامل الخلل، ومواطن الزلل، في الأداء السياسي العربي، وهيمنة المشاعر والعواطف والغرائز عليه أغلب الوقت ، بما ينعكس بتهديدات حقيقية على الأمن القومي العربي بمعناه الواسع ، ويتيح لقوى إقليمية تمتلك الرؤية، وتحسن قراءة المشهد الاقليمي والدولي ، إمكانية تحقيق رؤيتها على حساب الأمن القومي العربي الذي تتآكل أركانه وتتداعى، تحت وطأة متغيرات يحتفي بعضنا بها، ويئن بعضنا الآخر منها.! المنطقة على خارطة التحولات..هل بيننا من لا يرى ذلك؟! لا أظن.. لكن من الممكن أن يكون بيننا بالطبع من لا «يرغب» في أن يرى ذلك.. لكن خارطة التحولات ليست بأيدينا، فلا نحن من يرسمها ، أو «يشارك» في رسمها، أو حتى يعلم بما يمكن أن تؤول إليه، أو بموقعه فوقها أو تحتها أو الى جوارها، يميناً أو يساراً.... ولهذا فإن من لا يعلم لا يمتلك الرؤية، ومن يفتقد الرؤية، لن يستطيع رسم استراتيجية، ولا وضع خطة تتعامل، ولو حتى بمنطق «رد الفعل» مع أخطار جسيمة تحدق بالجميع. عدا أخطار التحول التي تحدق بمصر وليبيا وتونس واليمن وسوريا، وبغيرها من دول المنطقة، فإن ثمة خارطة قوى اقليمية جديدة تتشكل، لشرق أوسط جديد، فيه تركيا ب «نكهة عثمانية» وإيران برؤية «فارسية»، وإسرائيل، بمشروع تصبح فيه «صرة العالم» كما يقول رئيسها شيمون بيريز. عوامل لجم طموحات القوى الشرق أوسطية الثلاث،بحسابات الوضع الراهن العربي، إما أن تكون «أمريكية» أو لا تكون.. أي أنه مالم تتدخل واشنطن مثلا للجم المشروع النووي الايراني، فإن إيران قد تصبح قوة نووية خلال بضعة أشهر..ماذا سنفعل حينها؟! الذين يتطلعون إلى تدخل واشنطن، على نحو أكثر حدة وقوة، للجم الطموح النووي لطهران، يريدونها أيضا أن تتدخل لإنهاء مأساة الشعب السوري، الذي يسقط منه المئات كل يوم برصاص حاكمه، لكن حسابات واشنطن ، القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، تختلف عن حسابات ومخاوف سائر القوى الإقليمية. أمريكا تتطلع الى هيمنة على القرن الحادي والعشرين، باتت تنازعها عليها الصين الصاعدة بقوة، وهى تعاني في نفس الوقت من عجز تاريخي غير مسبوق في ميزانيتها ، نجم عن حربين خاضتهما في افغانستان والعراق، وفي مواجهة عجز الموازنة الامريكية جرى خفض كبير للميزانية العسكرية الامريكية . وبسبب ذلك الخفض، كان لابد من إعادة النظر في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية في مجملها، يمكن تلخيصها في « توظيف الحد الأقصى من الدبلوماسية قبل اللجوء إلى الحد الأدنى من القوة، عبر حلفاء أو بمساعدة وسطاء، أي أن أمريكا لن تنجر إلى صراع مسلح - وحدها- ثم أنها ستعول على «مبادرات جيران الخطر» بأكثر مما تعول على قوتها المسلحة المباشرة . [email protected] للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS تبدأ بالرمز (21) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى 88591 - Stc 635031 - Mobily 737221 - Zain