نحن قلب العالم؟!!.. هكذا نحب أن نرى أنفسنا.. رغم أن العالم بلا قلب حقيقي، فالكرة الأرضية تمنح كل بقعة فوقها موقع القلب كلما قلبتها بين يديك، والشعوب تستطيع أن تضع نفسها في القلب بمقدار إسهامها الإنساني وإرثها الحضاري، وأذكر أن إحدى الشركات الكورية الجنوبية الكبرى قامت قبل نحو عشرين عاماً بتوزيع خارطة للعالم تبدو فيها كوريا قلبه ورئتيه!!. إصرارنا على أننا قلب العالم، مصدره أننا نتكىء على تاريخ أصبح بعيداً جداً للأسف، أو على عاطفة غلابة لا قبل لعقولنا بمنازلتها.. على أية حال فان قلوب أغلب الساسة ليست رقيقة كشعوبهم، ولدى عقولهم قدرة ما على التعامل البارد -احيانا- مع حقائق القوة ومتطلباتها. تحدثت في الأسبوع الماضي، عن تحول دراماتيكي في الإستراتيجية الأمريكية، تمليه حقائق القوة ووقائع الفعل فوق خارطة عالم يصر صناع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على أنه «جديد يتشكل»، أبرز دوافع هذا التحول هو ضغوط اقتصادية نجمت عن عقد كامل وطويل من الحروب كبّدت الخزانة الأمريكية نحو أربعة تريليونات دولار، وأرهقت الاقتصاد الأمريكي بأكثر مما تطيق مقتضيات الاحتفاظ بوضع القوة العظمى الوحيدة. التحولات- حتى الصغيرة - في الولاياتالمتحدة، يشعر بها العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولذلك فإن قراراً أمريكياً بخفض الإنفاق العسكري بمقدار 487 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة،بدأت بخفض ميزانية الدفاع في العام الجاري بمقدار 40 مليار دولار، سوف يعني بالضرورة تحميل أطراف أخرى أعباء وتكاليف قد تتجاوز مقدار الخفض الأمريكي للميزانية الدفاعية، وقد يعني تحولات في السياسة الأمريكية يسدد فاتورتها، من وقع عليهم الاختيار للاضطلاع بمهام وأدوار خاصة فيها، أو من يضعهم مستوى التهديدات التي يواجهونها عند مسؤولياتهم المباشرة بتحمل النصيب الأوفى من أعباء دفع تلك الأخطار.. هذا ليس كلامي، انه كلام شاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي الجديد وزميله جون كيري وزير الخارجية، فالرجل يطرح رؤية جديدة تنسجم مع مقتضيات ضغط النفقات والحد من التدخل العسكري الأمريكي المباشر في الأزمات. الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ،يشرحها هانز بنيندجيك وهو باحث بمركز العلاقات عبر الأطلسي بجامعة جون هوبكنز، شارك في السابق في صياغة العديد من استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي، مشيراً الى أن هناك اتجاهين في الإدارة الأمريكية الحالية للتعاطي مع تهديدات الأمن القومي الأمريكي في ضوء حقائق الوضع الاقتصادي المأزوم: الاتجاه الأول يحمل عنوان»التوازن الخارجي» off shore balancingويشتمل على جملة عناصر بينها: خفض النفقات. العمل من خلال قوى إقليمية صديقة سحب عناصر القوة البرية الأمريكية من أوروبا والشرق الأوسط. أما الاتجاه الثاني ويحمل عنوان» الشراكة الأمامية» forward-partnering فيعتمد على: * «تمكين» جيران الخطر، ممن هم في الصفوف الأمامية بحكم الجوار الجغرافي، من أخذ المبادرة داخل «جوارهم». * نشر قوات أمريكية في الصفوف الأمامية بهدف مساعدة الشركاء الدوليين لأمريكا على التعاون مع القوات الأمريكية . وتعرف «الشراكة الأمامية» شركاء أمريكا في «استراتيجية التمكين» بأنهم حلفاؤها التقليديون في آسيا وأوروبا، بالاضافة الى الديموقراطيات الناشئة في الهند والبرازيل وأندونيسيا، الى جانب منظمات اقليمية مثل «الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية، مجلس التعاون الخليجي» وذلك كشراكات طبيعية لتنفيذ ما تصفه الاستراتيجية ب «عمليات إقليمية» مثل تلك التي يخوضها الاتحاد الأفريقي الآن في مالي مثلاً. أمريكا تنتقل إذن من الاحتواء (زمن الحرب الباردة) الى الشراكة مع الديموقراطيات في حقبة كلينتون، الى القيادة من الخلف في رئاسة أوباما الأولى، الى الشراكة الأمامية التي لا نراها سوى قيادة أخرى من الخلف بالاعتماد اكثر على شركاء إقليميين. تخفيض واشنطن لميزانية دفاعها، قرار أمريكي يتأثر به العالم كله، وهو قد يؤثر مثلاً على خياراتها إزاء البرنامج النووي الإيراني بكل تداعياته على الجوار الإقليمي ، ما يقتضي قراءة في العمق لنظرية «جيران الخطر» التي تعول على تحميل الجيران الجانب الأكبر من مسؤولية المواجهة مع الخطر واجتثاثه ، ولهذا فإن التعرف على وجهة الاستراتيجية الأمريكية، وفهمها ، ومحاولة التأثير فيها، والتأثير على من يضعونها، عملية يجب ان تكون يومية، في مطابخ السياسة الخارجية بكافة الدول الراغبة في التأثير والحضور والفعل. أمريكا تتغير مستوعبة حقائق القوة في عالم جديد، وهى تراهن في سعيها على الاحتفاظ بزعامة النظام الدولي خلال القرن الأول من الالفية الثالثة، على روح عملية ربما لم تتمكن الامبراطوريات السابقة عبر التاريخ من التحلي بها، ولهذا فقد نرى في مقبل الأيام استعدادا أمريكياً لتقاسم اعباء القيادة مع قوى اقليمية في مختلف مناطق العالم، بهدف التخفف من الأعباء المالية والعسكرية بصورة أساسية، وفي هذا الإطار تبدو واشنطن مؤهلة- نفسياً- كامبراطورية فريدة من نوعها، للانتقال من موضع «قيادة» العالم بكل مقتضيات هذا الموضع ومتطلباته، الى موقع «إدارة» العالم مع شركاء، مؤهلين بالفعل كالاتحاد الاوروبي، وإسرائيل، أو يجري تأهيلهم للشراكة طول الوقت ، كالهند والبرازيل وأندونيسيا وتركيا، والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأفريقي... وهكذا فمع مدير عام (واشنطن) ومديري ادارات بمختلف مناطق العالم، لا يبدو أن بوسع أحد ادعاء انه قلب العالم او رئتاه او كلاهما معا.. فالنظام الدولي الجديد بات بلا قلب. [email protected] للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS تبدأ بالرمز (21) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى 88591 - Stc 635031 - Mobily 737221 - Zain