آلمتني كثيرا نتائج تلك الدراسة التي أجريت مؤخرا في بلادنا حول كلفة الحوادث المرورية، والتي نشرت في صحف عربية عديدة، وكأنها من باب (الطرائف والعجائب) نظرا لما فيها من أرقام تعكس خطورة الأوضاع المرورية في المملكة. وتقدر (خسائر) وأقول خسائر وأنا على يقين من اختيار الكلمة المناسبة في هذا المقام، لأن أية حادثة مرورية، مهما تضاءل حجمها، لا بد أن نتمخص عنها خسائر بشكل من الأشكال، تقدر هذه الخسائر إجمالا بحوالى 87 مليار ريال سنويا، نصيب المستشفيات منها 135.170 مليون ريال سنويا تنفق فى علاج الإصابات المختلفة الناتجة عن هذه الحوادث، أما كلفة الأضرار المتعلقة بالمركبات على مختلف أنواعها فتصل إلى سبعة مليارات ريال، بينما تتكبد البلديات خسائر تقدر بنحو سبعة ملايين ريال.أما إذا نظرنا إلى مرتكبي هذه الحوادث، وفقا للدراسة المشار إليها، فإن غالبيتهم في ما يتعلق بالحوادث البسيطة تقل أعمارهم عن أربعين عاما، وأكثرهم من الفئات الشبابية، بينما معظم المصابين هم من الحاصلين على الشهادات الجامعية 41% وتصل نسبة المتزوجين من المصابين نحو 55% كما أن نسبة 50% من المصابين لديهم مسؤوليات اجتماعية، ويعولون أسرا.ولفت انتباهي وسط تلك الأرقام المخيفة أن 35% من مرتكبي الحوادث يعملون فى حقل التدريس.الأرقام السابقة تحتاج إلى تحليل من قبل المتخصصين فى علم الاجتماع، فعلاج أية مشكلة يحتاج إلى دراسات علمية متخصصة، يستفيد منها المنوط بهم حل هذه المشاكل، هذا إذا كنا بالفعل نسعى لحل هذه المشاكل.المال وحده لا يحل كل المشاكل، فالمال لا يعيد لأسرة عائلها المفقود، كما أن أموال الدنيا كلها لا تعيد للإنسان جزءا قد بتر من جسمه، والتوعية على نحو ما تلمسها غير كافية والعقوبات غير رادعة مشكلة الحوداث المرورية لدينا ونحن إذا ننادي نحتاج إلى تفهم وتضافر وإخلاص وعمل جماعي سواء من أفراد أو مؤسسات أو وزارات؛ لأن نتائج الحوادث غير محصورة فى قطاع معين من الناس فكلنا نركب أو نقود السيارات وكلنا يسير في الطريق.وحتى إذا كنت جالسا فى أمان الله إلا بسيارة طائشة تقفز إليك أو قد تطير من أعلى جسر وتهبط على إنسان بريء شاء قدره أن يكون ضحية طائش أو متهور فى قيادة السيارات، والهدف المقصود هنا تشديد العقوبات بل وتغليظها على مرتكبي المخالفات المرورية فإذا كان العاملون فى حقل التدريس على نحو ما أشارت الدراسة يمثلون 35% من مرتكبى الحوادث فلا أنادي بإبعادهم عن هذا المجال التربوي فإن فاقد الشيء لا يعطيه ولا ينتظر منهم توعية ولا تربية لشبابنا.ولابد أن يكون لكل قائد سيارة سجل فى إدارة المرور يعاد إليه ويضاف إليه كل مخالفة مرورية ارتكبها. ولا يكفي أن تكون العقوبة مالية، فما أيسر المال عند الكثيرين وإنما يمكن أن تتعداها إلى عقوبات معنوية.فهل يمكن أن نحقق شيئا فى هذا المجال؟! آمل ذلك.