مرحلة الدراسة الثانوية تعتبر محطة الانطلاق وحجر الاساس في استكمال دراسة التخصصات التي تحتاجها الدولة لتحقيق اهدافها التنموية الطموح، وربط العناصر الوطنية بسوق العمل، وهذه التسمية ليست مجرد التشبيه بالسوق فالارباح او الخسارة هنا تختلف عما نعرفه في مجال التجارة ؛ لأن اي خلل يؤثر على مطلب اعداد الطلبة وتأهيلهم ينعكس مستقبلاً على ميدان الانتاج والتنمية المستدامة في القطاعات كافة، خاصة ما يتصل باقتصاد المعرفة المنصوص عليه في رؤيتنا الوطنية الشاملة. لكن الملاحظ منذ فترات زمنية طويلة أن كثيراً من طلاب الثانوية القطريين يعزفون عن دراسة التخصصات الحيوية المهمة المطلوبة (القسم او المسار العلمي)، وقد كان اغلبهم من المتفوقين او المتميزين في مواد الرياضيات والعلوم وتقنية المعلومات في المرحلة الاعدادية، ورغم ذلك يختارون القسم الادبي على العلمي، وهذا بالطبع يعني اكمالهم دراسة التخصصات الادبية لمن يلتحق بالجامعة، فينتج عن هذا تكدس وزيادة عن المطلوب وتعيين أشخاص في غير مجالهم، مقابل احتياج كبير لخريجي التخصصات العلمية لسد العجز في هذا الميدان الحيوي الدقيق، وما تزال الدراسات والابحاث تطالعنا بهذا الخلل الناجم عن احجام طلاب الثانوية العامة المواطنين عن القسم العلمي من خلال مسارات التعليم وقد تطرق خبراء ومختصون الى هذه القضية التعليمية المهمة في ملتقى التعليم الخامس، الذي اختتم اعماله امس الاربعاء، مؤكدين بالاحصاءات المقارنة ان الدولة تحتاج الى 151ألف خريج في مجال الهندسة والرياضيات والفيزياء، وليس معنى هذا التقليل من شأن التخصصات الاخرى لكن تلك التخصصات قد حققت اكتفاء بل وزيادة عن المطلوب منها وبرع من ابنائنا وبناتنا بها اعداد كبيرة تبعث على الفخر والغبطة بفضل الله، ولابد من تحقيق الموازنة المطلوبة حسب مستجدات العصر، ونحن نواجه تحدياً وطنياً خطيراً يحتم علينا تغطية احتياجنا الراهن من التخصصات العلمية، التي تعتبر مدار التقدم ومحور البناء والانتاج والصناعات الحديثة، مما يجعلنا قادرين على منافسة الدول وتحقيق الامن الاقتصادي والصناعي، الذي نطمح اليه جميعاً بتوفيق العزيز الحكيم ثم بما نشهده من دعم وتخطيط متواصل من قيادتنا العليا، وهذه القضية الوطنية الكبرى تدفعنا بداية للوقوف على عوامل ومسببات انتشار هذه الظاهرة التعليمية في أوساط طلابنا المواطنين للتعاون في اتخاذ الحلول الفعالة وتصحيح المسار نحو تلبية طموحاتنا في هذا المضمار الحيوي البناء ومن خلال خبرات ميدانية واستقراء للواقع التعليمي المعاصر استطيع إجمال العوامل المسببة لهذا العزوف المقلق في المحاور التالية: نقص الوعي المطلوب عند الاهالي باهمية دراسة التخصص العلمي — تكديس مواد كثيرة في بداية المرحلة الثانوية (الاول الثانوي) وتغليب الكم على الكيف مما ينفر الطلبة ويزهدهم في تحقيق المعدلات العالية في المواد العلمية بالذات — ضعف اكتراث الطلاب عند اختيار التخصص بين العلمي والادبي وميلهم الى النوع الثاني تأثراً باقرانهم الظانين بزعمهم ان الحفظ اسهل من الفهم مما شاع لدى كثير من طلابنا. — تدني مستوى طموح كثير من ابنائنا طلاب الثانوية العامة حتى أصبح مجرد الحصول على شهادة الثانوية أقصى مطالبهم بصرف النظر عن المعدل او التخصص المرغوب. — اعتياد الطلاب على اسلوب حشو المعلومات واقتصار الاختبارات على قياس هذا المستوى. — بعض المعلمين المقيمين يقللون من اهمية دراسة الطلبة المواطنين للتخصص العلمي بحجة ان بامكانهم نيل الوظيفة دون عناء مقابل ان اولئك المعلمين يشجعون ابناءهم على دراسة التخصصات العلمية الدقيقة ويدفعونهم نحو التنافس على احراز النتاتج المتقدمة. — تأثير الرفاهية والاجهزة الحديثة والاتكالية على عقول وعزيمة الطلاب حتى ان بعضهم يلتحق بالقسم العلمي ثم يعدل عن اختياره ويذهب للقسم الادبي. — شيوع النظرة السلبية حول طلاب القسم العلمي الى درجة تعيير القطريين زملاءهم في المسار العلمي واتخاذها سبة باعتبار العلمي يخص غيرهم من الجنسيات الاخرى!! — تفشي المحسوبية وتحكيم المصالح الخاصة في توظيف الطلاب، فترى بعض المجتهدين المتفوقين في الاقسام العلمية يعانون في قبولهم في الجامعات او الوظائف المرموقة، بينما تلعب (الواسطة) دورها في ابتعاث او ترشيح زملائهم في دورات عسكرية او التعيين في مناصب رفيعة دون حصولهم على المؤهلات اوالمعدلات المطلوبة! — تدني مستوى التأهيل ودرجة التمكن من المادة لدى عديد من مدرسي المواد العلمية، إضافة الى اعتماد طريقة التعليم النظري على حساب الجانب العملي التطبيقى، وهذا يثير الملل في نفوس الطلاب ويفقد المواد العلمية قيمتها ويجردها من اهميتها. كان هذا تشخيصاً واقعياً لما نعانيه من عزوف طلابنا عن دراسة التخصص العلمي في الثانوية مما يجعل دولتنا بين اكثر دول العالم التي تزيد فيها نسبة طلاب الثانوية المواطنين في القسم الادبي عن العلمي وهذا بالطبع يؤثر سلباً على عملية التخطيط للمستقبل وما يتصل به من تحقيق التنمية وتحرير الاقتصاد والصناعات الوطنية وما دمنا قد اوضحنا الاسباب فان الحلول تكمن في علاجها تربوياً وتعليمياً واجتماعياً. والله ولي التوفيق هزة ورسالة. الهزة الأرضية التي حدثت في البلاد قبل يومين ينبغي التوقف عندها بمزيد من التدبر والموعظة فما أراها إلا إنذاراً إلهياً لنا جميعاً من مغبة التهاون في أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ مما انتشر هذه الأيام في ممارسات وأفعال منكرة فاحشة ينبغي التصدي لها بحزم ومسؤولية من ولاة الأمر والغيورين، قبل أن يعمنا الله بعذاب شديد من عنده. اللهم إني بلغت فاشهد. نسأل الله أن يجنبنا الكوارث والمصائب ومضلات الفتن.. أمين.