أحمد محمد (القاهرة) - انشغلت «آية» في الاستعدادات للزواج، ولم تكن فرحتها فقط لأنها ستتزوج مثل كل البنات، ولكن السعادة الكبرى لأنها ستتخلص من تلك الحياة في هذا البيت فقد ضاقت بتصرفات زوج أمها الذي حول حياتهما إلى جحيم وجعلها لا تطاق، لذا فهي تسرع للخلاص بأي شكل حتى وهي متأكدة من أنها وافقت على تلك الزيجة مع عدم اقتناعها بها، لكن يكفي الخروج الآمن ووضع نهاية للظروف المأساوية التي تغرق فيها بلا ذنب جنته يداها. تخرج آية في الضحى وحدها أو مع خطيبها لاستكمال متطلبات الزواج، وقد كان هذا الشاب أول من تقدم لها ويقيم في نفس المنطقة بالشارع المجاور ويعمل في حرفة يدوية مثلها وحاصل على مؤهل فني متوسط، لكن لم يستطع الحصول على وظيفة غير أن الميزة الأهم أن لديه مسكنا يمكن أن يقال عنه شقة مناسبة غرفة وصالة والهدف أنها مستقلة، وتلك هي أمنية آية الوحيدة في هذه الدنيا، لذلك كانت الموافقة على العريس بلا شروط ولا قيود. وعندما تعود تجده في البيت كالعادة ينفث دخان سجائره في الهواء يدخن بلا توقف كأنه في مسابقة ويريد أن يحصل على المركز الأول لا تهمها صحته التي بالتأكيد ستتأثر بذلك، لكن يهمها أن أمها هي التي تتحمل نفقاته ولا يكاد يمر يوم من غير مشاكل أو مشاجرات مصحوبة بسيول من السباب والشتائم واللعنات ويصب جام غضبه على المرأة التي لم تفعل شيئاً غير أنها عاجزة على تلبية مطالبه وهو متعطل بلا عمل ولا يتوقف عن إصدار الأوامر إليها بدءا من إعداد الشاي مروراً بالسجائر وصولاً إلى المخدرات وخاصة الحبوب التي كانت هي الوحيدة التي تخرجه من مخبئه ويتجول الساعات الطوال بين الصيدليات وبين التجار ويا ويل أمها إذا لم يجد مرة ما يضبط مزاجه العكر. وكعادته التي لا تتغير كان اليوم شتاماً سباباً لعاناً لزوجته المغلوبة على أمرها وزاد على هذا كله بأن قام بضربها أمام ابنتها والمرأة لا تفعل شيئاً استسلمت ولا تدافع حتى عن نفسها وهو مستمر في طغيانه وعندما لم تحتمل تخلصت من بين يديه وفيهما خصلات من شعرها ليكمل ما بدأه ولاحقها وانهال عليها كأنه ينتقم من عدو لدود ولم تتحمل المسكينة، وتعالت صرخاتها، فخرجت ابنتها في محاولة لإنقاذها وما إن مدت يدها لتخلصها من براثنه حتى دفعها فوقعت على الأرض وواصل ضرباته لهما معاً في أي موضع تقع عليه يداه غير مبال بالنتائج أو الإصابات والجروح التي قد تحدث ولم يردعه استعطافهما ولا توسلاتهما له بأن يكف ويتوقف. فقدت الأم الوعي والدماء تسيل من وجهها، وأصيبت الفتاة بنزيف من الأنف من لكمة قوية بقبضته وفي أحد أصابعه خاتم حديدي وما زال مستمراً يكاد يقضي عليهما استجمعت الفتاة ما تبقى من قواها وهرعت إلى المطبخ واستلت سكيناً فسار خلفها ليمنعها وليواصل ضربها فالتقيا عند الباب كل منهما مندفع نحو الآخر، فغرزت السكين في قلبه قبل أن يمد يده لينتزعها منها وكانت الطعنة في القلب، فقتلته في الحال وسقط جثة هامدة بلا حراك في بركة من الدماء وارتمى الثلاثة على الأرض مثل المصارعين في المصارعة الحرة عندما ينهكهم الاقتتال. لم تمض إلا دقائق معدودة حتى حاولت «آية» أن تتحامل وتساعد أمها على الإفاقة وما أن تأكدتا من موته حتى امتلأت الدنيا صراخاً وتجمع الجيران الذين لم يكونوا أبداً يتدخلون في الخلافات الأسرية مهما اتسعت، لكن هذه المرة هناك جريمة قتل بغض النظر عن ظروفها وملابساتها وتم إبلاغ الشرطة التي حضرت للتحقيق في الجريمة التي لم تكن غامضة، ولكن للتوصل إلى أسبابها ودوافعها وكيفية وقوعها والقبض على مرتكبها. ... المزيد