منذ أيام الثورات العربية الأولى بدأت التحليلات والتوقعات تنهال من كل حدب وصوب. وأتذكر أن كثيرًا من الأصوات كانت متفائلة لحد كبير، لدرجة أنها اعتقدت أن مرحلة انطلاق العرب نحو الحضارة والتقدم قد حان أوانها، وأن زمن التخلف والتأخر قد ولى دون رجعة. بالمقابل ثمة فئة أظنها قليلة -من الكتاب والمحليين وغيرهم ممن لهم اهتمام بالشأن العام- توجسوا خيفة من مستقبل هذه الثورات. والحقيقة أنني كنت محسوبا على الأقلية وليس الأكثرية في هذا الشأن لعدة أسباب أهمها أن التركيبة الثقافية للمجتمعات العربية لا تقبل السير في اتجاه واحد؛ حيث إن الناس داخل القطر الواحد عبارة عن طوائف وأحزاب، وكل فريق منهم يرى أنه وحده من بيده صلاح الشعب ونهضته وتقدمه. وللأسف مهما حسبتهم جميعا قلوبهم شتى، وكل ما تسمعه من حديث منمق موغل في التنظير سرعان ما ينقلب لمجرد موقف يسير. إن ما يجري في وطن العروبة اليوم مقلق ومخيف في ذات الوقت، وأظن -وأرجو أن يخيب ظني هذه المرة- أن الأيام المقبلة حبلى بالمزيد من المفاجآت. الفوضى لا تجلب إلا التناحر وتبادل التهم، وزوال الأمن وتدهور الاقتصاد، وتضاعف أعداد الفقراء والمحصلة النهائية انهيار أركان الدولة، وتحوله إلى ما يشبه غابة يأكل فيها القوي الضعيف. لقد مرت الشهور متسارعة ولم نر ما يدعو للتفاؤل، وأولئك الذين ظلوا على موقفهم واستمروا في تمجيدهم للثورات أزعم أنهم باتوا يدركون أن توقعاتهم السالفة لم تكن في محلها، بيد أن المكابرة تمنعهم من التصريح فيما وقر في النفوس؛ ربما لأنهم لم يوطنوا ذواتهم على التراجع عن آرائهم القديمة حتى وإن تبين عكس ما رأوا لاحقا. أسوأ ما في الأمر أن بعض الأطراف تتدثر بعباءة الدين طمعًا في تحقيق المآرب والأهداف الخاصة، إضافة للمتاجرة بالشعارات الزائفة للظهور بالشكل الذي من شأنه جذب أكبر عدد من المؤيدين. ولقد رأينا كيف آثر الإخوان المسلمون في مصر مصلحة جماعتهم على ما سواها، بعد وصولهم لحكم البلاد عازفين على وتر الدين تارة، وعلى وتر نهضة الأمة ورقيها تارة أخرى، حتى مل الشعب وضاق ذرعا بسياسة الإقصاء التي انتهجوها؛ فخرج في الشوارع والميادين رافضا استمرار سلطتهم. م. عايض الميلبي- ينبع