بينما تجري في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الاستعدادات لأداء الرئيس المنتخب الدكتور حسن روحاني اليمن الدستورية يوم 4 أغسطس القادم ، تبدو في الأفق حالة من التفاؤل تسود العالم الغربي ، وخاصة في أوروبا التي أعلن أكثر من مسئول عن رغبته في التعاون والتقارب مع إيران في عهد الرئيس الجديد. طهران (فارس) كما كانت برقيات التهنئة التي تلقاها الدكتور روحاني بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 14 يونيو الماضي من القادة الغربيين تعكس مدى الأزمة التي عاشتها تلك الدول خلال حالة الفتور التي سادت بين الجمهورية الإسلامية وبين الدول الأوروبية التي باتت تئن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية الطاحنة من جراء ما فرضته علي نفسها من عزلة في التعاون مع واحدة من أكبر الاقتصاديات المتطورة في منطقة الشرق الأوسط . وأصبح وكأن القادة الأوروبيون نادمون على تنفيذ رغبات الولاياتالمتحدة التي أوقعت بلادهم في براثن الانهيار الاقتصادي . على الضفة الأخرى من الخليج الفارسي مازالت الدول العربية النفطية تقف في الخندق الأمريكي ، وتناصب الجمهورية الإسلامية الإيرانية العداء إلى جانب الولاياتالمتحدة والكيان الصهيوني ، يحاولون اقناع أنفسهم بما يروج له الكذب الصهيوني على أن الخطر الإيراني على أمن واستقرار بلادهم أكبر وأفدح من الخطر الأمريكي الصهيوني ، دون فهم للواقع العالمي وما يكنه الغرب الصهيوني من حقد وعداء ، وكذلك دون استيعاب لدروس التاريخ ، التي تشهد بأن العداء الأمريكي الصهيوني للإسلام هو حقد تاريخي متوارث ، وأنهم يتحينون الفرصة للإنقضاض على عالمنا الإسلامي دولة تلو الأخري . لقد خُدعت الدول العربية في الخليج الفارسي بالوعود الكاذبة والقوة الزائفة من قبل الأعداء ، ومارست سياسة العداء مع الجمهورية الإسلامية ، وتحالفت مع أعداء الأمة والمنطقة الذين لا يسعون إلا لتحقيق مصالحهم وأهدافهم والتي هي بالتأكيد تتعارض مع مصالح وأهداف أمتنا الإسلامية ودول المنطقة التي تريد العيش في سلام ورخاء وعزة وكرامة ، فأهدافهم هي نهب ثروات العالم الإسلامي الوفيرة التي من الله علينا بها ، وتدمير قوته وعزيمته دولة بعد أخري ، ولن يتحقق رضاهم إلا بتحقيق هدفهم الشيطاني ، ولنا في قول الله تعالي العبرة وهو جل جلاله ينبهنا إلي ذلك الخطر في قوله تعالي : " وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ " ( الآية 120 سورة - البقرة ) ، فماذا تريد الدول العربية في الخليج الفارس ؟ هل تريد الرضا الأمريكي المشروط ؟ . المشروع الصهيوني الذي ترعاه وتتصدر واجهته الولاياتالمتحدةالأمريكية مستغلة نفوذها في حشد القوى الغربية حولها ، هو مشروع عنصري فاشي قائم على عداوته للإسلام والمسلمين ، وأوضح دليل وبرهان على ذلك هي تلك الازدواجية التي نشاهدها كل يوم في التعامل مع قضايا عالمنا الإسلامي ، وفي مقدمتها قضية المسلمين الأولى " القضية الفلسطينية " ، حيث تدعم وتساند القوى الغربية سياسياً واقتصادياً كل ممارسات الكيان الصهيوني العدوانية ضد الشعب الفلسطيني ، في الوقت الذي يتشدقون فيه كذبا برعايتهم للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان التي عندما تكون لصالح الشعوب الإسلامية فإنها لا تتعدي حتى حقوق الحيوانات والحشرات . وإذا كانت الصهيونية العالمية تستخدم القوى الغربية في تنفيذ مخططاتها فهذا ليس بالأمر الغريب أو العجيب ، وليس أمراً خافياً ولا يحتاج لجهد أو حسابات معقدة لفهمه ، ولكن الغريب والعجيب في الأمر أن تلك الصهيونية الفاشية تستعين ببعض الدول الإسلامية لتنفيذ مخططاتها ضد دول وشعوب إسلامية أخرى ، ثم ما تلبث تلك الصهيونية أن تنقلب على من أعانها وساعدها لأنها تعلم أنه من يخون أهله وأمته ووطنه سوف يخونهم ولا أمان له ، لقد استعانت من قبل بحاكم العراق السابق " صدام حسين " لإجهاض الثورة الإسلامية في إيران ، وذلك عندما دفعته لشن حرب عداونية ظالمة استمرت ثمان سنوات ، وبعد ذلك قامت الفاشية نفسها التي حرضته بشن الحرب عليه وأعدمته لأن دوره الذي رسموه له قد انتهى ولابد هو الآخر أن ينتهي ، فتلك سياستهم . ما يحدث الآن في دول الربيع العربي في مصر وتونس واليمن وسوريا والبحرين من مؤامرات على الشعوب التواقة للحرية والديمقراطية ، ما هو إلا جزء من ذلك المخطط الصهيوني والذي يتم أيضاً بمساعدة بعض الدول العربية في الخليج الفارسي التي تضخ مليارات الدولارات من أجل اجهاض تجربة التغيير التي قادتها الشعوب العربية الحرة ضد الحكام الذين خضعوا للهيمنة الأمريكية ولم يجنوا من وراء تلك الهيمنة سوى الفقر والذل والمهانة والعار لشعوبهم ، فحكام هذه الدول لا تريد للأمة أن تنهض من كبوتها ، ولا لشعوب المنطقة أن تتحرر من الهيمنة ، ظناً منهم أن ذلك سيوفر لهم الاستمرار في البقاء على عروشهم الخاوية أمد الدهر ، والتي من المؤكد أنه سوف تقوم الفاشية الأمريكية الصهيونية بالتحريض والتآمر عليهم وزلزلة عروشهم بعد أن يؤدوا الدور المطلوب منهم في محاربة الصحوة الإسلامية في العالم العربي ، وبعد استنزاف ثروات وخيرات شعوبهم ، وما حاكم العراق السابق منهم ببعيد ، فقد كان صديقا وفياً مخلصاً لهم في حربه ضد الثورة الإسلامية الوليدة في إيران على مدار ثماني سنوات . قد حان الوقت لكي تجرب دول الخليج الفارسي سياسة مغايرة لما اتبعته من قبل ، وتنتهز فرصة وصول رئيس جديد في إيران ، يمتلك أفكارا مستنيرة في التعامل مع القضايا الاقليمية والدولية ، وخاصة بعدما أثبتت التجارب علي مر السنين أن سياسة العداء والتوتر ، لا تحقق أمن الدول والأوطان ، ولا توفر بيئة صالحة لتحقيق تنمية اقتصادية تحقق رفاهية وازداهر الشعوب ، بل علي العكس تعمل علي إيجاد أجيال تتوارث الكراهية والعداوة ، وهذا ما يسعي العدو الصهيوني لتحقيقة من أجل تفتيت الأمة الواحدة ليسهل السيطرة عليها . علي الدول العربية في الخليج الفارسي أن تدرك جيدا أن التعاون مع إيران بعيداً عن الوصاية والهيمنة الأمريكية الصهيونية هو البديل الوحيد الذي من الممكن أن يجعل الخليج الفارسي بحيرة سلام علي ضفتيه ، وأن مكاسب التعاون الاقتصادي المشترك على جانبي الخليج الفارسي هو أكثر فائدة وربحا من الفاتورة الكبيرة التي تدفعها الدول العربية في الخليج الفارسي مقابل شراء أمن زائف من الولاياتالمتحدة التي لا تملك تحقيق ذلك الأمن لها ولمصالحها . بقلم : أحمد عبده طرابيك /2819/