ربما قراءة سريعة تعود إلى واقع الحال قبل قيامه، والمتغيرات التي أعقبت تاريخ الثاني من ديسمبر لعام 1971، تقدم مقاربة حقيقية لحجم المنجز، وشموليته، هي القناعة التي انطلقت على أساسها ندوة «الجهود التنموية في ظل الاتحاد»، التي استضافت عبرها، مساء أول من أمس، ندوة الثقافة والعلوم في الممزر، خمسة أعلام تحدث كل منهم في مجاله من واقع معايشته وخبرته المباشرة، ليتحول الحدث إلى احتفالية باليوم الوطني للاتحاد التي تعيش الدولة حالياً أفراح حلول ذكراه ال41. الندوة التي أدارها الأديب علي عبيد الهاملي، تحدث فيها كل من رئيس ندوة الثقافة والعلوم، سلطان صقر السويدي، الذي توقف عند المنجز المرتبط بمجال العمل الشبابي، فيما تحدث المستشار الثقافي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إبراهيم بوملحة، عن مجال العمل الخيري، كما تحدث في مجال التعليم الأمين العام لجائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز، د.جمال المهيري، أما مجال العمل الاجتماعي فتوقفت عنده د.موزة غباش، وتحدث في الجانب الثقافي الكاتب إبراهيم مبارك. ونوه عبيد في مستهل الحديث بأن الاختزال في استعراض المنجزات سيكون منهج المتحدثين الرئيسين الذين حتماً سيجدون صعوبة في الإحاطة بكامل تطورات المشهد الذي يتجاوز إمكانية الوقوف على استيعابه وشموليته في أمسية واحدة. تساؤل موسيقي غابت المداخلات عن ندوة «الجهود التنموية في ظل الاتحاد» من قبل الحضور، الذين استمعوا بتركيز شديد لقراءات ومقاربات المتحدثين الرئيسين، باستثناء مداخلتين لكل من المدير التنفيذي لشؤون الثقافة في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بلال البدور، والملحن إبراهيم بوملحة، الذي أراد أن يشمل الحديث عن الشأن الثقافي، المشهد الموسيقي. الندوة التي جاءت بمثابة قراءة دافئة وسريعة لمنجزات ثرية أعقبها تكريم المتحدثين الخمسة من قبل البدور، فيما نوه السويدي إلى استمرار احتفال الندوة بالذكرى ال41 لقيام الاتحاد على مدار اليومين المقبلين، بعروض فلكلورية، احدها تقدمه فرقة صينية اليوم، والآخر تقدمه فرقة مصرية غداً، لافتاً إلى الصدى الإعلامي الواسع لندوة «الاتحاد وجهود المؤسسين» التي تحدث فيها وزير الخارجية الإماراتي الأسبق عبدالله راشد النعيمي. واستهل سلطان صقر السويدي، الذي شغل مناصب عديدة في العمل الشبابي، وعاصر مرحلة تأسيس الاتحاد وما قبلها، حديثه عن المحور الشبابي بالتأكيد على أن «ما تم انجازه على مدار 41 عاماً هو عمر الاتحاد، أكبر من الحيز الزماني للعقود الأربعة»، مضيفاً «الشعوب والدول الفتية لا تقاس أعمارها بالسنوات، بل بالمنجز الحضاري بشقيه المعنوي والمادي». ولفت السويدي إلى حجم التحديات والصعوبات التي واجهها جيل ما قبل الاتحاد، مضيفاً «عاش هذا الجيل شظف العيش، وشح الإمكانات، لكن من قُدر له منهم أن يعايش بناء الاتحاد، لم يبخل بجهده وعرقه، ليصبح هذا الجهد والعرق الوقود والمادة الخام الرئيسة التي بُني على أساسها الاتحاد الذي قام منذ بدايته على أسس متينة». وأضاف «لم تكن ثمة مؤسسات تحتضن الشباب في بدايات الاتحاد سوى المدارس وأنشطتها، فضلاً عن جماعات الكشافة، لكن الدولة كانت حريصة دائماً على هذه الشريحة، وتعي أنها بمثابة حاضر ومستقبل الإمارات، لذلك كانت وزارة الشباب من أوائل الوزارات التي تم إنشاؤها في عصر الاتحاد». ونوه السويدي بأن الاهتمام بقطاع الشباب جاء بمثابة استراتيجية واضحة من الدولة التي انتبهت أيضاً إلى حقيقة أن 52٪ من أبنائها ينتمون إلى تلك الشريحة العمرية، ومن هنا جاءت أقوال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل نهيان، بمثابة تحديد لأولويات الدولة، وتكثيف اهتمامها بالعمل الشبابي، مضيفاً «خلاصة القول إن الازدهار الذي تعيشه الدولة حالياً هو ثمار ناضجة لجهود تنموية بدأها المؤسسون وارتقت بها الأجيال التالية». المستشار الثقافي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إبراهيم بوملحة، استعرض تطور جهود العمل الخيري في الدولة، داخلياً وخارجياً، متطرقاً إلى تجارب المؤسسات الحكومية والرسمية من جهة، وتجارب المؤسسات الأهلية والمبادرات الفردية من جهة أخرى. ولفت بوملحة إلى خصال الكرم المتوارثة في المجتمع الإماراتي منذ عقود، مضيفاً : «يعرف دائماً عن المجتمع الإماراتي تمسكه بخصال الكرم حتى قبل تأسيس الاتحاد، حيث كانت الأسر تتسابق على تقديم الزاد لعابري السبيل الذين كانوا يعبرون الدولة وصولاً إلى مكة في رحلة من أجل حج بيت الله الحرام، وكان الآباء يغرسون في أبنائهم تلك الخصال من خلال إرسالهم محملين بالطعام، في أوقات تناوله المعتادة، لعابري السبيل في المساجد، وكأن ذلك بمثابة تدريب قدري لما سيكونون عليه في مستقبل تأسيس الدولة». وأحال بوملحة إلى أسماء شخصيات كثيرة عُرفت قبل تأسيس الاتحاد بالعمل الخيري، قبل أن يتطرق لذكر جانب من أسماء المؤسسات والجمعيات الحديثة في مختلف إمارات الدولة، لافتاً إلى أن أول جمعية انشئت في هذا المجال بالدولة كانت عام 1961 تحت اسم الجمعية الخيرية العربية. في الحديث عن جانب التعليم تطرق د.جمال المهيري إلى إحصاءات دقيقة توضح بالأرقام حجم التطور الذي طال قطاع التعليم بالدولة، حيث قارن بين ما كانت عليه الحال عام 1972 والعام الجاري، مشيراً إلى أن حجم المدارس ارتفع من 72 مدرسة إلى 782 مدرسة حكومية، قابله ارتفاع في عدد الطلاب من 32 ألفاً إلى 270 ألفا، وعدد المدرسين من 1500 مدرس، إلى 30 ألف مدرس، أما عدد المدارس الخاصة فقد ارتفع من 500 مدرسة إلى 24 ألفاً. لكن المعيار الكمي لم يكن هو الوحيد في حديث المهيري، الذي أشار إلى التركيز على الكيف من خلال اعتماد عملية التعلم على الإفادة من ثورة تكنولوجيا المعلومات والانترنت والمختبرات العلمية وغيرها، فضلاً عن إطلاق العديد من المبادرات التعليمية التي تهتم بتحسين جودة التعليم، ومجالس التعليم المتعددة، مشيراً إلى أن تحديات العمل التعليمي اختلفت، حيث كان الأمر متعلقاً حتى عام 1987 باستبدال المنهج الكويتي الذي كان سائداً في مختلف مدارس الدولة، بمنهاج تعليم إماراتي وطني، ليصبح التحدي هو أن تكون الإمارات دولة رائدة في مجال التعليم، فيما صار عام 2013 في هذا القطاع هو تحدي توطين التعليم. الدكتورة موزة غباش، التي تعد من رواد العمل الاجتماعي بالدولة، قدمت قراءة للواقع الاجتماعي المتبدل بين العصرين، مشيرة بالأساس إلى أن تسارع وتيرة النمو الاقتصادي دائماً ما لا يواكبها بذات السرعة تطور مماثل في الجانب الاجتماعي، الذي يحتاج دائماً وقتاً أطول للتأقلم مع المعطيات المادية الجديدة. ولفتت غباش إلى أن هناك محاولات جادة تسعى للتغلب على المشكلات الاجتماعية التي تواكب هذا التطور الاقتصادي الهائل، ومنها مشكلة ارتفاع نسبة العمالة الواحدة، وتأثير ذلك في التركيبة السكانية، وأثر ذلك في الهوية الوطنية أيضاً متطرقة إلى قضايا متعددة أخرى منها التصحر، والبطالة، وسلبيات الواقع الإعلامي، وغيرها. وبصيغة أدبية اختار الكاتب إبراهيم مبارك أن يبدأ قراءته في المشهد الثقافي المحلي الذي قسمه إلى أربعة أقسام على أساس عقود الاتحاد الأربعة، مشيراً إلى أن الثقافة في البداية كانت تعتمد على جهود ذاتية في ظل غياب المؤسسات، لافتاً إلى أن الأندية الرياضية كانت تقوم بدور محوري كمظلة رئيسة للأنشطة الثقافية في تلك الفترة. وأشار مبارك إلى أن أكبر نهضة شهدها هذا القطاع كانت منذ عام 1992 حتى الآن، مضيفاً «تحولت الثقافة من همّ خاص إلى هم عام يشغل مؤسسات الدولة الرسمية، لتتبوأ الثقافة بعد ذلك دورها في عكس الألق الحضاري للدولة عموماً».