كتب - نشأت أمين: قال الداعية السعودي فضيلة الدكتور ناصر بن محمد الأحمد إن الغالبية العُظمى من بلدان العالم الإسلامي مشغولة بواجهة التخلف والصراعات والفتن بينما يتفرّغ غيرهم للتعمير والبناء والتحديث والإنتاج في هدوء ودون إزعاج. وأشار إلى أن معظم التفاعلات الجارية على الساحة العالمية تمسّ الأمة الإسلامية بشكل مباشر على جميع الأصعدة سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية ودينية، مضيفًا: إن كثرة نكبات الأمة صارت لا تصدّق بسبب توجيه الضربات المتعدّدة التي يوجهها لها أعداؤها. وقال الدكتور ناصر بن محمد الأحمد في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب إن العالم صار يشهد منذ العام الأخير من القرن العشرين تطوّرات متلاحقة وقد أصبحت تلك التطوّرات أكثر اتساعًا مع بدايات القرن الحادي والعشرين. ولفت إلى أنه لم يعد محتملاً من أصحاب الرأي في الأمة أن يتجاهلوا متابعة هذه الأوضاع المليئة بالظلم والجور والتفاعل معها والسعي لعلاجها لأنها تخصّ حاضرنا ومستقبل أجيالنا وتخصّ مصير دعوة الإسلام التي يتفق أعداء الأمة جميعًا على محاربتها وتقليص وجودها حتى داخل بلاد المسلمين. وأضاف: إن الأمر يستدعي وضع حدٍّ لهذه الأوضاع المرشّحة للاستمرار وجعلها على رأس اهتمامات الخاصّة قبل العامة، مشيرًا إلى أن المتأمّل لهذه التفاعلات الدوليّة سيجد أن أكثر القضايا حساسية هي التي تدور في عالمنا الإسلامي حيث تنشغل الهيئات والمنظمات الدوليّة بالقضايا المتفاعلة في بلادنا الإسلامية أكثر من غيرها. وحذّر من أن هذه المنظمات تتدخّل في قضايانا وتخرج بنتائج بعيدة عن مقتضي مصالحنا الآنية ومصائرنا المستقبلية ومن هذه القضايا قضايا فلسطين والعراق ولبنان والسودان ومنطقة الخليج والصومال وأفغانستان وباكستان وكشمير والفلبين وليبيا وتونس ومصر وسوريا. وأكّد أن قوى الهيمنة الكبرى المُسيطرة تسير بمصير شعوبنا إلى المجهول من خلال مشاريع استعمارية جديدة موضوعها المسلمون، ولفت إلى أن أخطر قضايا التوازنات العالمية أصبحت مرتبطة بواقعنا وفي أراضينا الإسلامية. وقال: إن لكل من أوروبا والصين والهند أطماعًا للتأهل لما بعد القطبية الواحدة وتبني حساباتها المستقبلية على أساس استمرار ضعفنا وتفرّقنا وتبعيتنا وبقائنا دون قيادة أو ريادة على المستوى العالمي. وأضاف : من الغريب أن العالم الذي يصبح ويمسي على أخبارنا الساخنة وأحداثها المتلاحقة لا يكاد يرى دوامات ومتاهات مثلها في أماكن أخرى غير بلادنا. وقال إن كل النوازل في الأمة الاسلامية لتنادي في العالمين أين قادة المسلمين على المستوى الدولي؟ وأين كلمة علمائهم وحكمائهم ؟ وما هو السبيل والمخرج من هذه الأزمات ولو بحل جزئي ومؤقت ؟ وقال: إن الجواب يكون بإعادة المؤسسة العملاقة على مستوى الأمة والتي فقدت منذ زمن بعيد وهي مؤسسة أهل الحل والعقد. وتساءل: أين هم أهل الحل والعقد ؟ ومن هم ؟ ومن الذي أضاع هذه المؤسسة العملاقة في الأمة ؟ ومن المسؤول عن إعادتها ؟ وما هي أبرز سماتهم وخصائصهم إذا فكر مجموعة بجدِّ في إعادة هذه المؤسسة. وزاد القول: من مجمل كلام علماء السياسة الشرعية يمكننا أن نقول "إن لأهل الحل والعقد خصائص في مجموعهم بوصفهم الفئة الأهم من ولاة أمر الأمة ومن أبرز هذه الخصائص أن ولايتهم مستمدّة من الشريعة مباشرة حيث يستمدّون منها مرجعيتهم ومشروعيتهم وشروط وظروف عملهم ولذلك فإن تلك الولاية لا تستمدّ من سلطة أعلى منها لا من الشعب ولا الحكومة ولا المؤسسات الوطنية أو الإقليمية أو الدولية وإنما بين الاختيار في ما بين المؤهلين لها وبالشروط المُعتبرة عند أهلها فهم لا يوظفون من جهة معيّنة ولا من نظام ما. وقال: إن بقاء ولايات أصحابها باقية ببقاء أوفر الشروط الشرعيّة فيهم، لذلك فإن ولاية أهل الحل والعقد لا تقبل العزل أو الإسقاط أو إنهاء الصلاحية وسلطتهم لا تمنح ولا تمنع ولا يسوق مخالفتها ما دامت جامعة لشروطها. ولفت إلى أن سلطة أهل العقد العالمية لا تعترف بالتقسيمات الرسمية أو الحزبية أو العنصرية إذ أن الصلة بين أعضائها هي الحكمة والرأي والعلم لذلك لا يمكن تقسيم هيئتهم عبر الرسميات أو القطريات ورأي مجموعهم سار على مجموع أمتهم. وقال: إن العلماء هم عماد مؤسسة أهل الحل والعقد إلى جانب من يُستعان بهم من أهل الاختصاص في الشؤون الأخرى. وقال: إن هؤلاء لا بدّ من تميّزهم بسلامة المنهج العقدي فلا يقبل أن يكون ضمن أهل الحل والعقد علماء البدع أو أصحاب المرجعيات التي لا ترجع إلى العقدية المرضية عند أهل السنة والجماعة بل لابد أن يكونوا جميعًا من العدول ومن ورثة علم الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال إن هيئة أهل الحل والعقد تمت بفئة فاعلة ومتفاعلة ومعيّنة ومتعاونة كما تدلّ على ذلك الدلالات اللغويّة الفقهيّة لمصطلح الحل والعقد. مبينًا أن كيانهم قادر على إنشاء أوضاع جديدة في الأوساط المُحيطة وهم نوّاب عن الأمة وممثلون لإجماعها الذي لا يمكن أن يكون على ضلالة وهم يتكونون ثم يكونون وينتظمون ثم ينظمون ويتعارفون مع هموم المسلمين في إطار متماسك مؤثر هو في حقيقته إطار مؤسسي قادر على أن يحلّ ويعقد في الشؤون المهمة للأمة. وقال إن دور الولاية في إعادة القيادة إلى الأمة الإسلامية يفتقر إلى عمل مؤسسي للتصدّي للنوازل الفقهية كما أن التصدّي للمُعضلات العلمية يحتاج أيضًا إلى عمل مؤسسي وتصديها لانتزاع حقوق الأمة وإعادتها يحتاج كذلك إلى عمل مؤسسي وإعانتها على إقامة المستطاع من أحكام الشريعة لا بدّ له من عمل مؤسسي أيضًا وكذلك نظرها في قضايا الجهاد والسلم والحرب ورقابتها على الأموال العامّة وإشرافها على العدل بين الناس لا يتم دون عمل مؤسسي. وشدّد على أنه لا مناصَ من تحوّل قيادتهم الاعتبارية النظريّة إلى نظام فعلي معتبر ومعترف به من بقية نوّاب الأمة وجمهورها. وقال إن واجبات أهل الحل والعقد لم تعد تحتمل التأجيل من جيل إلى جيل فما مضى من التقصير لا يسوغ المزيد من التسويف وذلك لأن نوازل الأمة عديدة ومتجدّدة. وقال : إن فريضة الاعتصام بكتاب الله لا يمكن أن تقوم بها الأمة إذا كان علماؤها متفرّقين، إذ أن اجتماعهم هو الأرضية التي يشيّد عليها اجتماع المسلمين في أية قضية، مشيرًا إلى أن خلفاء الصحابة يحرصون على أن تكون بطانتهم من أهل الذكر كما فعل أبوبكر إذ كان يدعو رجالاً من المهاجرين ورجالاً من الأنصار وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وكذلك فعل الفاروق عمر رضي الله عنه.