العقول الاستثمارية الأكثر استقراراً واستمراراً، بها تنهض الاقتصاديات الناجحة وتتقدم، وعلى النقيض منها السلوكيات الاستهلاكية التي دائماً ما تقضي على الأخضر واليابس، ثم تندم وتندب حظها لتموت. أغلب المشاريع الفاشلة زُرعت في حوض عاجل، وروُيت بماء مستعجل، وظللت بظلال فوري، وشذبت بردود الأفعال؛ فأصبحت عقيمة يتيمة.. اطلعتُ على تجارب راقت لي في المجال الخيري وصناعة الأوقاف في السعودية، في الملتقى الثاني لتنظيم الأوقاف الذي عُقد مؤخراً، وأبهرتني تلك الحصة السوقية للأوقاف، التي كشفت عن خيرَي الدنيا والآخرة في مجتمعنا؛ فأسعدتني تلك النتائج، وأفرحني حرص القائمين عليه والمشرفين.. والأجمل أن أوراق العمل قُدمت كتجارب ناجحة في مؤسسات خيرية، استطاعت أن تستثمر بذكاء في ديمومة أعمالها كمنتجة ومانحة وداعمة لتلك المشاريع، التي تشرف عليها بأنظمة إدارية ومؤسسية، تضمن جودة النتائج وأثرها وتأثيرها على الفئات المستهدفة. تشرفتُ بالاطلاع على تجربة مؤسسة العنود الخيرية، وفرحت بزيارتهم في مقرهم بالرياض؛ لأشاهد عملاً مؤسسياً فاخراً ومشاريع إبداعية استهدفت كل شرائح المجتمع، فلم يعد الخير فقط مقتصراً على الفقير والمسكين واليتيم والسجين فحسب، بل شملت القائمين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله وابن السبيل، وهي الأصناف التي أمر الله أن تُدفع لهم الزكاة على وجه الخصوص، حتى شملت مشاريع جميلة، استهدفت الأطفال والشباب وكبار السن ذكوراً وإناثاً، ونجحت في ابتكار عدد من المشاريع التنموية لاحتياجات المجتمع في أنحاء السعودية كافة، واستهدفت العقول لتصنعها وتعلمها كيف تصطاد السمك، لا لتأكله فقط، فدربوهم وعلموهم، وصنعوا ثقافة الأعمال الخيرية والتطوعية.. والأجمل أن يتم التعامل مع مشاريعهم بجودة عالية كجودة المؤسسات الاستثمارية التي تسعى للربح، ليس فقط الدنيوي بل الأخروي كذلك. وتوقفت بتأمل أمام ورقة الأستاذ بدر الراجحي في حديثه عن تجربتهم في أوقاف الشيخ محمد الراجحي -رحمه الله- لأشعر بأنني أمام مشروع استثماري منظم بقوانين وأدوات رقابية عالية الدقة، والحديث عن مصارفها كجزء من استثماراتها ونجاحاتها المعنوية لا المادية فقط، فمجالس الإدارة واستقلالية قراراتها وتنويع الاستثمارات والإدارة الفعالة للمخاطر، وتطبيق أنظمة تحفيزية بمؤشرات أداء عالية الدقة، ترسم صورة واضحة المعالم للعمل الخيري تحت مظلة الاستثمار الذكي. همسة واقع.. هذه التجارب الناجحة والواضحة المعالم حفّزت الكثير من رجال الأعمال وسيداته والأغنياء للتقديم لآخرتهم كما يقدمون لدنياهم، بل أصبحوا يفخرون بجودة منتجاتهم الأخروية وتسويقها للمستفيدين؛ لأنهم يستمتعون بجميل عطاياهم، فالله تعالى يقول: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. والتنظيم الذكي في العمل الخيري جعل منتجاتهم أجمل ما يحبون في دنياهم التي قدموها لأخراهم.