بقلم / الناقد عبدالله صبري في مجموعته القصصية ( ظل المرآة ) يعرض القاص الكويتي فيصل سعود العنزي تناقضات الذات وتحولاتها ، ويلقي الضوء علي ما تحمله النفس من مشاعر متناقضة ، والصراع الداخلي للإنسان وشعوره بالتشرذم والتقزم والاغتراب ، وما يرهقه من تناقضات بين ما هو روحي وما هو جسدي ، وبين المادي المستهلك ، والوجداني الشاعري ، صراع بين المظهر والجوهر ، وبين اليأس والتفاؤل ، والقلق الفكري الناتج من المقارنة بين السطحي العابر المعاش ، والمطلق السرمدي ، وبين حلم الذات المبدعة بالمثالي القيمي ، ومعاناتها مع الروتيني المألوف والاستهلاكي الممل . فمنذ القصة الأولي التي حملت عنوان " أطياف " يكشف القاص عن حالة من الاغتراب والحزن يعاني منها الإنسان المعاصر تمثلت في معاناة بطل القصة واحتراق الأماكن والمشاهد حوله وهروبه واستلقائه علي الأرض من شدة التعب ، ثم يكتشف البطل أن الكثيرين يشاركونه نفس المعاناة والقلق الروحي والإرهاق والألم والحيرة ، والرغبة في الاسترخاء والعودة إلي جمال الطبيعة وبراءتها ونقائها . وفي قصة " بين طيات الرياح " التي تميز عنوانها بحضور التنغيم والشاعرية ، ربما لأن فيصل العنزي شاعر في الأساس ومتأثر بصور الشعر ومجازاته ، يكتشف بطل القصة أن المخلوق الغريب الذي عثر عليه وذهب به إلي معهد الأبحاث العلمية ليس سوي انعكاسا لذاته المغتربة والغريبة ، وهو هنا يبين شعور الذات المبدعة بالضعف والهشاشة وعدم التكيف مع الحياة الاستهلاكية القاسية التي تخلو من البهجة والمثاليات والقيم النبيلة ، لهذا تميل إلي التقوقع والاغتراب والوحدة ، ويصل الحال بالبطل في نهاية القصة إلي أخذه مقيداً إلي مستشفى الأمراض العقلية . التشبث بالأمل ومقاومة اليأس يكشف فيصل العنزي من خلال بطل قصته " الجزيرة " عن إيمانه بضرورة التمسك بالأمل ومقاومة اليأس ، ومحاولة الاستمتاع بالأشياء والطبيعة ، حتي لو كانت أسباب السعادة بسيطة ، وغير مكلفة ، حيث يكتشف بطل القصة أن السعادة شعور داخلي ، لا يرتبط بالظروف والمؤثرات الخارجية ، وأن المتأمل في نقاء وجمال الطبيعة سيكتشف أسرار الجمالة الخلابة ويتخلص من شعوره بالحزن والكمد عندما يتأمل قدرة الله وجمال ملكوته وهذه المنظومة الكونية الجميلة التي تحمل سر القدرة وجمال المناظر الطبيعية التي تخلو من تخريب الإنسان وغرائزه ، وتزخر بالبكارة والألق والروعة والبراءة ، حيث عذوبة المياه ، والثمار الطازجة ، وأصوات العصافير وشروق الشمس وأشعتها الدافئة . في قصة " ذات صباح مشرق " ينتقد القاص بعض المظاهر السلبية في الأسرة مثل سوء معاملة الزوج لزوجته ، وحالة عدم التفاهم بين الأزواج ، وينتقد العنف في التعامل والعادات الخاطئة ، التي تؤثر تأثيراً سلبياً علي الحياة الأسرية ويكشف في قصة "الفراشة والزهرة " التأثير السلبي للإنسان علي الطبيعة والكائنات الحية ، وتلويث براءة الطبيعة ، والبيئة دون اكتراث بالمخلوقات والكائنات ، فالفراشة التي أراد بطل القصة أن يرسمها لم تأتي بسبب رائحة الأصباغ ، ثم يكتشف أن الوردة البريئة قد ذبلت وفقدت رائحتها الجميلة . اللغة المباشرة في المجموعة القصصية استخدم القاص فيصل العنزي في معظم قصص مجموعته القصصية " ظل المرآة " لغةً مباشرة ، وانصرف عن استخدام لغة التصوير والمجاز، ولعل ذلك يرجع إلي أن المواضيع التي تناولتها القصص أغلبها مواضيع اجتماعية وإنسانية ، ومن مآخذي علي المجموعة القصصية هنا خلوها من طرح قضايا فلسفية ، أو وجودية ، وغياب العمق عن بعض قصص المجموعة . تأثر القاص بطبيعة مجتمعه في كثير من المواطن في المجموعة القصصية يظهر تأثر الشاعر بمجتمعه وعاداته وتقاليده ، ففي قصة " الحاجز وضوء الظل " تأثر الشاعر بطبيعة مجتمعه الكويتي المحافظ وحضور الوازع الديني بقوة ، حتي أن بطل القصة يفكر في الجنة والنار والثواب والعقاب والتوبة ، حتي وهو مريض بالمستشفى ، وفي قصة " بين طيات الرياح " يذكر الشاعر أماكن حقيقية موجودة في الكويت مثل " معهد الكويت للأبحاث العلمية " وفي قصة " أطياف " يتحدث عن ذهاب بطل القصة إلي ( منتزه سليل الجهراء ) وهو منتزه حقيقي موجود في دولة الكويت . وفي الخاتمة إن المجموعة القصصية " ظل المرآة " للقاص الكويتي الشاب فيصل العنزي ، هي مجموعة متميزة تستحق القراءة والإشادة لما بها من جماليات السرد وتنوع موضوعاتها ، وما تتضمنه من اهتمام بقضايا إنسانية واجتماعية وتناول لهموم الذات المبدعة ، وصراعاتها مع الذات ومع الآخر وانشغالها بالبحث عن الجمال والبراءة والبراح والسلام الروحي والاجتماعي الناقد / عبدالله صبري إيميل [email protected]