ورغم معارضة أغلبية زملائي وأصدقائي, ورغم أن عددا كبيرا من قيادات المنظمات الحقوقية طلبت مني الإنسحاب من المجلس, وكان رأيي أن قيادات التيار الإسلام السياسي تعرضوا للإعتقال والتعذيب والمحاكمات العسكرية وإنتهكت حقوقهم ولهذا فإنهم سوف يكونون في مقدمة صفوف المدافعين عن حقوق الإنسان وسوف يساهمون في التمكين لحقوق الإنسان في مصر سواء بتعديل قانون المجلس ليكون أكثر فاعلية, وتنقية القوانين القائمة من أي نص يتعارض مع حقوق الإنسان المصري. ودخلت التجربة شهرها الثالث دون مشاكل تذكر فقد تم تشكيل اللجان الفرعية للمجلس وتحديد رؤسائها بالتوافق, ونجح المجلس خلال هذه الفترة القصيرة في عقد إتفاقيات جديدة لتمويل نشاطه البحثي لتطوير التشريعات المتصلة بحقوق الإنسان, ونشر ثقافة حقوق الإنسان, وإتفق علي تمويل مشروع لتطوير السجون المصرية وغرف الحجز في أقسام الشرطة وتزويدها بإحتياجاتها لضمان إقامة إنسانية لنزلاء السجون. وتبني مشروعا متكاملا لحقوق الطفل المصري كما تبني مشروع القانون الذي أعده المجلس السابق لزيادة فاعلية المجلس ومنحه الحق في زيارة السجون دون إذن مسبق من النائب العام, وحق الإطلاع علي الوثائق والمستندات لدي أجهزة الدولة فيما يخص حالات إنتهاك حقوق الإنسان, وحق إصدار قرارات ملزمة للأجهزة التنفيذية بالنسبة لحقوق الإنسان, واستجاب وزير العدل لطلبه إنتداب قاضي لإجراء تحقيق مستقل في وقائع إعتداء الشرطة علي الدكتور تقادم الخطيب والمهندس خالد السيد من قادة الثورة والإستاذ حجاج نايل المحامي والناشط الحقوقي والمهندس محمد فهيم سليمان. وتطور أداء مكتب الشكاوي التابع للمجلس ونظمت زيارات ميدانية للمحافظات لتلقي شكاوي المواطنين مباشرة, وحرص المجلس علي مخاطبة الرأي العام ليكون طرفا مساندا لدفاعه عن حقوق الإنسان المصري. ولم نلتفت إلي الإنتقادات التي وجهتها المنظمات الحقوقية للتشكيل الجديد. وبذلنا جهدا كبيرا من أجل التواصل مع هذه المنظمات وطرحنا عليها عقد لقاءات دورية للتشاور حول قضايا حقوق الإنسان, وعقدنا الملتقي السنوي السابع للمجلس وموضوعه( حقوق الإنسان في مسودة الدستور) وشارك في اللقائين أكثر من50 منظمة حقوقية. ووقعنا عقدا مع مؤسسة متخصصة لهيكلة جهاز العمل في المجلس تحقيقا للعدالة والمساواة والشفافية بين العاملين, خاصة وأنني إكتشفت من خلال عملنا المشترك معهم أن المجلس يضم مجموعة متميزة من الباحثين يجيد أكثرهم لغات أجنبية ولديهم خبرة راقية في مجال حقوق الإنسان, كما يضم المجلس مجموعة من المحامين الذين تميزوا بالخبرة في التعامل مع شكاوي المواطنين والسعي لدي الأجهزة الحكومية لحلها كما أن الأمين العام للمجلس شخصية دبلوماسية لديها علاقات متميزة بالمنظمات الدولية لحقوق الإنسان ومعرفة راقية بحقوق الإنسان ومصداقية لدي المفوضية السامية لحقوق الإنسان تفيد المجلس كثيرا وعلاوة علي هذا فإن المجلس يضم عدد من العاملين الإداريين والماليين يتميزون بالكفاءة والجدية في العمل. وكان حقا علينا أن نرعي مصالحهم وأن ننفذ مشروعا للهيكلة لحفظ حقوقهم. وتحقق نموذج للتعاون النزيه بيني وبين رئيس المجلس القاضي حسام الغرياني الذي منعته رئاسته للجمعية التأسيسية للدستور من الوجود في المجلس, وقمت بإدارة العمل اليومي في المجلس متصورا أن هذه الإنجازات قد غطت علي المخاوف من التشكيل الجديد للمجلس إلي أن صدر الإعلان الدستوري يوم21 نوفمبر الذي تتضمن مواده أرقام2,3,5,6 إنتهاكات صريحة لحقوق الإنسان, فأعددت مشروع قرار يصدر عن المجلس يعلن إعتراضه علي الإعلان ويطلب من رئيس الجمهورية إلغاءه وإصدار قوانين بزيادة معاشات المصابين. وتضمن مشروع القرار تقييما واضحا للإعلان أنه يتعارض مع حقوق الإنسان المصري ويهدر إستقلال القضاء ويعطل حق التقاضي ويخالف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وطلبت عقد إجتماع طارئ للمجلس لمناقشة مشروع القرار المقدم مني حيث لا يعقل أن يكون المجلس القومي لحقوق الإنسان هو الجهة الوحيدة التي لاتبدي رأيا في هذا الإعلان. وعقد الإجتماع بالفعل ودارت مناقشات ساخنة علي مدي9 ساعات رفضت الأغلبية المنتمية إلي تيار الإسلام السياسي المساس بالإعلان أو إنتقاده ورأت أنه صدر لتلافي مؤامرة دبرتها المحكمة الدستورية لخلق حالة من الفوضي, ورفضت الأغلبية الموافقة علي البيان بل ورفضت التصويت عليه, وإرتأت إصدار بيان ذرا للرماد في العيون لا يتضمن الموقف الواجب إتخاذه من مجلس مهمته الأساسية الدفاع عن حقوق الإنسان وهكذا تأكد أن غلبة الطابع السياسي لتشكيل المجلس تمنعه بالفعل من الدفاع عن حقوق الإنسان وهو ما دفعني إلي تسجيل هذه الحقيقة في إستقالتي التي تقدمت بها إلي رئيس المجلس. وهكذا فإن مستقبل المجلس القومي لحقوق الإنسان يتهدده خطر شديد سوف يؤثر علي مصداقيته داخل مصر وعلي سمعته لدي المنظمات الدولية رغم ما يملكه من خبرة بشرية متميزة تؤهله للقيام بدوره علي أكمل وجه. وهكذا فإن المجلس بوضعه الحالي لا يتجاوز ما أراده حسني مبارك عندما وافق علي إنشائه أن يكون هيئة مستقلة تحت السيطره لتجميل وجه النظام. ومع ذلك فإن الحركة الحقوقية المصرية قادرة علي مواصلة نضالها وأنا معها حتي يتحقق حلمنا أن يكون المجلس القومي لحقوق الإنسان هيئة فعالة وأن يتحقق أملي في أن يتم إنتخاب هذا المجلس من جمعية عمومية تضم ممثلين للمنظمات الحقوقية وليس من مجلس الشوري الذي سوف يعكس أغلبيته علي تشكيل المجلس ليكون صدي لهذه الأغلبية البرلمانية.