فضلاً لا تزايدوا علينا ولا داعي للغلو والتطرف أيها القوميون العرب فالوحدة العربية مرفوضة جملة وتفصلاً إذا كان أساسها ظلم وامتهان سيادة وكرامة شعب الجنوب وطمس هويته والنيل من حريته وكفى مزايدة فالجنوبيون قدّموا من التضحيات ما لا يجرؤ عليها غيرهم من العرب في سبيل تحقيق الحلم العربي ، الحلم الذي ظل يراود طموحات الشارع العربي ويدغدغ مشاعرهم منذ بدايات خمسينيات القرن الماضي حتى ظننا أنه في طريقه إلى التحقيق بعد أن تمت الوحدة بين الشقيقتين مصر وسوريا إلاّ أن شيئاً من ذلك لم يحصل وسرعان ما تبددت أحلامنا ولم تدم تلك الوحدة طويلاً حتى عادت الدولتان إلى وضعهما السيادي السابق بعد أن أدرك الزعيم الراحل جمال عبد الناصر خطورة بقاء الوضع على الشعبين وهنا تتجلى الحكمة والبصيرة والحرص الشديد على نبل الهدف من وحدة الأمة ولكن ذلك الرجل كان عبد الناصر رحمة الله عليه دلل بما لا يدع مجالاً للشك أنه يسعى إلى توحيد قلوب الأمة ولم الشمل ولا يبحث عن توسيع رقعة الهيمنة ، أما نحن الجنوبيون أثبتنا بالدليل أننا أكثر من غيرنا حباً ووفاءً لأمتنا العربية وإخلاصاً لوحدتها وفعلنا سبق القول تجلى ذلك على أرض الواقع حين لبى الجنوبيون ما أقدمت عليه القوى السياسية حينها من تسمية الكيان الجديد لدولة الجنوب أسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية قبل الاستقلال الأول في عام 1967م في إشارة واضحة الدلالة على نوايا الجنوبيين تجاه وحدة العرب ولم تتوقف تضحيات الجنوبيين عند هذا الحد بل تخطت ذلك وتوّجوا تلك التضحيات في تسعينيات القرن الماضي بوحدة مع العربية اليمنية ولا داعي لسرد تفاصيل ذلك ، فالنفق الحالك الذي وقعنا في دهاليزه بنوايا عربية قومية خالصة عبث بها اليمنيون كيفما شاءوا وتلذذوا بامتهان كرامتنا وبغوا وتكبروا وطاب لهم العيش حين تكالبوا جميعاً بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم وتصدرت الفتاوى الدينية المشهد وشنوا حرباً شعواء على الجنوب وشعبه وذبحوا الوحدة من الوريد إلى الوريد ولا أعلم أين كنتم حينها أيها القوميون العرب ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد بل تجاوز ذلك بفظاعة فأطفالنا يُتمِوا ونساؤنا رمُلت ومنضرو القومية العربية في سبات نومٍ عميق واليوم وبعد عقدين من الجحيم ونيران مستعرة على الجنوب وشعبه صحا الضمير القومي العربي وتراءى له إن الجنوبيين يهددون وحدة الأمة العربية ويريدون القضاء على نواة وحدتها وأن الخطر محدق بالعرب إذا لم يتمهل الجنوبيون ويعطوا فرصة لوثيقة بن عمر التي جاء ذكر الجنوب فيها ثلاثة عشر مرة بخلاف الشمال الذي ورد ذكره مرتين فقط بحسب كلام أحد منضري القوميين العرب مما يفهم من سياق الكلام إن الوثيقة أعطت للجنوبيين حقوقهم المنهوبة وضمنت لهم مساواة ومواطنة عادلة وضمانات بعدم تكرار ما ارتكبه النظام السابق بحق الأرض والإنسان الجنوبي بل فضلتهم على اليمنيين وهذا ما يتغنى به أيضاً إخواننا في العربية اليمنية حتى أنهم قالوا إن تلك الوثيقة أعطت للجنوبيين ما لم تعطهما اتفاقيتا الوحدة والعهد والاتفاق وضمنت لهم حقوقاً لا يحلمون بها والحقيقة هذا منطق فيه مغالطة وتمويه لحقيقة الفخ المنصوب لشعب الجنوب وتزييف لإرادته وهدف ثورته التحررية وقضيته العادلة وينم عن جهالة وبُعد عن واقع حال الساحتين الجنوبية واليمنية وما يعتمل بالأخص على الساحة الجنوبية من قبل جحافل قوى الهيمنة والبغي والاستكبار بل جهل بمفهوم وهدف الوحدة العربية نفسها وعدم إدراك لعواقب استمرار الوضع الحالي القائم بين البلدين ، ثم أن الحديث عن نظام سابق ونظام حالي مغالاة وجفاء للحقيقة وكل من يتمترس خلف هذا المنطق أكان يمنياً أو غيره لا يخدم قط مصلحة البلدين ولا يسعى البتة إلى تهيئة ظروف حقيقية ومناسبة لإقامة وحدة عربية ، وحدة تؤلّف وتوحّد القلوب قبل الأرض بل يسير في اتجاه توسيع الهوة والخلافات وإشعال نار الفتنة بين الجنوبيين واليمنيين ويقف إلى جانب المجازر الدموية التي يرتكبها النظام الحالي ( الحمل الوديع ) في الجنوب ، إن المتتبع لمجريات الأحداث في الجنوب منذ احتلاله في عام 1994م ويعيش بعقله في نطاق الجغرافيا العربية يدرك تماماً أن النظام في العربية اليمنية لم ولن يتغير ومقاليد اللعبة كلها في السابق والحاضر بيد العصابة الباغية في صنعاء ، وبالرغم من التكالب الإعلامي العربي المقصود والمشوّه لقضية شعب الجنوب وثورته السلمية إلاّ إن الباحث عن الحقيقة والمخلص لوحدة الأمة العربية وكل من يعي حقيقة الوضع القائم بين الجنوب والعربية اليمنية يدرك استحالة العيش بين الشعبين تحت أي سقف فالجنوبيون قلوبهم مكسورة ولم تعد قابلة لأي تجربة فتجاربنا مع اليمنيين كلها مريرة والجرح نازفٌ والنوايا خبيثة والدلائل على الأرض تؤكد ذلك يوم بعد يومٍ وأنتم تتجاهلون مآسينا وتغردون بقوميتكم خارج سرب حقيقة الواقع الجنوبي فكفانا تجارب والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين . موقع قناة عدن لايف