جاء انشاء جامعة حضرموت للعلوم والتكنولوجيا ( حاليا جامعة حضرموت)، في ظروف تاريخية معقدة و ثمار لعبة السياسة اليمنية. و بغض النظر عن الظروف التي احاطت بانشاء الجامعة، الا ان تاسيسها حقق احد الاحلام الكبيرة لشعب حضرموت. حيث ادت الجامعة الى تقليص شتات الطلاب الحضارم غربا لجامعة عدن و شمالا لجامعة صنعاء و غيرها من المؤسسات التعليمية داخليا و خارجيا. علاوة على ذلك جاء انشاء الجامعة كحاضنة تمكين لكوادر و خبرات ابناء المحافظة، التي يعول عليها بناء قدرات حضرموت و قيادة مسيرة التنمية بها.. و كاي مؤسسة اكاديمية، وضع للجامعة اهداف يمكن ايجازها بثلاث اهداف اساسية، تخريج كوادر مؤهلة قادرة على خدمة و تقدم المجتمع المحلي اولا عن طريق التدريس و التدريب كاحد الوظائف الاساسية للجامعة. ثانيا، تسهيل و خدمة البحث العلمي لاضافة الجديد للعلم والمعرفة و البشرية بكافة التخصصات التي تقدمها الجامعة. ثالثا، أتت الجامعة لتقديم خدمات مباشرة و غير مباشرة للمجتمع المحلي و الوطني عن طريق تقديم و قيادة المبادرات المختلفة لتنمية المجتمع و تغير حياة الناس للافضل. نجحت الجامعة بطريقة او باخرى بتوفير شي معقول من البرامج الدراسية للطلاب و سد ثغرة حاجة الطالب للشهادات. لكن لم تبرح الاهداف الكلية للجامعة كصرح و معقل تنوير و ارشاد و تمكين لحضرموت و اهلها، حبر الاجندات و الخطط و اخيرا الاستراتيجيات و ورش العمل.. بل ذهبت الجامعة بعيدا عن تلك الاهداف الاساسية، لتنغمس في الظرف الزماني السائد بالجمهورية اليمنية و امعانا في تشوية الرسالة و الهدف صاحب ذلك صراعات ارتكنت للامراض الاخلاقية للمجتمع، لتختزل الصورة في عوز فكري و اخلاقي رهيب. قد يتفهم المهتم لواقع الجامعة بعض الاخفاقات المرتبطة بالواقع السياسي السائد، الذي لا يمكن فصل كثير من قضايا جامعة حضرموت عن سياقه. لكن ان يكون هذا الواقع مرتبط بقيادات الجامعة من ابناء المحافظة المنتسبين للجامعة بحكم الوظيفة او الشهادة، فهذا باعث على الاستغراب و مثير للامتعاض. و بدلا عن تشخيص و تحديد المسببات الحقيقية لواقع و حال الجامعة، راح نفر من الذين وصلوا اعلى السلم القيادي للجامعة لظروف يعرفها الجميع، راح ذلك النفر ليكرس ابتعاد الجامعة عن ملامسة الهموم و الحقوق و الحاجة لتمكين ابناء حضرموت، لتصبح الجامعة وكامل مؤسساتها مرتهنة لحفنة من المزايدين و الحزبيين و شذّاذ الافاق و اصحاب المصالح الضيقة الذين لم يقدموا لحضرموت و جامعتها اي شي على مدار تاريخيهم الوظيفي ، بل اصبحوا اليوم يقدموا الاذى لبعض اخوانهم الحضارم. و لا ادري كيف سيكون حال الجامعة مع هؤلاء بالتقسيمات الجديدة للدولة اليمنية، شخصيا غير متفائل مع هكذا تفكير و ممارسات، و السؤال هل ستكبر عقول و ممارسات هؤلاء لتستوعب كامل الاقليم ام ان الطبع سيغلب التطبع. مرت على الجامعة ثلاث رئاسات و الرابعة الحالية. كل واحدة لها خصائص تختلف تماما عن الاخرى الا ان ما يهمنا هنا، هو مدى اقترابها او ابتعادها عن المحافظة و ابنائها و مدى التراكم الايجابي الذي احدثته للطالب و الاداري و عضو هيئة التدريس.. فنحن مع مقولة ان الانسان هو الاهم و كل تنمية و تطوير يدور حول هذا لا غير.. و هنا دعونا نميز بين تلك الرئاسات بشكل سريع دون الدخول بالتفاصيل... فمثلا تعتبر رئاسة الدكتور علي هود باعباد رحمة الله واسكنه الجنة، احد الفترات الذهبية للجامعة و بغض النظر عن المشاكل و الصراعات و شي من الدكتاتورية المصاحبة، فقد تميزت تلك المرحلة بالتأسيس و البناء و ايضا المراكمة لاصول الجامعة و توسيع كادرها الاداري و التدريسي، و بناء علاقات و شراكات خدمت الجامعة كثيرا في حينها.. كل ذلك ساعد بطريقة او باخرى الانسان الحضرمي كموظف او طالب بالجامعة. لم ياتي كل ذلك من فراغ و لكن لاسلوب و نمط قيادي حازم استوعب الواقع تماما و تحرك من خلاله لصالح الجامعة. اما المرحلة التالية للدكتور احمد بامشموس، فقد اعتمدت كثيرا على ما قبلها، و يمكن القول بانها مرحلة ما بعد التاسيس، كان يُنتظر منها الكثير، لكن ما حصل انها لم تقدم الكثير للجامعة غير الادارة الانية و اللحظية للجامعة دون التطرق لتطوير العمل المؤسسي او الاكاديمي، و يحسب للدكتور بامشموس القيادة مع تفويض بعض الصلاحيات للعمادات خاصة المتعلقة بالتعيينات لاعضاء الهيئة التدريسية. علاوة على ذلك يحسب لتلك المرحلة تراكم الحساب الخاص. و بالمجمل، لم تُسخّر امكانيات الجامعة خاصة المالية منها في تطوير الجامعة او منتسبيها. اتسمت مرحلة الدكتور بامشموس، بتجدد المشاكل و الصراعات بنمط مختلف عن ما قبلها، حيث دخل عامل المصلحة المالية و ثقافة الفيد الى معادلة الصراعات بالجامعة. اما الرحلة الثالثة، فبدأت باستلام الدكتور عبدالرحمن بامطرف مقاليد جامعة حضرموت، و جاءت بعد مرحلة تبلورت فيها الصراعات و اخذت طابع مختلف.. اتسمت هذة المرحلة بالقيادة الرخوة للجامعة حيث اعتمد فيها الدكتور بامطرف على تفويض بعض قيادات الصف الاول خاصة نواب رئيس الجامعة لادارة شؤون الجامعة بدلا عنه.. لم يقدم بامطرف الكثير للجامعة، و تُركت الجامعة تدار من قبل النواب بطريقة بعيدة عن العمل الاحترافي للادارة.. ادى هذا الوضع الى استفحال الصراعات و المشاكل خاصة مع تغول نزعة الانا و الفيد، فالكل بحث عن ذاته داخل هذا الكيان المسمى جامعة حضرموت، و تكاثرت المشاكل بشكل فيروسي عجيب، تُوج باحداث ما اصطلح عليه الربيع اليمني، لتخرج تقيحات هذا الواقع المتأزم للعلن، معلنه بداية صراعات و مشاكل من نوع اخر.. و المتتبع الفاحص يعرف بان جوهر تلك المشاكل و الصراعات لم يكن لتصويب الوضع المزري للجامعة الذي يعيقها عن تأدية رسالتها و وظائفها على اكمل وجه، بل كانت كل تلك الصراعات، اما حزبية او مصلحية او مطلبية مصلحية.. قد يتفهم الشخص العادي المطالب العادلة كزيادة الرواتب و لكن ما لا يمكن ان يفهمه العاقل و الانسان العادي، هو تغول ثقافة الفيد داخل كيان الجامعة، لتلتهم الاصول العينية و الغير عينية للجامعة بمبررات واهية . فمثلا يتم اليوم تقاسم اراضي الجامعة لتوزع على الاكاديميين و الاداريين، استنزاف الحساب الخاص من خلال الصرف على بنود غير ضرورية او مستحقة قانونا على الموازنة، مع العلم بان هنالك حلول اخرى تحقق مصلحة الجامعة و منتسبيها دون الاضرار بممتلكات الجامعة.. و اخيرا اتت المرحلة الحالية لرئاسة الجامعة، و التي تعتبر امتداد لمرحلة الدكتور بامطرف، و لكن بصورة اكثر تشوها من النسخة المطرفية ( اذا صح التعبير). فالقيادات هي القيادات السابقة و لكن مع بعض التحسينات و اللاعبين الجدد بحسب ما تقتضيه المرحلة و الظروف.. و تتميز هذة المرحلة بالقيادة الهزيلة و المهادنة و المنحنية امام كل المشاكل و الصراعات و الابتزاز، ليس لمصحلة الجامعة او لعيون منتسبيها و لكن لتحصين تلك القيادات و بقائها اطول فترة ممكنة. اخذت المشاكل و الصراعات بالجامعة الطابع الحزبي و الثوري و لعن الماضي و الحاضر دون فهم و تقدير لوظائف و دور الجامعة و للواقع الحالي للبلد و الناس. تعتبر المرحلة الحالية للجامعة اسوأ مراحل الجامعة لاتساع دائرة الاستهداف و الاقصاء و الصراع لتاخذ ابعادا حزبية و مناطقية، و بادوات مختلفة ( النقابات و الانتخابات الحزبية و الفهم المتعسف للقانون و التطبيق الاستثنائي للقانون = يحدث فقط بحضرموت...الخ) .. فمثلا تم فصل بعض اعضاء الهيئة التدريسية، و حاليا تُحضر بعض تلك القيادات بالجامعة لاستهداف اعداد اخرى من اعضاء الهيئة التدريسية (قائمة ال 26) المتغيبين لظروف ابتعاث او تفرغ علمي او اداري او تعثر او ظرف قاهر لهؤلاء و الغائب حجتة معه.. ما سيحدث اذا ترك هؤلاء النفر في تنفيذ خططهم هو مذبحة للجامعة و لابناء حضرموت خاصة بهذة الظروف السياسية الحرجة و الضبابية، و بمبرارت ظاهرها تنفيذ القانون و باطنها غير ذلك. ان استمرار الصراعات الثورية الحالمة لصناعة تاريخ لنفسها سيحول هذا الحلم الحضرمي الى ركام يتقاسمه حفنه من الغوغاء و المغرر بهم. و السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل انتهت كل المشاكل المستعجلة و الملحة كاستيعاب الاعداد المتزايدة من ابناء المحافظة بالعملية التعليمية بدلا من ضياع لطاقات هائلة لحضرموت او هل اُستكمل البناء المؤسسي و الاكاديمي للجامعة و تحسين كرامة المدرس المهدرة على عتبات القاعات الدراسية و المكاتب الادارية للجامعة، او هل انتهينا من تحسين العملية التعليمية لصالح الطالب كمخرج نهائي للجامعة، بل هل انتهت مشاكلنا مع وزارة المالية و وزارة التعليم و و و ... لااعتقد، بل هنالك الكثير الكثير من القضايا المستعجلة يمكن التركيز عليها بدلا من الاهتمام بظواهر مرتبطة بالحالة المرتبكة للشان العام للبلد. و سيعتبر من نافلة القول التذكير، بان ما يجري من اجراءات متعلقة بفصل اعضاء الهيئة التدريسية، لا يعدو كونه استثناء للممارسات التي درجت عليها الجامعات اليمنية الاخرى، بل و كل مؤسسات الدولة و وزاراتها، فلم نسمع عن فصل موظفين لا يستلموا رواتب، الا بحضرموت و جامعتها، فلا الاحلال ولا الخفض و الرفع مقبولا بوزارة المالية حاليا الا باستثناءات الواسطة، و كلنا يعرف الوضع العام، و يكفي مزايدات و مكايدات على حساب ابناء حضرموت و مؤسساتها، و لا داعي بالتقرب زلفى للقانون المذبوح على بوابات الوزارات و المؤسسات الحكومية. فالعدل التساوي في الممارسة و لو كانت خطأ بموجب قوانين لا تنفذ، لذلك عليهم الاسترشاد بالممارسات السائدة بالجامعات اليمنية الاخرى و بمؤسسات الدولة المختلفة. على هؤلاء التذكر بانهم لا يقدموا جميلا للجامعة و لا لابناء حضرموت و لا لصالح اي ترتيبات سياسية قادمة لصالح حضرموت، بل سيفتحوا بابا يصعُب عليهم معالجة تبعاته الانية و المستقبلية و اثره الرجعي. ان لاستمرار نهج الاقصاء والاستهداف بجامعة حضرموت و اتساع نطاقها ليصل للفصل و قطع الارزاق.. لن يفهم الا في السياق الاني الذي تمر به الجامعة حيث تسعى بعض المجاميع المناطقية و الحزبية على اعاده تموضعها استعداد لمرحلة قادمة، لجعل الجامعة احد ادوات اللعب السياسي، الذي نتمنى ان تكون الجامعة بعيدة عنه تماما.. و هنا كلمة للخيريين و العقلاء بالجامعة.. انقذوا الجامعة بتقديم النصح لتلك القيادات حتى لا تذهب احد الاحلام الجميلة للحضارم الى مزبلة التاريخ. أتت المقالة لمحاولة ايجاد مقاربة و فهم لواقع جامعة حضرموت و محاولة لتلمس بعض الاخفاقات العامة المرتبطة بقيادة الجامعة دون الدخول في التفاصيل الصغيرة. المقالة محاولة لارجاع الجامعة لممارسة دورها الايجابي لصالح الجميع استشرافا للمستقبل، و للتحذير من استمرار المقامرة بمستقبل الجامعة، علاوة على التحذير من الوقوع في الموبقات الكبرى كاستبعاد ابناء المحافظة او فصلهم، مع احترامنا الكامل لتلك الشخصيات السابقة و الحالية و تقديرا لدورهم بالجامعة و لو كان ضئيلا.. و كلمة اخيرة للتاريخ و للعقلاء .. ان كثير من الظواهر و المشاكل التي تعاني منها جامعة حضرموت مرتبطة بالواقع العام للبلد و الظروف المحيطة بواقع الشعب و الناس، و حلها يتطلب حلا عاما يشمل جميع الدولة و مؤسساتها. لذلك اي محاولة لاصلاح هذا الواقع لا يجب ان يكون على حساب موجودات الجامعة او بتعسف منتسبي الجامعة بغض النظر عن مواقفهم و مواقعهم و درجاتهم، او بسادية يمارسها بعض المرضى ضدهم، او بتعليق الاخطاء كلها على القيادات السابقة للجامعة، او بتحويل الجامعة فرعا لحزب او جماعة او حانوت لمن يشتري. بل يجب ان يبداء اصلاح اوضاعها، بتغير نمط التفكير حول اهداف و وظائف الجامعة في ظل فهم دقيق وعميق للسياق العام و الظرف المكاني و الزماني للجامعة مع استيعاب و تقدير كامل لكل فرد ينتسب للجامعة ودوره في تطوير الجامعة بغض النظر عن كونه اداري او عضو هئية تدريس، في اطار عمل الفريق الواحد و في ظل المتاح من الامكانيات و القدرات، و التعاطي الايجابي مع الاشكالات. و غير ذلك، يعني ان يلعن الحضارم بعضهم بعضا و يثخنوا بعضهم و يضيعوا الكثير من فرص التطوير و التمكين لصالح الارض و الانسان بحضرموت، و غير ذلك فالايام حبلى بالكثير من الفشل و الارتهان و المشاكل على كل المستويات. حضرموت برس