د. قيصر حامد مطاوع منذ ولادتها ووالدها كان يتمنى أن تكون مولوداً ذكراً، وليس أنثى، عندما علم بأنها أنثى تغير لون وجهة، وأصابه الاكتئاب. كان دائماً يتعامل معها على أنها درجة ثانية ويعامل أخاها الذكرالأصغر منها أفضل منها، فهي عورة وابتلاه الله بها !! ،كانت متفوقة في جميع المراحل الدراسية، عكس أخيها، ولم يكن ذلك النجاح يعني شيئاً لوالدها، فهي أنثى وليتها كانت ذكراً. ابتعثت إلى إحدى الدول الغربية لتفوقها، وحصلت على الماجستير ثم الدكتوراة مع مرتبة الشرف الأولى، حتى أن جامعتها في الغرب طلبت منها البقاء لحاجتها الماسة إليها، ولكنها رفضت وفضلت العودة للوطن. وعند عودتها، لم تتغير نظرة والدها حيالها،رغم حصولها على أعلى الدرجات العلمية في تخصص قد يكون صعباً على الرجال أن يحصلوا عليه، فهي مازالت في نظره عورة تمشي على قدمين. فهو يحس بالحرج عندما يخرج معها، فلا تمشي بجانبه ويجب أن تمشي خلفه ذليلة، ليلتفت في كل لحظة يميناً وشمالاً وكأنه لا يرغب بأن يراه أحد معها. جميع تحركاتها محسوبة عليها من والدها وأخيها، وكأنها في سجن محصن. إذا لم يكن والدها موجوداً في المنزل، فيجب عليها أن تستأذن أخاها، الذي تعود على أن لا يحترمها، وإن كانت أخته الكبيرة، لأنه يستطيع أن يفعل معها وبها ما يشاء. فهو يستطيع أن يمنعها من الخروج ومن الدخول وأن يتنصت على مكالمتها الهاتفية ويضربها إن لزم الأمر، فهو يمارس ذكوريته ويتدرب في أخته عليها، بمباركة والده، ليكون جاهزاً للانطلاق للمجتمع الذكوري. طلبت من والدها أن تعمل في الجامعة، لكنه لم يوافق، وأجاب باستهزاء بأن المطبخ أولى بها. ولكن بعد أن وعدته بأنها ستعطيه نصف راتبها، وافق بدون تردد. وبعد أن بدأت عملها أصبح يستولي على كامل راتبها، لتظل تعمل وكأنها بدون مقابل. لم يكن والدها وأخوها يستشيرانها في أي شيء، وإن شاركت في الرأي يضحكان عليها، حتى لو كانت تتكلم في تخصصها العلمي، ليقول لها أخوها «صحيح أنكم ناقصات عقل، ما هذا الرأي السخيف».وبعد مدة من عملها وأخذ والدها لراتبها، تقدم لها رجل كبير في السن في عمر والدها، لا يتجاوز تعليمه المرحلة الابتدائية، ولكنه ثري وعرض على والدها مهراً كبيراً، والذي لم يتردد بالموافقة رغم رفض ابنته، لتتزوج شخصاً لا تريده وتشعر بأنها بيعت كما تباع الجواري. لم تكن سعيدة مع زوجها، الذي كان يعاملها أسوأ معاملة وأول شيء فعله هو منعها من العمل، لأن مكانها البيت، كما كان يزعم. كان دائماً يضربها ويهينها، وإذا ذهبت لبيت أهلها وطلبت من والدها أن يطلقها، كان يعيدها للرجل الكهل مرة أخرى، لأن مكانها بيت زوجها مهما أساء معاملتها.حاولت أن ترفع قضية طلاق، لعل المحكمة تطلقها، ولكن والدها وأخوتها طلبوا منها بالقوة أن تتنازل عن الدعوى حتى لا تفضحهم، كما أنها وجدت بأن حبال القضاء طويلة، فتنازلت عن الدعوى، وعادت لبيت زوجها ذليلة. جلست تفكر في وضعها وفي هذه الأسوار التي تحيط بها وبالنساء في هذا المجتمع الذكوري، الذي يتعامل البعض فيه مع المرأة من منطلق العادات والتقاليد، وليس بمنطلق الشريعة الإسلامية التي كرمت المرأة. مجتمع ينظر بعض أفراده إليها على أنها دوماً درجة ثانية، وهي عورة وناقصة عقل وإن حصلت على أعلى الدرجات العلمية ووصلت لأعلى المناصب القيادية. أثناء تفكيرها العميق،تذكرت بأن اليوم هو 8 مارس، وهو اليوم العالمي للمرأة، ابتسمت ابتسامة ساخرة على حالها، وتنهدت بعدها على النظرة للمرأة في هذا المجتمع. [email protected] صحيفة المدينة