الحديث عن أزمة اللغة العربية لا ينقطع منذ سنوات عدة، ويلاحظ أن المؤتمرات والندوات ومعظم الكتابات التي تناولت هذه القضية تنظر إليها في بعدها التداولي، بمعنى أنها تشخص الأزمة بوصفها ناجمة عن تراجع الفصحى في غالبية وسائل الإعلام، المرئي منها على وجه الخصوص، وأستخدامنا للعامية في حواراتنا اليومية، بل وفي المدارس والجامعات في المناهج الأخرى بخلاف مادتي اللغة العربية والتربية الدينية، وهي الصورة الذهنية الرائجة عن التعليم "المتدهور" الآن، وهي فرضية تحتاج إلى أختبار، فهناك من يدرس هاتين المادتين بالعامية، فضلاً عن تعاملاتنا بلغات أجنبية في الكثير من المؤسسات العامة، بل وانتشار هذه اللغات في الشوارع وفي إشارات المرور ولافتات المحلات . .إلخ . وفي مستوى آخر لهذه القضية تكثر النقاشات حول علاقة الإبداع باللغة، لمحنا أطراف هذا الجدل في المماحكات بين الشعر الفصيح والعامي، بل وداخل الشعر الفصيح نفسه من اتهامات للبعض بضعف امتلاكهم لناصية أوزان الشعر وبحوره في اعقاب توجههم إلى قصيدة النثر أو كتابة القصة والرواية، واتجه الجدل إلى لغة الحوار في الأشكال السردية المختلفة، وفي مستوى ثالث طرحت مسألة تعريب العلوم، وفي رابع نظر بعضهم للترجمة من العربية وإليها، وفي مستويات أخرى سنجد من يتحدث عن لغة الإنترنت ولغة الشباب، ففي الاثنتين مزيج لغوي من العربية والعامية واللغات الأخرى المكتوبة بحروفها الأصلية أو بالحروف العربية . إذا نظرنا في المستويات السابقة وغيرها مما هو مفكر فيه بالنسبة لقضايا اللغة العربية لأدركنا أنه يتماس مع إشكاليات ثقافتنا كافة، ويصمت أيضاً عن اللامفكر فيه بالنسبة لهذه الثقافة . لقد كتب الكثير عن تدهور تعليم العربية . مؤخراً وصف عبد اللطيف الزبيدي المناهج المدرسية بعدوة اللغة العربية لأنها تركز على النحو والصرف ولا تحبب الطلبة في جمال العربية وسحرها، لقد درسنا العربية من خلال الحفظ والتلقين ولا تختلف طرائق تدريسها عن المواد الأخرى، بل يقال للطلبة أن الفصحى صعبة ومنفصلة عن الحياة، لا نسمعها في الشارع ولا في المنزل ولا في السينما أو التلفزيون، وإن سمعناها فمن قبيل الفكاهة في الكثير من الأحيان، بخلاف الإنجليزية مثلاً، ومع حالة القراءة المزرية أصبحت العربية بالنسبة للطلاب من العلوم المضنون بها على غيرالمتخصصين فيها، مادة لا حاجة إليها في سوق العمل، يهتم بها الطالب الذي يجد في نفسه ميولاً إبداعية، ومن خلال جهوده الذاتية . وفي مراحل التعليم العليا سنجد أن معظم أساتذة جامعاتنا لا يجيدون استخدام الفصحى وهي المسألة التي أشارت إليها وثيقة بيروت الصادرة في مارس/ آذار الماضي عن المجلس الدولي للغة العربية، بل يمكن القول أن هولاء لا يستطيعون قراءة قصيدة عمودية أو نصاً أدبياً تراثياً . نحن نعيش في مرحلة ثقافية تتسم بالسيولة وغياب الأهداف والأولويات، فلا يمكن مناقشة مسألة اللغة العربية بعيداً عن التعليم، او الهوية بتشابكاتها المختلفة في زمن العولمة المضطرب والمختلط، لا يمكن الصراخ بأن العربية في خطر وهناك حالة من التلوث السمعي في وسائل الإعلام والغناء، والبصري في الشارع وفي الفضاء الإليكتروني، تلوث يشمل المسموع والمبصور . والخطر لا يتربص بالفصحى وحسب، بل بالعامية كذلك، فهناك لغة يتحدثها الشباب عصية على التحليل اللساني والإجتماعي كما يذهب نادرسراج في كتاب "الشباب ولغة العصر"، وإذا تذكرنا أن اجمل قصائد العامية أو النصوص الحوارية المكتوبة بها أنتجت منذ عقود عدة لأدركنا أن حالة السيولة التي أشرنا إليها سابقاً لا تقتصر على ثقافة النخبة وأنما تمتد إلى الثقافة بمفهومها العام الفضفاض . إننا نستمع في السينما والغناء إلى لغة عامية يغيب عنها كثيراً منطق المعنى وتفتقد إلى أي جماليات كان البعض يبحث عنها في العامية خلال مرحلة ما، فالمنطوق لا يوافق المعقول ولا يحمل أي قيمة حضارية أو أخلاقية، هنا التلوث يصل إلى المعقول أيضاً، والخطر يشمل اللغة بأكملها الفصحى/ العامية، أو المكتوب/ المقروء والمنطوق/ المسموع . حالة السيولة تلك تشمل أيضاً السؤال المركزي في المسألة اللغوية، فمتابع الجدل في هذه المسألة لا يمكن أن يحدد على وجه الدقة هل هذا السؤال يشير إلى البحث عن السبل المثلى للنهوض باللغة العربية، أم يتعلق بإيجاد طرائق لتجديدها؟ وشتان بين الرؤيتين برغم التداخل الواضح بينهما لدى المهمومين بهذه القضية، فمفهوم النهوض لدى هولاء، وبدرجة ما التجديد، يعنى العودة إلى مراحل سابقة كانت اللغة الفصحى مزدهرة في التعليم والإعلام والمنتج الثقافي، الأمرالذي أنعكس تلقائياً بالإيجاب على العامية، وهو ما أرتبط تاريخياً أيضا بالتجديد في شتى الحقول الثقافية مع آباء النهضة العربية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين . إن التفكير في التجديد اللغوي راهناً يجب أن يضع على عاتقه بحث ما كان يحلم به المنورون العرب منذ أكثر من قرن ولم ينجز حتى الآن، ودراسة تحديات العصر ومستجداته، أي استنطاق المسكوت عنه في المسألة اللغوية، فهل استوعبت العربية مصطلحات العلوم التطبيقية والنظرية كافة؟ وأين هي المعاجم التي تتبع تاريخية اللفظة باشتقاقاتها وأستخداماتها المختلفة؟ واين هي دراسات علم أجتماع اللغة؟ وماذا عن علاقة اللغة بالإناسة؟ وكيف نؤسس لألسنيات عربية معاصرة؟ وغيرها الكثير من الأسئلة التي تتجاوز لحظة النهضة العربية الحديثة التي حاولت تخليص العربية مما علق بها خلال عصور الاضمحلال والأرتقاء بها لتكون لغة ثقافة تعبرعن استقلال وطني، هي أسئلة مطروحة على الثقافة بالدرجة الأولى وتعاني من أعباء الفكر الجدلي الدائري من قبيل كيف تستوعب العربية المصطلحات العلمية ونحن لا ننتج العلم؟ وكيف نعرب المفاهيم الفلسفية ونحن لا نمارس فعل التفلسف؟ وتخضع لسكونية زمنية باتت تميزنا، فهل يعقل أننا لا زلنا نقدم إجابات عن سؤال هل اللغة توقيف أم أصطلاح؟ . إن المطروح على الساحة العربية الآن بالنسبة للمسألة اللغوية يسعى إلى الارتقاء بتعليم العربية وأنتشارها في الإعلام ويحلم باستخدامها في التخاطب اليومي، وهي مساع وأحلام لا تكفي للنهوض بالعربية ينقصها ضرورة التأمل في علاقة اللغة بالعلم وحقول الفكر المختلفة، فضلاً عن الفكر اللغوي، وأعلامه في الغرب في تزايد مستمر منذ السويسري فردينان دو سوسير، مؤسس الألسنيات الحديثة، وحتى الآن . هذا المطروح يسكت أيضا عن معيارية جمالية نحتكم إليها عند قراءتنا لمختلف أشكال المنتج الثقافي الراهن من شعر وقصة ورواية، وهنا يمكننا سؤال الناقد أو المتابع ماهو آخر كتاب قرأته وتميز بنفس جمالي لغوي واضح؟ أما لماذا اهدرنا اللغة والجمال أو الاثنين معا في قراءاتنا الأدبية فموضوع يحتاج إلى حديث آخر . هذا المطروح يعجز أخيرا وبوضوح عن اكتشاف آليات لإحياء تراث العربية الأدبي عبر استلهامه أو من خلال إعادة نشره مبسطاً أو منقحاً أو مصحوباً بدراسات شارحة لبعض غموضه ومحللة لمناخاته الاجتماعية والتاريخية . أننا ونحن نحتفل باليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر/ كانون أول من كل عام لابد أن نبحث عن آفاق أخرى نفكر من خلالها في راهن العربية ومستقبلها، ليس بوصفها لغة للكتابة والقراءة والتخاطب وحسب، ولكنها أيضاً وسيلة للتفكيرندرك من خلالها منطق الأشياء من حولنا وأداة للشعور بالجمال من خلال الارتقاء بالمسموع والمبصور معاً.