جهاد هديب (دبي) - ما زال الفنان المسرحي الشامل الكويتي الراحل صقر الرشود (1941 1978)، يحظى بمكانة رمزية ميّزت صنيعه الابداعي طيلة تجربته الفنية التي انطلقت عام 1958 مع مسرحية "تقاليد" حتى الخامس والعشرين من ديسمبر من العام 1978 في الشارقة إثر حادث سير مؤسف. وإجمالا، تتحدد أهميته الفنية، وهو الذي مرّ على رحيله مؤخرا أربعة وثلاثين عاما، بانتقاله بالتجربة المسرحية في الكويت، ومن ثم على مستوى الامارات والخليج العربي، من الارتجال إلى مرحلة أكثر تطورا تتمثل بالتأسيس لمعنى حديث للمسرح يقوم على رؤية فنية في الإخراج والتمثيل وصناعة اللعبة المسرحية بكل عناصرها. وهذا ما يؤكده الممثل والمخرج المسرحي الدكتور حبيب غلوم، مدير الأنشطة الثقافية في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، في لقاء مع "الاتحاد" أن أهمية صقر الرشود تكمن "في أنه كان متفانيا في عمله ومخلصا ومحبا له، إلى حدّ أنه عندما استدعته وزارة الإعلام في دولة الامارات عام 1978 ترك كل مجده في الكويت بما في ذلك فرقة "مسرح الخليج العربي" بهدف التأسيس لمسرح يبدأ هنا من الصفر، إذ لنتخيل أن المطلوب منه كان الانتقال من مكان لآخر ومن إمارة إلى أخرى في الدولة وهذا ما نزال نقدّره للرجل في الحركة المسرحية الاماراتية ونحفظه له، فقد كان واحدا من الذين أعادوا بناء العمل المسرحي على أسس منهجية". وأضاف "لقد جاء وزكي طليمات، المخرج والكاتب المسرحي المصري، ووضعا مخططا مكتملا تضمن استقدام عدد من المخرجين المسرحيين الذين كانوا لامعين آنذاك على مستوى الحركة المسرحية العربية من البحرين والعراق وتونس ومصر؛ أسماء كثيرة أقامت في الدولة بفضل هذه اللجنة التأسيسية الأولى. فقد كانا معا منشطَيْن للحركة المسرحية الاماراتية". وقال أيضا "من الصحيح أن زكي طليمات غادر سريعا، لكن القدر أيضا لم يمهل صقر الرشود لاستكمال مشروعه الفني سواء في الامارات أو في الكويت، لكن ذكره ما زال حاضرا ولاسمه رنّة وحضور، فهو حاضر ولامع وكان مخرجا مسرحيا باهرا في زمنه، والناس لا زالوا يتذكرونه خاصة الفنانين الكبار في الكويتوالامارات، أولئك الذين عملوا معه في الكويت في فرقة "مسرح الخليج العربي" التي كان واحدا من مؤسسيها مطلع الستينيات من القرن الماضي". ويؤكد الدكتور حبيب غلوم أن للراحل الكبير فضلا على تطور الحركة المسرحية في الامارات وعلى المستوى الفني الذي وصلت إليه الآن "وكأنه عبر استقدام العديد من الأسماء العربية البارزة كان يعوّض رحيله الذي أضمره له القدر، فوضع منهجا حقيقيا لبناء الحركة المسرحية من جديد، الأمر الذي لم يكن معهودا من قبل بالنسبة للمسرح في الامارات" مشيرا إلى أنه هنا تكمن القيمة الحقيقية للراحل. ويضيف "هناك مَنْ لا زال يمشي على خطاه ويقتدي به حتى الآن سواء هنا في الامارات أم في الكويت، لأنه كان يعمل منذ الستينيات بحرفية عالية وأسس لرؤية منهجية فنية في المسرح وعلاقته بالتطورات الاجتماعية خاصة به، مضيفا لمسة مميزة تحمل اسمه على مستوى المسرح في الكويت والخليج والمنطقة العربية إجمالا". بعد رحيله أصدرت إدارة فرقة "مسرح الخليج العربي" بيانا نعت فيه الرحيل المباغت لصقر الرشود جاء في مطلعه: "ما الذي تقواه الإدارة أي إدارة لأي مشروع أو مؤسسة أو جمعية عندما تفقد أعظم مشاريعها أو أثمن ثرواتها.. لقد فقدنا فيه المعلم والمنظّر والفنان ورجل المسرح الصادق مع نفسه ومع الآخرين. كان اسمه يسبق الجميع بل إننا نُعرف نسبة إليه، الكل يعرفنا من خلاله، وكان المسرح يسمى "جماعة صقر الرشود" وكنا نفخر، كان يقول إن الجميع أدوا واجبهم ويحترم أصغر الزملاء ويقيم لهم وزناً". كما رثاه الكثير من الفنانين الكبار في الاماراتوالكويت والخليج العربي ومن العالم العربي الذين عرفوا أهمية تجربته. وأثناء تواجده في الامارات قدم العديد من الأعمال المسرحية من بينها: "شمس النهار" في إمارة ابوظبي وأخرجها بناء على دعوة من عبدالرحمن الصالح، وكانت المسرحية الأولى التي تبث على الهواء مباشرة على شاشة تلفزيون أبوظبي، كما قدمها مع مسرح الشارقة الوطني أثناء تواجده في الشارقة، وكذلك مسرحية "السندباد" التي قدمتها فرقة مسرح الامارات القومي، مثلما قدمت له أيضا "الأول تحول". ومن بين أعماله التي اشتهر بها على نطاق عربي واسع مسرحية "حفلة على الخازوق" التي أعاد إخراجها أكثر من مرة و"علي جناح التبريزي وتابعه" التي حازت جائزة أفضل عرض مسرحي في "مهرجان دمشق المسرحي الخامس" عام 1975 مثلما كان قد حاز هو جائزة أفضل مخرج مسرحي في دورة سابقة من المهرجان نفسه.