هل القضاء مستقل فعلا؟ وهل وضعت القوانين لخدمة العدالة أم لخدمة الحكام والنافذين؟ لا غرو أن القضاء في بلادنا يرزح تحت وطأة الكثير من الاختلالات المشينة ذات العواقب المجتمعية الكارثية. ومع إدراكنا أن معظم تلك الاختلالات سبق وأن كانت – وما زالت - حديثا عاما في الداخل والخارج، وشنعها وعارضها وطالب بضرورة التوقف أمامها وإصلاحها، الكثير من المصلحين والمنتقدين..إلا أننا نرى أن ذلك كله لا يمنعنا من أن نتوقف هنا أمام جزئية مهمة في إطار تلك الاختلالات، نعتقد أنه لم يتم التعرض لها، أو ربما بالأحرى القول إنها لم تأخذ حقها من التركيز والأهمية برغم أهميتها ونتائجها الكارثية على المجتمع.. وسنتوقف هنا أمام خصخصة القانون اليمني لمهنة التوثيق الرسمي، من خلال إتاحة المجال لاعتماد أمناء رسميين لدى المحاكم اليمنية. لماذا تم خصخصة مهنة التوثيق؟ ولماذا تخلت المحاكم عن تحرير المحررات وأوكلتها لأمناء التوثيق؟ وهل هناك تجاوزات يقع فيها هؤلاء الأمناء؟ وما هي تلك التجاوزات وعواقبها المأساوية؟ وسنحاول في هذه المادة الإجابة على هذه الأسئلة بقدر من الحياد والموضوعية، مستمدين ذلك من واقع الحال، والقانون اليمني وتصريحات القانونيين والمعنيين والمهتمين.
أهمية العدالة وكوارث الظلم العدل كلمة ضدها الظلم وحين تسود الأخيرة ويصبح العدل ظلما في أي مجتمع تعم الفوضى جميع مناحي الحياة وما يشهده وطننا اليمني من أزمات وحراك وثورات سمها ما تشاء، إنما كان معظمها – كما يدرك الكثيرون - نتيجة طبيعية للظلم. فالساحات تعج بالشباب النوعي من حملة الشهادات العلمية المطالبين بمجتمع تسوده العدالة الاجتماعية والمحبة والوئام. مجتمع مدني تحكمه قوانين وأنظمة عادلة يتساوى فيه جميع المواطنين في الواجبات والحقوق. وما نتألم له أن ميزان العدالة في اليمن مكسور وخارج الجاهزية ، بل لازلنا نقيس أوزاننا بالأحجار ونتعامل مع الوقت من خلال ظل الشمس وصرخة الديك رغم التطور التكنولوجي الذي جعل العالم قرية صغيرة ونحن آخر من يعلم لأننا نتجاهل معيار (الكم والنوع )، فالتشريعات في اليمن تشوبها عدد من العيوب وهنالك عدد من القوانين لم تبن على دراسات علمية دقيقة وكثير منها لا يتم تقييمها وتمحيصها والبعض الآخر حبكت لخدمة فئة مجتمعية معينة.
خصخصة مهنة التوثيق قانونيا إننا لا نسمع سوى شعارات مثالية على شاكلة (استقلالية القضاء)، وأن (القضاء خط أحمر، ولا سلطة فوق سلطته)، فهل هذه حقيقة أم وهم يصنعه المفسدون الذين يتناسون حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام (قاض في الجنة وقاضيان في النار)؟. وكي لا نطيل، فحديثنا هنا سيخصص حول (قانون التوثيق ) رقم (29) لسنة 1992م بشان نظام قبول الأمناء، والذي تم بموجبه خصخصة مهنة التوثيق، من خلال التركيز على بعض الآثار السلبية والخطيرة التي نجمت عن هذه مثل الخصصة. حيث وأن أقلام التوثيق في المحاكم لم تتحول إلى عبء ثقيل على القضاء فحسب، بل وغالبا أجحفت بحق المواطن الذي يتم استغلاله، لاسيما بعد أن أوكلت مهام أقلام التوثيق بالمحاكم إلى من يسمون بالأمناء أي (أمين التوثيق). ويعرف القانون "الأمين"، بأنه الشخص المكلف بالقيام بخدمة عامة بموجب هذا القانون واللوائح والقرارات النافذة. بينما يعرف "التوثيق"، بأنه: قيام الموثق أو الأمين بالتصديق على التواقيع أو على بصمة إبهام ذوي العلاقة في الوثيقة المحررة من غيرهم وعلى اعترافهم بمضمونها واثبات تاريخ التوثيق. وأبعد من ذلك، فإنه وبموجب المادة (3) من قانون التوثيق: "تنشأ إدارة عامة بديوان عام الوزارة تسمى الإدارة العامة للتوثيق تتولى الإشراف على أعمال التوثيق في محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية والتفتيش والرقابة عليها وتنظيم وتطوير مهنة الأمناء".
تجاوزات.. مآسي وأضرار اجتماعية وقانونية إن ما تطالعنا به الصحافة من أخبار بخصوص المخالفات والأضرار الناجمة عن تخصيص وظيفة التوثيق لم تتعرض سوى إلى القليل من تلك التجاوزات والأضرار، فيما ما زالت معظمها بعيدة عن دائرة الضوء. وعليه، فقد قامت صحيفة المصدر بأخذ آراء عينة من المواطنين رصدت من خلالها بعض التجاوزات التي يقع فيها أمناء التوثيق، والأضرار التي لحقت بالمواطن جراء هذا العمل، والتي أثقلت كاهله من خلال المتاجرة بحقوقه وتعرضه للابتزاز باسم القانون.. ومع عينة من المواطنين، بعضهم قانونيون وبعضهم معنيين ممن لديهم تجارب بهذا الخصوص، أثارت الصحيفة مجموعة من الأسئلة حول أعمال الأمناء المعتمدين رسميا، وهل يقومون بواجباتهم على أكمل وجه باعتبارهم مكملين ومساعدين للقضاء، وحول تطور مهنتهم في خدمة المجتمع، بحسب أهداف القانون؟ ومن دراسة وفرز الإجابات المتعددة، التي حصلنا عليها، وجدنا أن العامل المشترك في معظمها أنها ركزت على التجاوزات والمشاكل والمآسي الاجتماعية والقانونية التي نجمت عن أخطاء الأمناء، والتي نوجز أهمها – هنا - على النحو التالي:- – أن صلاحيات الأمناء المعتمدين رسميا لدى المحاكم، كانت تقف وراء بعض المآسي الاجتماعية والمشاكل الفاضحة والخطيرة. وعلى سبيل المثال: فضيحة زواج طفلة بعمر (8 سنوات) في محافظة صنعاء، والتي أبرزتها الصحافة والقنوات الفضائية الأجنبية، ولاكتها ألسن العامة والعالم، ودار حولها جدل واسع في مجلس النواب. مع أن هذا الأخير كان من الواضح أنه لم يتحرك بشكل جدي، من حيث لم يناقش مساوئ هذا القانون باعتباره يدخل في عمق المشكلة وأحد مسبباتها الرئيسية، وبالتالي تقييمه وضرورة إعادة النظر فيه، أو حتى إدخال تعديلات جوهرية عليه، كأقل ما يجب عليه القيام به. ويرى البعض أن معظم أعضاء مجلس النواب يفتقدون للكفاءة، وأن وظيفتهم الرئيسية أصبحت المصادقة ورفع الأيدي لإكساب الظلم شريعة على الطريقة اليمنية. - كما أنه، وبحسب بعض آراء العينة، فقد نجمت مشاكل ومآسي اجتماعية خطيرة أخرى كنتيجة مباشرة لخصصة مهنة التوثيق لبعض الأمناء خارج المحاكم. ومنها أن عدداً من الفتيات ممن اختفين فجأة، أو تم اختطافهن – كما يعتقد البعض- في عدد من المحافظات، اكتشف لاحقا أنه قد تم عقد النكاح بهن دون الرجوع إلى أولياء أمورهن عن طريق بعض الأمناء المعتمدين لدى المحاكم. وهو ما حصل – على سبيل المثال - مع فتيات من محافظة حضرموت، آخرهن قضية (بنت المكلا) التي عثر عليها مؤخرا في محافظة إب. - إصدار أحكام صلة قرابة بقصد السفر للخارج سواء للحج أو للعمرة حيث يتم إصدار أحكام بإثبات صلة قرابة لعدد من النساء مع عدد من الأشخاص، مع أنهن لم يكن من المحارم. ومثل هذه العملية قد انتشرت وراجت بكثرة بفعل ممارسات وتجاوزات قام ويقوم بها أمناء التوثيق المعتمدين مع سماسرة كشهود يقومون بتزكية وتعميد وثائقهم، مما يدر عليهم أموالا طائلة. وهذه الظاهرة منتشرة بكثرة في عدد من محاكم محافظة حضرموت وغيرها، وتعد من الخروقات الشرعية الخطيرة التي قد تترتب عليها أحكام تدخل ضمن مفاسد المجتمع. - ومن القضايا القانونية الخطيرة، والتي يترتب عنها صراعات ومشاكل وأحيانا مواجهات وضحايا، قضايا الأراضي والعقارات. من حيث أن القانون يمنح شرعية للأمناء المعتمدين رسميا بتحرير عقود البيع للأراضي والعقارات بين الموطنين. ويزعم بعض المستطلعين أن ذلك يحدث أحيانا بدون التأكد من صحة الوثائق، أو – أحيانا – يتم ذلك بقصد وصفقات ثنائية، ينجم عنها مشاكل السطو على أراض تعود ملكية معظمها للدولة والبعض الآخر ملكية خاصة لأشخاص آخرين
رسوم الوكالة الشرعية وعقود بيع العقارات وإلى جانب ما سبق، ثمة تجاوزات أخرى من شأنها أن تؤدي إلى أضرار ومآسي إضافية. ومنها، على سبيل المثال؛ حينما يضطر العديد من المواطنين إلى اصطحاب أمين التوثيق إلى بيوتهم ليتولى كتابة وكالة شرعية لشخص عاجز أو معاق أو كهل، لا يستطيع الحضور إلى منزل الأمن أو المحكمة، سواء كان ذلك في إطار المدن أو خارجها. وهنا تبدأ عملية الابتزاز ولا مفر من ذلك فيما يسمى بالاختصاص المكاني ( للأمين). فيرغم المواطن مكرها على دفع مخاسير ذلك المحرر بالسعر الذي يحدده أمين التوثيق مزاجيا. وفي سياق متصل، يرغم أصحاب مكاتب العقارات - بحسب شكواهم - على دفع مبالغ خيالية على عقود المبايعات لأمناء التوثيق المخولين بكتابتها مكرهين على ذلك، والتي تصل إلى 2.5% من قيمة العقار. أي إن الأمين أصبح شريكا في ( الدلالة) دون أن يبذل أي مجهود ليشارك أصحاب المهن الأخرى أرزاقهم..!!
المشكلة تنبع من داخل القانون إن ما سبق استعراضه، لم يكن سوى بعض الأمثلة البسيطة، ولكن المهمة، مأخوذة من آراء عينة من القانونيين والمواطنين، على أن ثمة نتائج، مآسٍ، ومشاكل أخرى كثيرة، لا تتسع المساحة لاستعراضها وتفصيلها جميعا.. وفي الواقع، يمكن ملاحظة أن تلك النتائج المأساوية تتخذ من القانون ذريعة رئيسية كونه، ليس فقط، يمنح الأمناء المعتمدين رسميا مثل تلك الصلاحيات، بل أيضا لكونه يتضمن قصورا في المواصفات والشروط المطلوبة لاعتماد مثل هؤلاء الأمناء، إلى جانب عدم حرصه وتشديده (أي القانون) على سلامة الإجراءات القانونية..! فالمادة رقم (6) من قانون التوثيق - البند (9)، الفقرة (د) مثلا، تشترط على الأمين "أن يجيد القراءة والكتابة وحسن الخط". ومع ذلك، فإن المادة نفسها - في نظر بعض القانونيين- قد أغفلت شرطا هاما، وهو الأخطر، ويجب الوقوف أمامه. من حيث أنها (المادة) لم تشترط على الأمين أن يكون متفرغا. وبمعنى آخر: لم تشترط أن لا يعمل لدى أي جهة أخرى. من هنا يمكن، لهؤلاء القانونيين، الاستنتاج أن القانون صدر بحبكة قضائية تشريعية مبنية على باطل؛ لان أغلبية من حصلوا على تراخيص مهنة الأمين هم من موظفي المحاكم أو مقربين منهم. بينما أن البعض الآخر، هم من موظفي القطاع الحكومي؛ المدني والعسكري. والمفسدة هنا تكمن في الإضرار بالوطن لتقاعس موظفي الدولة عن أداء واجباتهم الإدارية لعدم قدرتهم على التوفيق بين عملين أو وظيفتين، بل أصبحوا من ذوي التوظيف المزدوج. وفي الوقت نفسه، فقد حُرم عدد من الخريجين من ذوي الكفاءات من الحصول على تراخيص المهنة.
النتيجة: تشكيك في استقلالية القضاء وعوضا عن ذلك، قد يدخل في النتيجة العامة لمثل تلك الاختلالات الحاصلة، وغيرها..، أن ثمة من بات يشكك، ويرجح مسألة "عدم استقلالية القضاء"..! لماذا؟ الإجابة – بحسب مجموعة قانونين – نوجزها بالنقاط التالية: - لأن جميع المحررات التوثيقية يقوم بها أشخاص يعملون لدى أجهزة الدولة. الأمر الذي من شأنه أن يثير شكوكا لدى البعض في احتمالية ارتباط القضاء ببعض أجهزة الدولة الأمنية، وتداخلها معها، هذا إن لم يكن بالأساس خاضعا لها..! أضف إلى ذلك، أن اختيار معظم الأمناء، غالبا ما يتم وفق توصيات خاصة، وغالبا ما تدخل فيها السياسة والوساطات الحزبية، ترجح فيها مسألة الولاءات الشخصية والحزبية. - أن انعدام الرقابة الفعالة، على أعمال وتصرفات هؤلاء الأمناء، وعدم معاقبتهم على تجاوزاتهم، تتيح المجال للمزيد من التلاعب والتجاوزات، التي غالبا ما تحكمها النزعات الإنسانية الضعيفة، ما يجعل من مسألة الانحياز وعقد الصفقات الظالمة مع النافذين ضد البسطاء أمرا واردا وبشكل قوي. إلا من رحم ربي، من بعض من يمنعهم الوازع الديني من تلك المسالك. - وفي سياق آخر، ولكن متصل باختلالات القضاء؛ أن كتاب عرض الحالات أو ما يسمون ب"وكلاء الشريعة"، الذين يمارسون أعمالهم في إطار المحاكم الابتدائية، لم يصدر بحقهم لائحة خاصة تنظم عملهم من قبل وزارة العدل منذ صدور قانون المحاماة رقم (31) لسنة 1999م بموجب المادة (161) منه. ولقد اقتصر الاختصاص في إصدار التراخيص لهؤلاء بحسب اللائحة القضائية لرؤساء المحاكم الابتدائية. وهو ما يؤكد الاستغلال الكامل للوظيفة العامة ويجعل جانبا من سمعة القضاء ونزاهته ومثاليته المفترضة، أمراً مشكوكا فيه. ويبقى الظلم لا العدل (الذي هو أساس الحكم)، بصمة واضحة، لأن اغلب من يتولون هذه المهام هم من أبناء القضاة أو الأقارب.. الخ إن ما أوردناه يعد غيضا من فيض، وما خفي كان أعظم. وإذا كان هذا هو حال القضاء في اليمن: لا يملك ميزانا إطلاقا.. أفلا يوجب ذلك، عوضا عن قيام ثورة واحدة ضد النظام، أن تقوم ثورات شعبية متسلسلة، ومتواصلة، ضد الظلم والاضطهاد والتخلف والجهل..؟