منذ اندلاع الأزمة اليمنية، ظلّت المملكة العربية السعودية الفاعل الأبرز في حماية الدولة والشرعية اليمنية ومنع انهيارها، ومع تصاعد التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة، عادت الرياض لتؤكد أن دعم الشرعية خيار استراتيجي لحماية اليمن واستقرار المملكة والمنطقة ككل. وخلال الفترة الماضية، عكست المواقف السعودية تحولًا لافتًا من منطق الاحتواء الطويل إلى الحزم المنضبط، واضعةً حدًا لأي تحركات أحادية تهدد وحدة الصف الوطني، أو تحاول فرض وقائع ميدانية خارج إطار مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية المعترف بها.
وأكدت الرياض، بوضوح غير مسبوق، أن معالجة الخلافات داخل المؤسسة الشرعية اليمنية لا يمكن أن تتم عبر العسكرة أو التمويل الموازي، بل عبر الحوار السياسي والمؤسسات الرسمية، في رسالة مباشرة مفادها أن زمن التساهل مع المشاريع الموازية قد انتهى.
وبينما شددت المملكة على عدالة القضية الجنوبية وضرورة إنصافها، ربطت أي مسار للحل بسقف الدولة والشرعية، مؤكدة أن أمن اليمن واستقراره لا ينفصل عن أمنها القومي، وأن ضبط المشهد بات أولوية لحماية السلم ومنع انزلاق جديد.
إسناد قرارات الرئاسي
منذ اللحظات الأولى للتصعيد في حضرموت والمهرة، بدا الموقف السعودي متقدمًا بخطوة، عبر تثبيت مرجعية مجلس القيادة الرئاسي باعتباره المظلة الدستورية الوحيدة لإدارة الدولة، والتأكيد على أن أي تحركات عسكرية خارج قراراته تمثل خروجًا صريحًا عن منطق الشراكة والشرعية.
وجاءت بيانات المملكة المتدرجة لتمنح قرارات المجلس الرئاسي قوةً وفاعلية أكبر، وهو ما عكس قناعة راسخة للمجتمع الدولي بأن الحفاظ على وحدة القرار داخل معسكر الشرعية شرط أساسي لمواجهة الحوثيين، ومنع تفكك الجبهة الداخلية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
وفي رسالة غزيرة موجهة للشعب اليمني، أكَّد وزير الدفاع السعودي "الأمير خالد بن سلمان" أن دعم الرياض لم يكن يومًا مرتبطًا بأشخاص أو مكونات، بل بمشروع الدولة اليمنية، وبأن أي مكاسب تحققت كانت ثمرة شراكة لا يجوز تحويلها إلى أدوات صراع داخلي.
كما شددت الرسالة على أن القضية الجنوبية، رغم عدالتها، لا يمكن أن تُدار خارج إطار الدولة، ولا أن تُستخدم لتبرير فرض أمر واقع بالقوة، وهو موقف عزز منطق المجلس الرئاسي القائم على التوافق، وأعاد ضبط النقاش حول مسار الحل السياسي الشامل.
واعتبر محللون أن هذا الموقف السعودي الكبير ساعد على تثبيت قرارات الشرعية، ومنحها القدرة السياسية والمعنوية على الانتقال من مرحلة المناشدة إلى فرض احترام مؤسسات الدولة، بوصفها خط الدفاع الأول عن وحدة اليمن واستقراره.
من الرسائل إلى الإجراءات
مع استمرار رفض المجلس الانتقالي الانصياع لقرارات الشرعية، اتخذت السعودية خطوات عملية ضمن مسار الحزم المنضبط، بدءًا من التنسيق مع الحكومة والتحالف العربي لضمان ضبط الأوضاع ومنع تصعيد إضافي، مع التركيز على حماية المدنيين ومنع توسيع دائرة الصراع.
واستجابة لطلب الرئيس رشاد العليمي بالتدخل لوقف الانتهاكات ضد المدنيين في حضرموت والمهرة، نفَّذ التحالف العربي عملية جوية محدودة، فجر الثلاثاء الماضي، في ميناء المكلا، استهدف خلالها شحنات عسكرية غير مرخصة وصلت لدعم الانتقالي.
وأكدت قيادة التحالف أن الضربة لم تكن تهدف إلى توسيع أي صراع داخلي، بل إلى وضع حد للمحاولات الأحادية التي تقوض جهود التهدئة، وتؤكد على أن احترام مؤسسات الدولة هو الضامن الوحيد لاستقرار المحافظات الشرقية وأمن المدنيين.
كما ربطت الإجراءات العملية بالمطالب السياسية، إذ تزامنت مع دعوات واضحة من مجلس القيادة الرئاسي لسحب قوات الانتقالي، ما منح الخطوات العسكرية بعدًا استراتيجيًا موجهًا نحو تثبيت القرارات الرسمية، وليس مجرد فرض القوة دون هدف واضح.
وأمام هذا الواقع، أرسى الحزم المنضبط السعودي نموذجًا واضحًا لتدخلٍ رادعٍ يحمي الشرعية ويدعمها، ويؤكد أن أي خرق للقانون أو محاولة فرض أمر واقع سيتم مواجهته بحسم، دون المساس بالسلم المجتمعي أو استقرار اليمن العام.
خطوط سعودية حمراء
مع تصاعد التحركات الأحادية للمجلس الانتقالي، وضعت السعودية خطوطًا حمراء واضحة، معتبرة أي تهديد للأمن والاستقرار في حضرموت والمهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما أبرزته بيانات وزارة الخارجية ومجلس الوزراء بشكل متواصل وحازم.
وأكدت المملكة أن أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف خارج إطار الشرعية يمثل مساسًا مباشرًا بالأمن الوطني السعودي، وأن تجاوز هذه الخطوط لن يمر دون إجراءات حاسمة، ما عكس جدية الرياض في حماية أمنها ومنع زعزعة استقرار وأمن اليمن.
وجاءت بيانات السعودية الأخيرة لتضع المسؤولية على كل الأطراف الداخلية والخارجية بشكل واضح وصريح، وتؤكد أن المملكة لن تسمح بأن تُوظف القضية الجنوبية لخدمة مصالح ضيقة أو لفرض واقع موازٍ، مشددة على أن الحل الوحيد هو الحوار والتوافق تحت مظلة الدولة.
كما طالبت السعودية الإمارات بوقف أي دعم للقوات الخارجة عن الشرعية، وإعادة التوازن لعلاقات مجلس التعاون الخليجي، في رسالة واضحة أن حماية الأمن القومي اليمني جزء من مسؤولية إقليمية مشتركة، وأن أي خرق يمكن أن يضر بمصلحة الجميع.
لا تساهل مع المشاريع الموازية
شهدت المرحلة الأخيرة من الأزمة تصعيدًا واضحًا من قبل المجلس الانتقالي بمحاولته فرض واقع عسكري خارج إطار الدولة، الأمر الذي دفع المملكة إلى إعلان موقف حازم يوضح أن زمن التساهل مع المشاريع الموازية قد انتهى، وأن أي خروج عن مؤسسات الدولة اليمنية لن يُسمح به.
وجاءت قرارات مجلس القيادة الرئاسي، بما في ذلك إعلان حالة الطوارئ، وطلب انسحاب القوات الإماراتية من اليمن، كإطار قانوني صريح لدعم الدولة، بينما عززت السعودية هذا الإطار عبر إجراءات مباشرة، من مراقبة دخول الأسلحة إلى الإشراف على عملية خروج الإمارات من اليمن.
كما ربطت الرياض تطبيق الخطوط الحمراء بإعادة تفعيل مؤسسات الدولة في حضرموت والمهرة، عبر تمكين قوات درع الوطن والسلطات المحلية من السيطرة على المعسكرات والمواقع الأمنية، لتأكيد أن الدولة هي المرجعية الوحيدة، وأن أي قوة خارج هذا الإطار لن يكون لها مستقبل مقبول.
ووفقًا لمراقبين؛ فإن هذا الحزم المنضبط كشف عن استراتيجية سعودية مزدوجة تهدف لحماية الأمن والاستقرار، وفي الوقت نفسه حماية القضية الجنوبية العادلة من الاستغلال، بحيث لا تتحول المطالب المشروعة لمبرر لتقسيم اليمن أو فرض مشاريع فئوية تهدد التوافق الوطني.
عدالة القضية الجنوبية
رغم الحزم السعودي تجاه أي تجاوزات عسكرية، أكدت المملكة أن القضية الجنوبية لا تُهمش أو تُستبعد، بل تُعالج ضمن إطار الدولة وبالحوار الشامل، مع احترام تاريخها وشرعيتها الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن الاستقطاب والفوضى المسلحة التي تهدد أمن اليمن.
وقد أبرزت المملكة، عبر بياناتها ورسائلها العلنية، أن أي تصعيد عسكري خارج إطار الشرعية يضر بالقضية الجنوبية، ويهدر تضحيات أبناء اليمن في تحرير الأرض واستعادة الدولة، مشددة على أن الحل العادل يتم عبر التوافق وبناء الثقة بين كافة الأطراف اليمنية.
كما ساهمت المبادرات السعودية في تعزيز الوعي لدى المكونات الجنوبية بأن الانحياز لفئة دون أخرى أو استخدام القوة لن يؤدي إلا لتقويض حقوقهم، وأن حماية الأمن المجتمعي واستقرار المحافظات الشرقية يأتي أولًا قبل أي أهداف ضيقة أو مشاريع خارج الدولة.
وفي المحصلة، يظهر الدور السعودي كحارس لمصلحة اليمن والوحدة الوطنية، يوازن بين حماية الشرعية وضبط أي تجاوزات، ويؤكد على أن أي مغامرة عسكرية خارج الدولة اليمنية ستفشل حتمًا أمام إرادة المملكة وإصرارها على استقرار سلامة ووحدة اليمن.