في كلمته بمناسبة اليوم الوطني للصمود.. قائد الثورة: خيار الصمود ما يزال الموقف الصحيح واللائق بشعبنا    في الموجة ال 86.. الصواريخ الإيرانية تدك قواعد أمريكية ومصانع عسكرية إسرائيلية    نائب وزير الإعلام: اغتيال الصحفيين يعكس فشل العدو الصهيوني    دشن اختبارات الشهادة العامة الثانوية..العلامة مفتاح يدشن أنشطة الدورات الصيفية ويؤكد أهميتها في بناء قدرات الطلاب واستثمار أوقات فراغهم    بيان عدن يشعل الجدل.. أخطاء قانونية وتورط سياسي في توقيت حساس    تفاهم حوثي اخونجي شرعي لقتل الجنوبيين.. لماذا تصمت جبهات مأرب والساحل وتشتعل الضالع وشبوة؟    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "39"    تفانٍ مروري يستحق الشكر والتقدير    الجيش الكويتي يعلن تعرض احدى معسكراته لهجوم معادي وسقوط ضحايا    توزيع جعالة العيد ل 250 أسرة شهيد في مديريتي السدة والنادرة    اللجنة الرباعية: تقدم ضئيل لخفض تصعيد الحرب في الخليج    الذكرى ال11 ليوم الصمود الوطني    مدير مكتب الاقتصاد والصناعة والاستثمار بالحديدة:نعمل مع القطاع الخاص وفق شراكة حقيقية لتشجيع الانتاج المحلي    حضور اليمن في معادلات المنطقة    مرض السرطان ( 5 )    وفاة 15 شخصاً وتضرر آلاف الأسر جراء الأمطار التي شهدتها تعز    جمارك المهرة تعلن ضبط الجهاز رقم "16" لتعدين العملات الرقمية    البنك المركزي يقر إجراءات لمعالجة شح السيولة وتعزيز استقرار العملة    مجلس الجامعة العربية يوافق على تعيين أمين عام جديد خلفا ل"أبو الغيط"    "سنعود".. مسرحية لنازحين ببيروت تجسد المقاومة الثقافية ضد اسرائيل    التميمي: بيان سلطة الأمر الواقع يستهدف المجلس الانتقالي ويستثني مكونات معادية للجنوب    إستجابةً لدعوة المجلس الانتقالي الجنوبي ، تنفيذية انتقالي لحج تدعو إلى احتشاد جماهيري واسع في عدن دفاعًا عن إرادة شعب الجنوب    برشلونة ينتظر 143 الف يورو تعويضاً عن إصابة رافينيا    الظواهر الصوتية في شعر محمود درويش قراءة بلاغية أسلوبية في تشكيل المعنى    تقرير حكومي: وفاة 15 مواطنا وفقدان 9 آخرين جراء سيول الأمطار غربي تعز    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    لجنة الطوارئ بتعز توجه بالتدخل العاجل لإغاثة المتضررين من السيول    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    الأرصاد يؤكد استمرار فرص هطول أمطار متفرقة خلال الساعات القادمة    المظلومة    برنامج التواصل مع علماء اليمن ينظم ندوة بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لعاصفة الحزم    صنعاء.. منزل مهجور في سنحان يودي بحياة ثلاثة أشخاص    دراسة: الرياضة المبكرة تخفض مخاطر السكري بنسبة 30%    مدرب البرتغال يرد على اعتزال كريستيانو رونالدو    قفزة في تكاليف الاقتراض الأوروبية بقيادة إيطاليا وفرنسا    مصر تبدأ إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة    محمد صلاح يتلقى صدمة قوية من أندية أوروبا    باب المندب.. واستراتيجية الامن القومي    محافظ حضرموت: اوقفنا التوريد إلى عدن حتى الوصول إلى اتفاق حول حقوق المحافظة    عاجل: الخنبشي ينسف رواية منحة السعودية لكهرباء عدن.. هل تُدار ثروات حضرموت خارج إرادة أبنائها؟    الزامل اليمني وملحمة النصر..    اتحاد كرة القدم ينظم دورة تنشيطية للحكام استعدادا للدوري اليمني    وفاة معلق رياضي شهير في صنعاء    أزمة وعي وسلوك    سيول غرب تعز تتسبب في أضرار فادحة وتسجيل أكثر من عشرة ضحايا    أحمد قعبور يغادر تاركاً إرثاً فنياً يخلّد القضية الفلسطينية    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كانَ حياً، صار ميتاً..!
نشر في الوحدوي يوم 22 - 11 - 2008


لشهيد الطفولة: حبيب، مهما بلغَ الحُزن.. لا يكفيني!
هذا الحزن.. يتسعُ لي ويسمعني، هذا الحزن، يناسبني، ويومَ تجلى على الأرضِ بغيضاً وحيداً كانَ سميي، هذا الحزنُ مشواري للأمل، مشواري للسعادة، مشواري للموت، مشواري للنهاية، هذا الحزن غيمٌ يعجبني، يعجنني، هذا الحزن حقيرٌ وابنُ كلب.
كانَ حياً، صار ميتاً..!
حينَ أشركتَني في قرار الرحيل، كان لي من رحمةِ اللهِ سقوطٌاً "من طولي" وصرخاتٌ بعثرت نفسها خناجرَ في آذانِ السامعين، لكن "أولوا القبض" مالاً وأرواحاً، استغشوا ضميراً ميتاً على آذانهم ملء الجُرم، يحجبُ نزعَ الصوتِ الممشوجُ من فزَعِ يومِ الصُوْر..!
لمَ ضاقت بكَ الدنيا يا إنسان عيني، لم تكن طفلاً قبيحاً، لا غبياً ولا ثقيل الظل، والحياة – كلُ الحياة – فاردةً ريعها ملء اختيارك، لكنك عزفت ورُمتَ غيابا
كانَ حياً، صار ميتاً..!
وباسم الله يبدأون "الرغي": "اللهُ أراد، اللهُ أمات، اللهُ رغِب"، وهل رغِب الله أن تتجشأوا علينا سماً ذفِراً يقتلنا، هل أراد اللهُ أن تتسرطَن ضحكاتُنا ومساءاتُ حُبنا الأسريُّ بجمجمةِ الموتِ المعبَّأ في كل شيء..! هل نموتُ نذرَ كروشٍ تتدلى وأموالٌ تتلى ريعَ رفاتنا وإعاشة لدودِ القبور..!
من يرحمنا من قرصنةِ إقطاعٍ يجترُّ منا عِرق الحياة وعذاب العيشِ على هذه الأرض؛ نحو الموت..!
قتلوكَ يا حبيب، ولم تعدُ الرابعة.. لم تمت نظيرَ "فاحشةُ في الأرضِ وفسادٌ كبير"، ولم تعلق رقابهم على المشانق في "باب موسى"، ولم تعلب لهم الموتُ في الطماطم وتسالي الأطفال، لم تغمُر حياتهم بالقهر كما فعلوا بنا، فقط كنتَ خائناً؛ حين خيبتَ متعتهم في امتداد القُبح على هذه الأرض، فكنتَ قطرةً نقيَّة في بحرٍ دنِس، ونقاهَةُ روعةٍ في أفقٍ كئيب، كنتَ جميلاً وبارعاً، ملاكاً حيثُ كانت الأرضُ عامرةٌ بالشياطين،
وها أنت يا ابن أمي، تموتُ لا جزاء جُرم، ولا نتيجَةَ إثم، تسقطُ ميتاً – وفقط – إرض اءً لحقهم في القتل وسفكِ البراءةِ في المهد، إرضاءً لاختيار الحياة في أن تكون دنيئةً وكريهة.
كانَ حياً، صار ميتاً..!
ليتك تدري أيها الكهلُ الصغير، كم هوَ "الصعب" رحبٌ كصحراء، ثقيلٌ كجبل، ومخلخلٌ للأوصال كبردِ "إسكيمو"، كم هوَ صعبٌ وقاهرٌ هذا الصعب الذي يواجهنا حين إدراك هذه المفارقة، كيفَ جئتَ ورُحت، كيف عشتَ ومتّ..،
كانت تشطرُ قلبي حدةِ سيفٍ يماني لا تعطف، وأنا أتملى جمالَك وحلو طلتك عند ميلادك باكياً، وأتمنى أن لم تأتِ إلينا حتى لا تصيبُك لعنَةُ البؤس الدميم، أتمنى أنَّك أتيتَ في بيتٍ يليقُ بك، بحجم الحب الذي يصبُ من حولك لك، وأحزنُ لأجل ما تعانيهِ في المكانِ الذي تهربُ منهُ كل الكلماتُ المتفائلة ليبقى الحزنُ سيداً فيه.
البارحة فقط، كنتَ تركُضُ في الغرفةِ/ القبر بدلالٍ طالباً "مصروف"، أو تركضُ آتياً من بعيدٍ قائلاً: "إذانااااا"، أو حين تقولُ لي في لحظةِ مشاكسةٍ أبكيها كثيراً: "أنتَ قُزَّة"، وحيناً يغمرُك مرحُك الدائم قائلاً: "ساسا، حلوة ورقَّاصة" كم سأبكي يا حبيب وأنا أهيلُ دمي ودمعي على الذكريات الصعبة، حين تبكي راغباً بالمجيء إليّ، أو راغباً بالعودةِ إلى "تعز"، ها هي المدينةُ التي سحقت فرحتكَ فيما سبق، تسحقُ لحمَك اليوم يا نسجَاً ربانياً لا يضاهى..!
ما لجوارحي الحمقاءُ يا حبيب؛ ما يمكنها أن تدَّخر كلّ ممكناتِ الخيال و"الميلودراما" لتتذكر: سماءً ليليةً سوداء، وبردٌ صنعاني، بيتٌ شعبيٌّ مستأجَر، وفرشٌ خفيفُ، وطفلٌ كأجمل ما في الدنيا، يصرخُ ملءَ الهواء: "رااااااااااااسي، يا رااااااااسي" ويبكي وروحي تقطرُ معهُ دمعةً دمعةً، وتستطيرُ صرخةً صرخة، وتعودُ كظيمةً محتزة.
وكيفَ للعالمِ الذي يركعُ بأجمعهِ على ركبتيهِ باكياً، وطالباً السماح، كيفَ يمكن أن تسامحهُ على لحظةٍ أغرقها بؤسُ الدنيا، وأنتَ تنظرُ بعينينِ مسهبتين عذاباً ويأساً قائلاً: "أماه.. أريد أن أشفى" أو كما تنطقها تماماً: "أماه.. أشتي أحيييي".
وكيفَ أغفرُ لي وأنا أراكَ، معطَّل الجوارح، وعيناك اللتانِ تغيبُ عنهما الرؤيا، ذهنُك الذي لم يعد يتذكرُني ولا يتذكرُ أمك حتى، جسدُكَ المليءُ بالحبوب المنمشة زرقاءٌ وخضراءٌ وحمراء، عظامُك التي رابت، ورأسُكَ المليئةُ بالأورام، عينُك اليمنى التي صغُرَت وربما ضمرَت، وإحساسُك الذي غابَ عن طعمِ الدنيا، كنتُ أقولُ يا حبيب الرحمن: ليتكَ تشفى أو تموتُ، رحمةً من هذا العذابُ الذي يهدُّنا قبلك، ولم أدرك يا أخي كم هوَ الموتُ طامّ، لم أدرك أن هذا ما يمكنُ قولهُ: "ليتك متّ"، ها أنت متّ وتركتني أغتصُ بعدَك قروحَ الحياة.
هل أقول ارتحتُ منك؟
نعم، ارتحتُ من قلقٍ لا يهاود، من ألمٍ لا يعرفُ الهدنة، ومن خشوعٍ لجلالةِ فقدٍ قد تحيق فلا تضمرُ سكينةً ولا رحمَةً تغفرُ لي متاعَ نِعمة بعدك يا أخي..!
هل أقولُ تعذبتُ بك؟
نعم، تعذبتُ برحيلك، أنازعُ رمقَ أملٍ أخير في الدنيا عشعش لعقدٍ وأكثر، وقلبي الذي تركتَ شرايينه خاليةً من حبك، رمى نفسهُ في بئرٍ من أسيد..
كيفَ أسامحُ نفسي أنني فقدتُك، ليتك تُدرك كم هو هذا الذي يحبُّكَ حقود على نفسهِ ولا يغفر..!
يا أخي: ها مشهدٌ لا يليقُ بالعصورِ إلا خلوَةً؛ ولا يتكررُ إلا هنَّةً لا ازدياد، ها "تبانةُ" الحبِّ التي نسجتُها لكَ فتلةً فتلة، أطعمتها سلوَ قلبي، أنفستها سديمَ روحي، ها هيَ مكعَّبةُ التفاصيل، شفافةٌ كحلمي النزيه الذي حملتُ لك، ها هي؛ "تبانةُ" حبُّك الممشوقُ على سطح قلبي كسنديانٍ يوخِزُ صدرَ السماء مجدوعَة الجيدِ إثرَك، يا حبيبها الذي شردَ لجوارِ الله، مجدوعَةٌ حين غدا قلبيَ الذي تسكنُهُ بخاراً يحتسيهِ هواءٌ يمنحُ الشياطينَ شهوَة البقاءِ أحياء، مجدوعةٌ إذ أيقنَت: أن لا قلبٌ يتسعُ لها إلا صريعُ البئر.
ها قد نفضَت الحياةُ نفسها عنك، أصبحَتِ الأمكنَةُ التي خلَّفتها بلا روح، مكانُك في حضنِ أمك، مساحتُك على فراشِ النوم، أكياسُ اللوزِ "الطبيعي" الفارغة، ألعابُك، سريرُكَ في مستشفى الثورة، راحةُ يد الدكتور عبد الحميد أبو حاتم التي لمستْكَ يوماً، ملابسُك، بطانيتكُ في بيت جدي محمود، الإبر والمغذيات والجرعات العلاجية، حضني أنا، حبُ إخوتك، وأوراقُ النقد التي كانت بانتظارك دائماً،
ها نحنُ نلُفك بقماشٍ أبيض، ونضعُك في مكانٍ أوسع وأكثرُ نقاءً، على الأقل هناك لن تجد حياةً مسممةً كحياتنا هذه،
سيظلُ قبرَكَ – يا أخي – نُدبَةً كبرى على صدغِ الأرضِ، شجتها أذرعُ أخطبوطٍ بقلبٍ من رملٍ ميت..
نعم يا ابنَ أمي: هذه راحتي منك؟! حزنٌ يليقُ بفقدك ولا يعلمونُ؛ كم يهدُّني بنيَّةِ القيامَة على أودي النحيل..!
وكم أشفقُ على نفسي من حملِ حبِّك الذي يحيلُ الحياةَ بعدَكَ "سلةَ مهملات"..!
رحِمَك الله،


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.