لستُ ضد فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم في البلدان العربية، وفي اليمن على وجه التحديد، لكني ضد الثمن الذي تدفعه هذه الجماعة لقاء ذلك، وهو ثمن باهظ ربما يعيد شعوب هذه البلدان إلى ما قبل نقطة الصفر، خصوصا فيما يتعلق بالسيادة الوطنية، بالإضافة إلى ما سيخلقه من احتراب داخلي قد يطول أمده. الأمر ليس نتيجة محتملة قد يتوصل إليها باحث ما من خلال قراءته لموقف الولاياتالمتحدةالأمريكية المرحب بوصول جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، بل استعداد حقيقي بدأت نتائجه تظهر على أرض الواقع. ولا أعني بالنتائج الواقعية هنا تصريحات القيادي الإخواني وناطق أحزاب المشترك المعارضة السيد محمد قحطان التي أشاد فيها كثيرا بالموقف الغربي من الثورة في اليمن وفي المنطقة العربية بشكل عام، وإنما أعني ما بات يحدث على الأرض، وعلى الجو أيضا. هذا الأسبوع اعتقل الأمن السياسي في اليمن عددا من شباب الثورة في العاصمة صنعاء، لمجرد الاشتباه بتعاطفهم مع تنظيم القاعدة، وكان لشباب الإخوان دور رئيسي في عملية الاعتقال، وهو عمل لم تكن تمارسه الأنظمة القمعية على هذا النحو. لا أريد أن أتحدث عن علاقة الإخوان المسلمين بجهاز الأمن السياسي في اليمن، لكن يبدو أننا صرنا نعيش بالفعل حقيقة أن "ما كانت تقدمه الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية للولايات المتحدةالأمريكية بشكل سري، سيقدمه الإخوان المسلمون لها بشكل علني". أعرف أن جهاز الأمن السياسي اليمني لم يقم بأي نشاط من هذا النوع خلال فترة الثورة الشبابية، حتى جهاز الأمن القومي توقف عن نشاطه في هذا الجانب، لكن الأمور تغيرت الآن، بعد أن بدأت أمور البلد تؤول بشكل تدريجي إلى المعارضة ذات الغالبية الإخوانية. أعرف أيضا أن تعاون نظام الرئيس علي عبد الله صالح مع الإدارة الأمريكية في مجال الحرب على الإرهاب تراجع كثيرا خلال الثورة، بل ربما توقف، وأن العملية التي استهدفت الشيخ أنور كانت على أرض من أراضي الإخوان التي لا نفوذ لنظام صالح فيها، وأن طائرات أمريكا لا تنجح في مهمتها العملياتية دون الاعتماد على مساعدة معلوماتية من الأرض، فما علاقة إخوان اليمن بالعملية الأمريكية تلك؟. لقد اغتالت طائرات الاستخبارات الأمريكية الشيخ أنور العولقي وانتهى الأمر بالنسبة لأمريكا وللإخوان المسلمين، لكنه لم ينته بالنسبة لتنظيم القاعدة ولقطاع شعبي واسع يرفض هذا النوع من التدخل وهذا النوع من التواطؤ، وسيكون له ما بعده بكل تأكيد، ولن يكون للموقف الأمريكي أي دور في إيقاف ما قد يحدث مستقبلا، فمن اعتمدوا على أمريكا في الوصول إلى الحكم لن يكونوا أحسن حالا ممن اعتمدوا عليها للبقاء فيه. وبكل تأكيد فإن الإخوان المسلمين في اليمن لن يستاءوا من الحديث عن علاقتهم بمقتل الشيخ أنور، لأن الطائرات الأمريكية والفرنسية التي رحب باختراقها للأجواء اليمنية رئيس الكتلة البرلمانية لإخوان اليمن في مجلس النواب السيد عبد الرحمن بافضل، لن تأتي لاصطياد حمام وأرانب، وإنما لقتل مواطنين يمنيين كان أنور العولقي واحدا منهم. على الإخوان المسلمين أن يدركوا بأن قبول أمريكا لما يسمى "الإسلام المعتدل" مشروط بتطرفهم ضد ما يُسمى "الإسلام المتطرف". فمن هم المتطرفون ومن هم المعتدلون إذن، من يقفون في وجه أمريكا أم من يقفون في صفها، وهل هذا ما كان يقصده السيد محمد حسنين هيكل حين قال "إن ترحيب أمريكا بالإخوان المسلمين الغرض منه إحداث فتنة في الإسلام لصالح آخرين؟". وعلى الشعوب العربية أن تدرك أيضا بأن أمريكا تحاول إعادة إنتاج الأنظمة السابقة بصبغة إسلامية من خلال من يقدمون أنفسهم كإسلاميين معتدلين. من خلال الإخوان المسلمين. محاكم تفتيش الإخوان في الساحة بعد عملية الاعتقال التي طالت عددا من شباب الثورة، أقدم شباب الإخوان المسلمين هذا الأسبوع على إغلاق بعض الأكشاك التابعة ل"حركة شباب الأمة" وصادروا بعض أجهزة المحمول منها، بالذرائع ذاتها، وحزب الأمة الذي ينتمي إليه هؤلاء الشباب، والذي يكون الدكتور حاكم المطيري الكويتي أمينا عاما له، هو حزب سياسي يؤمن بفكرة الجهاد السياسي لا العسكري، ومنفتح على الآخر بشكل لا يوجد حتى عند الإخوان أنفسهم. أخبرهم شباب الإخوان بأن الإجراءات المتخذة ضدهم تتم بناء على طلب من نيابة الفرقة الأولى مدرعة. لكن شباب حركة الأمة يقولون إن الإخوان هم الذين يقفون وراء كل ما يجري، وإن اللواء على محسن الأحمر وفرقته يتصرفون بناء على توجيهات الإخوان وليس العكس، فمعظم جنود الفرقة الذين ينشطون في ساحة التغيير هم من شباب الإخوان الذين جندتهم الفرقة مؤخرا. ونفى شباب حركة الأمة وائتلافات أخرى مؤيدة لهم أن تكون لهم أية صلة بالقاعدة، لكنهم يؤكدون أن تصرف شباب الإخوان قد لا يترك لهم خيارا آخر غير اعتماد أسلوب التنظيم، كحل أخير لمواجه ديكتاتورية الساحة التي اتسعت لكافة الأفكار، بما فيها فكر الحوثي، وضاقت بهم، حد تعبيرهم. ويرى هؤلاء الشباب، بحسب ما جاء في بيان لهم، أن الإخوان ينزعجون كثيرا من الأصوات الرافضة بشدة لما تم الاتفاق عليه بين أحزاب المعارضة والنظام بخصوص نقل السلطة، وأن مواقف شباب الإخوان المعلنة غير مواقفهم الحقيقية والتي تؤيد الاتفاق. لماذا وافقت سفارة أمريكا على وزير إخواني للداخلية بعد أن كانت رفضت في وقت سابق؟. لا شيء من دون ثمن، وما تقدم ذكره ليس إلا عربون ثقة للشراكة المستقبلية بين الولاياتالمتحدةالأمريكية والإخوان المسلمين في اليمن في مجال الحرب على ما يسمى "الإرهاب"، فأكثر ما كان يقلق أمريكا بعد رحيل صالح هو أمر تنظيم القاعدة، وقد تلقت تطمينات من قيادة حزب الإخوان المسلمين بتولي أمر هذا الملف في المرحلة القادمة. التطمينات التي تلقتها أمريكا من إخوان اليمن، ومن جهات أخرى على صلة بهم، منها ما كان عبر الاتصالات السرية، ومنها ما كان بشكل علني. فعلى قناة الجزيرة الناطقة باللغة الإنجليزية كان عبد الرحمن بافضل يؤكد: "سنقاتل القاعدة.. سنقاتل القاعدة". وإلى جانب أن جماعة الإخوان في اليمن قوة كبيرة وقادرة على فرض نفسها كأمر واقع، يبدو أن الإدارة الأمريكية تعاملت مع الوعود التي تلقتها من الجماعة في مجال الحرب على القاعدة، بشكل جاد، وهذا يفسر قبول سفارتها في صنعاء بوزير للداخلية من حزب الإصلاح، على العكس تماما مما كانت تقوله اشتراطاتها في وقت سابق. ستكون الآن قوة "وحدة مكافحة الإرهاب" التابعة للأمن المركزي والتي تمولها أمريكا، تحت إمرة إخوانية، ومطلوب أمريكيا من الإخوان المسلمين أن يثبتوا قدرتهم على تقديم ما لم يستطع نظام الرئيس صالح تقديمه في مجال الحرب على تنظيم القاعدة، وقد حالوا أن يثبتوا ذلك على المستوى الأمني من خلال الإجراءات التي أشرنا إليها، بما أن شئون وزارة الداخلية لم تصبح تحت التصرف الكامل لهم بعد ليثبتوا قدراتهم في المجال العسكري. اللواء الخائف من الماضي هل سيأمن في المستقبل؟ يظن اللواء علي محسن الأحمر أنه آوى إلى ركن شديد حين تحالف مع حزب الإصلاح، فهو أولا متحالف مع إسلاميين معتدلين من الصنف الذي باتت تفضله الإدارة الأمريكية، وهذا سيبعد عنه تهمة احتواء إسلاميين من الصنف الآخر المتطرف، كما أنه وهذا ثانيا سيجد من يقف معه ضد قضية المحاكمة التي قد يتبناها خصومه في المستقبل. هذا الأمر يفسر مهادنة قوات الفرقة للحوثيين رغم ما قاموا ويقومون به في كثير من المناطق اليمنية التي تقع تحت مسئولية الفرقة"المناطق الشمالية الغربية"، وكذا غظه الطرف عن الحراك الثقافي الحوثي داخل ساحة التغيير، رغم أن الحرب الإعلامية والفكرية كانت رديفا موازيا لحرب صعدة العسكرية بينه وبين جماعة الحوثي. حتى أدوات علي محسن الإعلامية، التي نشطت بقوة خلال حروب صعدة الست ضد جماعة الحوثي، تجاهلت ما تقوم به الجماعة اليوم ضد سلفيي دماج، إلا من تناول يحفظ لتلك الأدوات ماء وجهها، لكنها ركزتْ كثيرا على ما يدور من معارك في محافظة أبين، وتناولتها وفق الهوى الأمريكي. وبعيدا عن نوعية تعامل الإعلام التابع للواء علي محسن مع ما يجري في محافظة أبين، فإن علي محسن نفسه لعب دورا عسكريا أكبر ضد تنظيم القاعدة هناك، بالاشتراك مع الإخوان طبعا. لقد قام اللواء الأحمر بتجنيد عدد كبير من شباب الإخوان المسلمين في فرقته خلال الثورة الشبابية، ولم يكن هذا تعويضا بشريا لضعف الفرقة عسكريا، بل كان تأمينا لمستقبل اللواء قبل ذلك، وحرصا منه ومن الإخوان أيضا، على السيطرة على الساحة وتوجيهها وفق ما يخدم نشاطهم السياسي والعسكري. فبرغم الوضع الإنساني الصعب الذي عاشته منطقة دماج بمحافظة صعدة جراء الحصار الحوثي طوال ثلاثة أشهر، إلا بيانا واحدا لم يصدر عن اللجنة التنظيمية الإخوانية في ساحة التغيير يدين ذلك الحصار، ناهيك عن أي دور عسكري يمكن أن تلعبه القوة التابعة لعلي محسن هنا، مع أن الحوثي قام بما قام به باسم ثورة الشباب. ربما لأن السلفيين يؤمنون بوجوب طاعة ولي الأمر، وعلي محسن يقدس الفكر الذي يدعوا إلى الخروج على ولي الأمر، حد قوله في خطاب ألقاه قبيل عيد الفطر، لكنه لن يقدس فكر الخروج عند القاعدة بكل تأكيد، بل عند الزيدية، رغم أنه حارب الحوثي خمس سنوات لخروجه على ولي الأمر!!!. مستقبل اليمن في ظل التحالف الأمريكي الإخواني قد تنجح حكومة المعارضة في تحسين وضع المواطن بتوفير ما لم يوفره له نظام صالح، أو ما حرمه منه النظام والمعارضة خلال الثورة، إذ ربما كانت المعارضة مشاركة في رفع مستوى الأزمة ليرضى المواطن لاحقا بالحد الأدنى مما ستوفره له حين تحكم، حتى لو كان أقل مما كان يقدمه نظام صالح قبل الثورة، لكنها أمام الملفات الأخرى ستعاني كثيرا، وقد تفشل في خلق أي استقرار، لأن هذه الحكومة لم تتمخض عن ثورة كما في تونس ومصر وليبيا حتى يكون قرارها مستقلا تماما، ولا حتى عن تسوية سياسية داخلية حقيقية، وإنما عن مخاوف إقليمية ودولية من مرحلة ما بعد الرئيس صالح، بدليل أن الخارج الإقليمي هو الذي اقترح الحل، والخارج الدولي هو الذي فرضه، والمعارضة اليمنية هي التي وافقت عليه، بينما رفضه شباب الثورة. ومع أن رفض الشباب قد لا يستمر طويلا، خصوصا وأن كثيرا منهم ينتمون إلى الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى أن البقاء في الساحات مرهون باستمرار الدعم الذي تقدمه أحزاب المعارضة أو الذي يأتي عن طريقها، إلا أن الأمر لا يتوقف عند رفض الشباب أو موافقتهم، والمعارضة تدرك ذلك جيدا، إذ لو كان على غير هذا النحو لما وافقت على تسوية يرفضونها. أي أن حكومة المعارضة لن تواجه أية مشاكل حين تعمل للداخل لكنها ستغرق فيها حين تعمل للخارج، خصوصا في مجال الحرب على "الإرهاب"، والفشل في الثاني قد يقضي على النجاح في الأول. الفشل الذريع هو ما قد تحصده حكومة المعارضة في نهاية المطاف، إن هي مضت في أمورها وفق الوعود التي مُنحتْ للخارج بخصوص ملف القاعدة، رغم تجاوزها، على الصعيد الداخلي، لعوامل فشل نظام صالح في السابق. ربما نجد أنفسنا أمام حرب طائفية من نوع آخر، ليس بين السنة والشيعة فقط، وإنما بين السنة أنفسهم، طرفاها الإخوان المسلمون وتنظيم القاعدة، حين يبدأ الإخوان مهامهم المنتظرة.