يوماً بعد يوم تؤكد حكومة الوفاق الوطني أنها لم تكن بمستوى التطلعات والآمال التي تفي بالحد الأدنى من المطالب المشروعة للشباب الذين ضحوا بحياتهم في تلك المظاهرات والاعتصامات المطالبة بالتغيير، حيث الملاحظ أن المطالب الحزبية تقدمت على المطالب الشعبية، وأن ما نلاحظه من حركة تغيير فوضوية ينحصر في نطاق استبدال قيادات مالية وإدارية مؤهلة ومجربة بقيادات حزبية تفتقد إلى الحد الأدنى من الكفاءة والخبرة العملية. فكما فشلت حكومة الوفاق الوطني في المجالات الاقتصادية والخدمية وإيجاد فرص عمل جديدة تستوعب العاطلين عن العمل من الذين تمزقهم البطالة ويسحقهم الفقر، فشلت في إعادة الأمن والاستقرار إلى المستوى الذي كان سائداً قبل الأزمة، وهكذا أصبح الشباب يستبدلون شعاراتهم الثورية المطالبة بالتغيير إلى الأفضل أصبحوا يرفعون شعارات تقول ليس بالإمكان أفضل مما كان وهم يحصدون زيادات واسعة في الأسعار، وزيادات مضطردة في البطالة وزيادات مخيفة في الاغتيالات والاختلالات الأمنية، أما الفساد المالي والإداري فحدث ولا حرج بلا حدود ناهيك عما نلاحظه من حركات انفصالية نشطة تهدد وحدة اليمن وأمنه واستقراره. وإذ كان مؤتمر الحوار الوطني هو الأمل الذي تشد إليه الرحال في التوصل إلى ما نحن بحاجة إليه من الحلول الكفيلة بالمساعدة على بناء الدولة اليمنية الحديثة دولة النظام وسيادة القانون والمواطنة المتساوية والكفاءة في الإنتاج والعدالة في التوزيع. فإن الكثير بدأ يتخوف من الزيارات الميدانية التي قد تنحرف بالمؤتمر عن أهدافه الحوارية المعنية بتشخيص المشاكل وإبداع ما نحن بحاجة إليه من الحلول الدستورية والقانونية والتنظيمية، وما نحن بحاجة إليه من الخطط والرؤى والسياسات الرشيدة وكأن أعضاء المؤتمر سوف يتحولون إلى أقسام شرطة يخلطون بين مهامهم الحوارية والفكرية وبين المهام التشريعية والتنفيذية لمجلسي النواب والوزراء بصورة تتنافى مع جوهر المبادرة الخليجية. ويزداد القلق عند البعض من اللغة الاتهامية التي تنطق بالرغبات الانتقامية من قبل بعض المتحاورين المتطرفين الذين يخلطون بين ما تحتاجه العدالة والمصالحة الوطنية من أفكار تبحث عن الوسائل والأساليب العقلانية والسلمية التي تعيد للشعب ما هو مفقود من القيم التعاونية والتكاملية والحلول التسامحية والتصالحية التي تحقق الحفاظ على مكاسبه العظيمة في الوحدة والحرية والديمقراطية والعدالة والسعادة الاقتصادية والاجتماعية في حاضره ومستقبله، وتعيده إلى ما شهده الماضي من المناكفات والمكايدات والمزايدات المسعرة للصراعات والحروب الدامية والمدمرة. من خلال النزعات الانتقامية صادية ذات الرغبات الثأرية والرغبات الدكتاتورية التي قد تعيدنا إلى ما قبل الوحدة والديمقراطية من سياسات شمولية ترفض الانفتاح على الآخر وترفض الاستفادة بما يجتاح العالم من التعدد والتنوع ذات المبتكرات والاختراعات الإبداعية والإنتاجية للنبذة التي تستجيب للعلاقة الجدلية بين الاقتصاد وبين السياسة والتي تجعل الاقتصاد سياسة والسياسة عملية اقتصادية غايتها الديمقراطية وصنع الحلول العلمية والعملية والسلمية لإيقاف الصراعات والحروب السياسية والاقتصادية على السلطة وعلى الثروة وما تخلفه من التمزق والشتات. بصورة تجعل الماضي عدواً لدوداً للحاضر والمستقبل، وتجعل المستقبل منتجاً لما قبله من ثارات وأحقاد ماضية، وكأنها تكرر في الغد ما ترسب لديها من تراكمات سلبية ماضية.. أعود فأقول أن الحكومة مطالبة بالكف عن تدمير الجهاز المالي والإداري والقضائي للدولة وحسن استخدام ما لدينا من المكتسبات الإيجابية والمؤسسية لبناء الدولة المدنية الحديثة دولة النظام وسيادة القانون والمواطنة اليمنية المتساوية في الحقوق والواجبات. أقول ذلك وأدعو رئيس وأعضاء الحكومة إلى التصالح مع وزارتهم واجهزتهم وتطمين كوادرهم الفنية والمهنية بأنهم محميون بالدستور والقوانين النافذة وأن التدوير الوظيفي سيتم في نطاق المؤسسات والوزارات التي يعملون بها، ولن يتم استبعادهم لأسباب حزبية لأنهم بحاجة إلى تعاونهم واخلاصهم وإظهار ما لديهم من الكفاءات والخبرات العملية والعلمية، وأن السلوك الوظيفي يتحدد من خلال تقديم المصالح الوطنية والعامة على المصالح الأنانية الخاصة لأن الوقت كالسيف محتاج عن حسن استخدام بأقصى قدر من الاخلاص والكفاءة والنزاهة.. كما أدعو الأخوة أعضاء مؤتمر الحوار الوطني أن ينحازوا إلى المستقبل في حواراتهم المفتوحة وينفتحوا على أفضل الآراء والتصورات ذات الحلول الكفيلة بعدم تكرار الأزمات والصراعات والحروب الدامية والمدمرة، وأن يبعدوا أنفسهم عن الممارسات الحزبية وما تكرره من السلبيات لأن فتح الأبواب على مصراعيها للمكايدات والمماحكات الثأرية والانتقائية لأن واجبهم ينحصر في نطاق البحث عن الحلول الكفيلة بالارتقاء بالدستور والقوانين إلى الأفضل لأن رسالتهم التسامحية والتصالحية تذهب إلى تضميد الجروح النازفة.. والإشارة إلى ما يجب اتباعه من معالجات تحفظ للشهداء حقوقهم وتعيد للمنتهكة حقوقهم اعتباراتهم وتعويضاتهم العادلة دون حاجة إلى الدخول بثارات نزيف وتضيف دماء جديدة إلى الدماء القديمة أسوةً بما حدث من معالجات سلمية لتحقيق العدالة والمصالح بين جميع أبناء الشعب بجميع أحزابه. أن الهدف هو التوصل إلى أفضل المعالجات والإصلاحات الدستورية والقانونية والتنظيمية بعيداً عن التوترات والأحقاد والنزعات الانتقائية والتآمرية غير الديمقراطية وغير السلمية أمام لحظات تاريخية استثنائية نابعة من حرص المجتمع الإقليمي الدولي على وحدة اليمن وأمنه واستقراره وسيادته الاقتصادية والاجتماعية، ولا يتأتى للمتحاورين أن يخلدوا أنفسهم في مكانة وطنية وتاريخية معقولة ومقبولة إلا من خلال انتهاج الحلول التي تجمع بين أفضل ما في التعددية السياسية والحزبية والتعددية الاقتصادية والاجتماعية والنقابية، واستبدل الثقافات الشمولية والأنانية بالثقافة الديمقراطية المستمدة للانفتاح والأخذ بأفضل ما في التجارب الإنسانية الناجحة من الإيجابيات. إن الاهتمام بالمستقبل هو الهم الأول الذي يعيد للشعب اليمني ثقته بنفسه وبقدرته على الموازنة بين السياسي والاقتصادي وبين الحقوق والواجبات، وبين الحاجات والكفايات الاقتصادية والمعيشية وتحديث ما لدينا من المؤسسات والأجهزة الإدارية والمالية القضائية ورفدها بأفضل الكفاءات جنباً إلى جنب مع ما لدينا من مؤسسات عسكرية وأمنية قادرة على حماية السيادة الوطنية، وترسيخ ما نحن بحاجة إليه من الأمن والاستقرار والعدالة والسيادة الممنوحة والمكفولة.