غابة الثعالب مجتمع يدعي الديمقراطية والشفافية, تماما كما يدعيها البشر اليوم, فهم يجيدون رفع شعارات الشفافية والحرية والتعددية ورفض الإقصاء والتهميش, وغيرها من الشعارات التي نسمعها كل يوم وكل حين, ولذا فهم يبدون ترحيبهم وحفاوتهم بأي عضو من الأرانب انضم إلى ديمقراطيتهم. وفصائل الثعالب–كعادتها- غير متوافقة فيما بينها, فهي تعيش منافسة حادة ومخاصمة شرسة, وربما تشاجرت وتعاركت, ناهيك عن التصريحات والبيانات والتنديدات وغيرها من وسائل الخصام والنزاع فيما بينها. والمشهد برمته في الغابة المأهولة تسيطر عليه فصائل الثعالب, تكتظ الغابة بفعالياتهم ومهرجاناتهم, فهم لا يكلِّون ولا يملِّون. كل فصيل ثعلبي له قيادة ورؤية ومشروع وخيارات وثعالب صغار تثير الفوضى والشغب أحيانا. وفي الجانب الآخر من الغابة, تعيش جماعة الأرانب حالة انعزال سياسي, وهي عادة سرت بينهم عقودا من الزمن, ولكن استمرار الحال من المحال, والعاصفة الأخيرة التي اجتاحت الغابة من أقصاها إلى أقصاها, غيرت الرؤى والتصورات وخلطت الحسابات والتوقعات, ودبت حمَّى السياسة في كيان مجتمع الأرانب, وجنحت بعض الأرانب لتعيش هذا الجو الجديد, وسرى فيهم حراك سياسي ولكنه غير مرتب ولا منضم ولا متماسك. وكان من الطبيعي أن تؤدي العواصف إلى تداعيات غير مرغوبة على الساحة العامة, لذا برزت صور من التناقضات -إن صح الإطلاق- عند أفراد من الأرانب, وحدثتهم نفوسهم, ومالت قلوبهم صوب حزب الثعالب, ورضوا بأن يكون أحد أدوات معركته مع خصومهم. والسؤال: لماذا أصبحت هذه الأرانب ترتدي فرو الثعالب وتزعق بصوتها وتحفل بقادتها, مع عراقة العداء بين الاثنين؟ عدة احتمالات يمكن للمتابع أن يخرج بها من غرابة هذا الموقف: ربما أغرتهم –أي الأرانب- حالة الانتعاش السياسي الثعلبي, واستمالت قلوبهم حالة الزخم المهرجاني والفعاليات التي تقيمها فصائل حزب الثعالب, ومعلوم أن بريق الشهرة ساحر,ولمعانه باهر,تطرب له النفوس. وربما حالة الركود السياسي أو انعدامه الذي عرف به مجتمعهم الأرنبي,بسبب المواقف الثابتة منذ عقود من السياسة وذويها. وربما –ثالثة- حالة التباطء أو الموات التي يتحرك بها المجتمع الأرنبي مع كل أزمة وحدث, فتارة يفضِّل المراقبة عن بعد, وتارة أخرى يدرس الخيارات بتمهّلٍ وتروٍّ مملٍّ ولا يهتم بسرعة الحدث, ورابعة يغرق في حفرة الرصد ولا يستطيع الخروج منها, وغيرها من التأويلات والاجراءات التي باتت وكأنها ترصد حركة الشمس ودوران الأرض, وهي لا تعد عن كونها مبررات لحالة الضعف وقلة الخبرة وعدم القدرة على مجاراة مَن في الساحة أو التعاطي مع الحدث. وقد يكون السبب يعود للجزرة التي يلوَّح بها حزب الثعالب مما جعل هذه الأرانب تهرول مسرعة نحوها, غير مدركة للأبعاد والمآلات, ومعلوم لأدنى منشغل بالسياسة؛ ماذا تعني (سياسة العصا والجزرة). هنا ذابت كل مراحل العداء والصراع التاريخي بين الفريقين, وأكثر المستفيدين من تضارب المواقف وفوضى الخلط الفكري واهتزاز قاعدة الثوابت, هو حزب الثعالب, فعندما تضم قائمته ثلَّة من الأرانب فإن هذه شهادة بحسن السيرة والسلوك الديمقراطي. الان أصبحنا نعتاد رؤية تلك الأرانب على خشبة فعاليات حزب الثعالب وهم يصطفون ويصفقون ويخطبون وتعلوهم صورة كبير الثعالب المحترم, وهي في طريقها لتكون صورة نمطية تقليدية, في لحظة صمت أرنبي مطبق. ولذا إذا لم يستدرك مجتمعُ الأرانب الأمرَ ربما نجد أفواجا أخرى تتقاطر نحو منصة حزب الثعالب. وفي تصوري واعتقادي أن وجود أرانب في حزب الثعالب, معناه تراجع في الثوابت, أو استسلام لنزعات النفس الطماعة, ورغبة في دنيا فانية, أو الخلل الكبير الذي يعصف بمجتمع الأرانب. وكل ما أستطيع قوله أن هذه الثُّلَّة من الأرانب وقعت في خَلَلٍ عظيم, وغامَرَت بمبادئها وثوابتها, ولن تستطيع أن تتقن دور المتقمِّص لشخصيتين متضادتين في ذات الوقت, بَلْهَ أن تمارس هذا الدور مع الثعالب أساتذة المكر والحيل والخداع. كما أنه من الصعوبة بمكان أن تجدلها في جحور الثعالب ما يروي ظمأها ويُشبع جوعتها. هم أخطئوا التقدير والحساب فأضلوا الطريق, وفارقوا جماعتهم, عسى الله أن يردهم ردا جميلا.