بارك للشعب الإيراني انتخاب المرشد آية الله مجتبى الخامنئي... الرئيس المشاط: اختيار القائد الجديد يعد مؤشراً على قوة الدولة وتماسكها    فلسطينُ هي الضَّميرُ الحيُّ لأحرارِ العالمِ أجمعَ    الحرس الثوري الإيراني: ضرباتنا ستزداد حجماً وعمقاً    نائبا وزيري الإدارة والتنمية المحلية والداخلية يناقشان سُبل تنظيم مهام عُقّال الحارات    وزارة التربية تعلن جداول اختبارات الشهادة العامة الأساسية والثانوية للعام 1447ه    شرطة المرور تدشّن العمل بنظام لواصق التجديدات للمركبات    نهاية الطغيان في يوم الفرقان    غزوة بدر الكبرى.. عوامل النصر والتمكين    إلى الجنوبيين في الداخل والخارج    وصلنا إلى عصر التفاهة... والعليمي يلاحق شيخًا قبليًا من جذور الجنوب    من حرب الخليج الأولى إلى اليوم: سجل الإخوان يكشف أزمة الولاء الوطني    وفاة الفيلسوف الماليزي العلاّمة سيد محمد نقيب العطاس، اليوم 8 مارس 2026 في كوالامبور:    الدوري الاسباني: التعادل الايجابي يسيطر على لقاء اشبيلية ورايو فاليكانو    صنعاء.. الإفراج عن المعتقل عبد السلام قطران    تحوّلات الصوت النسوي في زمن الإبداع الرقمي: مقاربة تحليلية في الصوتيات النسوية وتفعيل حضور المرأة المعرفي    حكايات من الذاكرة بين رمضان الأمس و رمضان اليوم    هزيمة ايران بداية الفوضى في المنطقة !    إدارة أمن ذمار تُحيي ذكرى غزوة بدر واستشهاد الإمام علي عليه السلام    تدشين تنفيذ مبادرة مجتمعية في القطاع الرياضي بريمة    دولة حضرموت تمر وسمبوسة    أمسيات في حجة بذكرى استشهاد الإمام علي ويوم الفرقان    "الغارديان": بريطانيا تملك مخزون غاز يكفي ليومين فقط    الدوري الايطالي: ميلان يحسم الديربي لصالحه ضد غريمه الانتر ويشعل الصراع من جديد على لقب السكوديتو    تسجيل هزة أرضية رابعة في خليج عدن    نزع 1263 لغماً وذخيرة خلال أسبوع    قرار جديد لحماية الأحياء البحرية والمخزون السمكي    وفاة لاعب كرة قدم كويتي سابق خلال اداء واجبه الوطني    لوحات خامنئي في صنعاء.. رسائل ولاء لإيران من وسط جوع اليمنيين    الإرياني: الحوثيون يحاولون تصوير الصراع كمعركة دينية لخدمة إيران    رئيس إصلاح المهرة: المحافظة نموذج للتعايش بفضل وعي أبنائها    وزير الأوقاف الوادعي يدعوا الجنوبيين للدعاء لولي الأمر رشاد العليمي... وإن شرب الخمر واللواط والزنى علنا (وثيقة)    سيئون تحتضن أطول سفرة إفطار صائم صدقة على أرواح شهداء القوات المسلحة الجنوبية في صحراء حضرموت    تفاصيل ضبط فتاتين متهمتين بسرقة مواطن مصري الجنسية بعدن    بحضور اللواء سالم السقطري ومحافظ عدن الشيخ .. تدشين المعرض الوطني للبن والتمر في عدن برعاية حكومية وحصرية من (كاك بنك)    أساطير ليفربول: جونسون يرشح "فريمبونج" لخلافة محمد صلاح    تقرير أممي: الأمن الغذائي يتفاقم في اليمن وواردات الغذاء عبر موانئ البحر الأحمر ارتفعت بشكل غير مسبوق    الحرس الثوري الايراني يعلن اطلاق صواريخ برؤوس حربية ثقيلة    وفاة رجل أعمال يمني شهير    صنعاء.. التربية والتعليم تحدد موعد اختبارات الشهادتين الأساسية والثانوية وتنشر جداول الاختبارات    شرطة مأرب تمنح سائقو الدراجات النارية 24 ساعة لإخراجها من داخل المدينة    تدشن بطولة البرنامج السعودي لكرة اليد للأندية بمحافظة مأرب    ضيف لا يُحتمل.. مانشستر سيتي يزور ريال مدريد برقم مرعب    نزيل جديد.. مستشفى ريال مدريد تكتظ بالنجوم قبل موقعة السيتي    أمسية تأبينية في خنفر لإحياء ذكرى الشاعر سالم العوسجي    لامين يقود برشلونة لهزم بلباو ومواصلة تصدر "الليغا"    رحيل أحمد درويش.. صوت النقد العربي الحديث    المرأة وصوت الحضور: رسالة تحليلية إلى المرأة في مواجهة البنية الذكورية    وزارة النقل تنفي فرض رسوم مخاطر الحرب على البضائع في الموانئ اليمنية    الصيام بين الفوائد والمخاطر.. ررؤية علمية من طبيب متخصص    ارتفاع رسوم نقل الحاويات إلى الموانئ اليمنية تلقي بضلالها على الاسعار    انهيار مبنى أثري في محافظة إب وأضرار تطال محلات ومنازل مجاورة    معاني "العدل" في القرآن    استئصال ورم ضخم يزن 4 كجم من رحم امرأة في ذمار    "حضن عائلي" يشعل جدلاً حول "جرأة" الدراما اليمنية (صور)    الإفطار على المقليات في رمضان خطر يهدد الصحة    رمضان في صنعاء .. قصة عشق روحية لا تنتهي    صنعاء.. وفاة طفلة بسبب خربشة قطة    صنعاء.. وفاة طفلة بسبب خربشة قطة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ضغوطات سعودية لبدء احتواء الطعنة الإماراتية بعدن
نشر في مأرب برس يوم 18 - 08 - 2019

بعد مرور ما يزيد عن أسبوع، على الانقلاب الذي شهدته مدينة عدن جنوبي اليمن، وأفضى إلى سيطرة الانفصاليين من "المجلس الانتقالي الجنوبي"، المدعوم من الإمارات على العاصمة المؤقتة، وفيما كان لا يزال الجدل يدور بشأن دور السعودية وموقفها مما يجري، تحرّكت المقاتلات السعودية فجر أمس السبت مهددة القوات الموالية للإمارات بقصفها ما لم تنسحب من المواقع التي سيطرت عليها خلال الانقلاب وترفض إخلاءها. أما الأخيرة، فلم تتوان عن تهديد السعودية والتلويح بأنها ستلجأ إلى "إشعال الجنوب"، قبل أن تتوالى معلومات عن بدء انسحاب المليشيات من المقرات التي كانت سيطرت عليها. وجاءت التطورات المتسارعة لتشير إلى بدء السعودية احتواء التمدد الانفصالي في العاصمة المؤقتة. ويبدو أنّ التحرّك السعودي، الذي ظهر أنه أقرب إلى ردّ على الطعنة التي وجهتها أبوظبي لحليفتها الرياض، أتى مدعوماً من الولايات المتحدة، لا سيما بعد أن أكد مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية أن واشنطن "تدعم يمناً موحداً ولا تتغاضى أبداً عمّا فعله المجلس الانتقالي الجنوبي".
وشهدت عدن، فجر أمس السبت، تحليقاً مكثفاً لمقاتلات حربية، أطلقت قنابل ضوئية باتجاه عدد من المواقع الخاضعة للمليشيات، في وقتٍ أعلنت فيه التشكيلات الموالية للإمارات أن الطائرات السعودية تطالبها بالانسحاب وتهدد بقصفها.
وجاءت الخطوة بعد المسرحية التي نفذتها المليشيات التابعة للانتقاليأول من أمس الجمعة، والتي تضمنت انسحاباً لبعض الوقت من مواقع سيطرت عليها قبل أن تعود إليها مجدداً، ما عد استهزاء جديداً بالسعودية التي أرسلت الجمعة لجنة لاستلام المواقع التي سيطر عليها الانفصاليون الموالون للإمارات.
وأكد سكان ل"العربي الجديد" أن الطائرات الحربية حلقت على ارتفاع منخفض في سماء عدن، وأطلقت قنابل ضوئية فوق معسكرات تسيطر عليها قوات ما يُعرف ب"الحزام الأمني" الموالية للإمارات. ووفقاً لمصادر قريبة من الحكومة، فقد جاء التحليق بعد ساعات من انتهاء مهلة حددتها السعودية لمليشيات "المجلس الانتقالي الجنوبي" الانفصالي للانسحاب من المواقع التي استولت عليها قواته في عدن أخيراً، الأمر الذي حاولت الأخيرة الالتفاف عليه.
ورداً على ما اعتبرها "تهديدات السعودية"، قال اللواء الخامس في قوات الدعم والإسناد والمعروفة ب"الحزام الأمني"، فجر السبت، إن الطائرات السعودية تهدد بقصفه، بعدما طلبت من قوات اللواء الانسحاب من القصر الرئاسي الذي استولت عليه في عدن. وقال اللواء في بيان اطلع "العربي الجديد" على نسخة منه: "طلبوا منا الانسحاب من القصر ومحيطه فانسحبنا، فكانت نواياهم بأن ترحل كافة قواتنا عن عدن، وهذا لا يمكن أن نرتضيه ما دامت أروحنا في أجسادنا".
وأضاف البيان "للأسف الشديد تعرضنا لتهديدات بالقصف، والآن وفي هذه اللحظات (البيان صدر بحدود الثالثة من فجر أمس) تقوم الطائرات السعودية بإطلاق صواريخ ضوئية على معسكر قواتنا في مقر اللواء الخامس دعم وإسناد في ردفان (بمحافظة لحج) في محاولة منها للكشف وربما القصف والاستهداف". وهددت القوة المدعومة إماراتياً بأن أي استهداف لها سيجعل من الجنوب "كتلة مشتعلة ستحرق ما تبقى من سلام واستقرار في اليمن، والذي لم ولن تسلم منه السعودية".
وتابع البيان: "نودّ أن نوصل رسالتنا إلى كلّ أبناء شعبنا الجنوبي العظيم، بأنّ هذه الوسائل لا ولن ترهبنا، بل تزيدنا إصراراً وعزيمةً، فنحن قد عاهدنا الله وعاهدنا شهداءنا بأننا على دربهم لسائرون ولو ننتهي عن آخرنا"، مضيفاً: "لن نتراجع ولن نتزحزح ولن تخيفنا طائراتهم، فعزيمتنا كالجبال ولن تنحني وفي حال تعرضنا لأي قصف سيلاقون الردّ من شعب الجنوب وكافة قادته".
لكن هذه التهديدات من قبل اللواء الخامس خالفتها التطورات على الأرض لاحقاً، حيث توالت المعلومات عن بدء انسحاب الانفصاليين من المقرات التي كانوا سيطروا عليها. وفي السياق، قال التحالف السعودي الإماراتي في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية "واس"، "إنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف تثمن استجابة الحكومة اليمنية الشرعية للدعوة لضبط النفس أثناء الأزمة وتغليبها لمصالح الشعب اليمني ومحافظتها على مكاسب تحالف دعم الشرعية في اليمن لأجل إعادة الدولة ومؤسساتها"، مضيفاً "كما تثّمن استجابة الانتقالي في عدن لدعوة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لوقف إطلاق النار وتغليب الحكمة ومصالح الشعب اليمني، وعدم الإضرار بها أو المساس بالممتلكات العامة والخاصة، وبدأها اليوم (أمس) بسحب قواتها وعناصرها القتالية والعودة إلى مواقعها السابقة قبل الأحداث الأخيرة، وتسليم مقرات الحكومة اليمنية وبإشراف من التحالف".
وفيما لم يحدد بيان التحالف المقرات التي انسحب منها الانفصاليون، سرت أنباء عن تسليم منطقة المعاشيق كاملة التي تضم مقرّ الرئاسة والحكومة، لقوات اللواء الأول حماية رئاسية بقيادة العميد سند الرهوة الذي كان يمسك المنطقة. كذلك، أشارت أنباء إلى تسليم البنك المركزي والمجمع القضائي، وبعض المرافق الحكومية.
وبحسب المعلومات التي توفرت ل"العربي الجديد" فإن معسكر اللواء الرابع حماية رئاسية الذي كان يقوده اللواء مهران القباطي (تتضارب الأبناء حول مصيره بعد المعارك الأخيرة) تمّ تسليمه للواء الثاني عمالقة. ووفق مصادر من هذا اللواء، فإن قوات "الانتقالي" نهبت فيه كل شيء بما في ذلك النوافذ.
وفي سياق متصل، نشر الموقع الرسمي لقوات ألوية الدعم والإسناد خبراً عن توجيه قائد التحالف العربي بعدن العميد راشد الغفلي، قيادة ألوية "الحزام الأمني" بالاعتذار لأسرة القباطي بعد تعرّض منزلها الواقع في منطقة اللحوم شمالي عدن ل"اعتداء بعض المحسوبين على الأجهزة الأمنية"، صباح أول من أمس الجمعة.
وبالتزامن مع التحركات السعودية، برز أول من أمس موقف أميركي حول التطورات في عدن أخيراً، ما عد بمثابة غطاء من واشنطن للرياض. وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية في تصريحات صحافية، أول من أمس الجمعة، إنّ "الولايات المتحدة تدعم يمناً موحداً، ولا تتغاضى أبداً عما فعله المجلس الانتقالي الجنوبي". ودعا المسؤول الأميركي الأطراف في اليمن "للتوصل إلى اتفاق متفاوض عليه ينهي ما يعتبر إلهاء عن التهديد الاستراتيجي الذي يشكله الحوثيون المدعومون من إيران ضد السعودية".
وأضاف المسؤول الأميركي أنّ "ما جرى في جنوب اليمن إلهاء وأمر غير مساعد وهو إزاحة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً". وشدد على أنّ "السعودية تعمل على وساطة لسحب المجلس الجنوبي وإعادة تشكيل الحكومة"، مؤكداً "أنّ واشنطن تدعم ذلك". وأشار إلى أن "السعوديين يتحدثون مع الإماراتيين الذين يقال إنّ لهم علاقات مع المجلس الجنوبي وسنرى ماذا سيحصل"، في ما بدا أنه تجنب لاتهام أبوظبي على نحو مباشر منعاً لمزيد من التوتر العلني معها سواء من قبل الرياض أو واشنطن.
وقبل هذه التطورات، كان الجدل دائراً بشأن موقف السعودية مما يحصل في عدن، بوصفه "حجر الزاوية"، إذ انقسم التقييم بين رأيين. الأول رأى أنّ الرياض شريك أساسي في "المؤامرة" إن لم تكن محركها الأساس، فيما ذهب الآخر إلى أنّ أبوظبي استعجلت بتنفيذ أجندتها وطعنت الرياض من الظهر، لتضع الأخيرة في موقف هو الأصعب، منذ بدء تدخلها العسكري في اليمن في العام 2015، خصوصاً بعد أن عمدت قيادات بارزة في المجلس الانفصالي إلى تهديد الرياض وابتزازها علناً بالتزامن مع المضي في خطوات تصعيدية جديدة.
وفي الوقت الذي ركزت فيه وسائل الإعلام السعودية يوم الخميس الماضي، على الترويج لبدء "الانتقالي" الانسحاب تجاوباً مع جهود الرياض، خرج المجلس ببيان لافت، ومثير للجدل، أقرب لكونه إعلاناً سياسياً ببدء ترتيب سلطات "الانفصال"، بما في ذلك إصدار التوجيهات إلى السلطات المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية، على نحوٍ يتجاهل بشكل كلي المزاعم السعودية التي تم الترويج لها وقتها، بقبوله الانسحاب من المواقع التي استولى عليها، تمهيداً للحوار مع الحكومة تحت رعايتها في مدينة جدة.
ومن أبرز ما حمله البيان، أن مختلف مضامينه، التي شددت على ألا تراجع عن هدف "الانفصال" أو "استعادة دولة الجنوب" كما يسميها المجلس، جاءت لتنسف كل ما روّج له الجانب السعودي على نحوٍ قاد إلى تقييم من أحد اثنين؛ الأول باعتبار الرياض في صلب ما يصفه يمنيون ب"المؤامرة"، وبأنها تبيع وهماً للمسؤولين الحكوميين والتصريحات في وسائل الإعلام، والآخر أنها في موقفٍ ضعيفٍ، يقابله تهور إماراتي، لا يأبه للتبعات التي تتحملها السعودية أولاً وأخيراً، سواء بوصفها تقود التحالف ووقوع البلاد تحت ما يشبه الوصاية منها، أو لمعطيات التاريخ والجغرافيا وما إلى ذلك مما يربط البلدين.
وأتى الرأي السائد لدى عدد غير قليل من اليمنيين، باعتبار الرياض شريكة أو مسؤولة عن مختلف ما جرى في عدن أخيراً، انطلاقاً من العديد من الاعتبارات، أولها التاريخ، إذ تمت الوحدة اليمنية في العام 1990، من دون أن تكون موافقة لرغبتها، فضلاً عن أنها شاركت بدعم المحاولة الانفصالية خلال الحرب الأهلية في العام 1994، إلى جانب أدوار سابقة أدتها الرياض، رسخت اعتقاداً في الأوساط اليمنية بسعيها لإضعاف وتقسيم البلاد.
إلى جانب ذلك، واعتباراً من منتصف العام 2015، تاريخ تسلّم الإمارات لواجهة نفوذ التحالف في مناطق جنوب اليمن، وشروعها بممارسات وسياسات تعزز من تقسيم البلاد، وتقديمها الدعم اللامحدود للمطالبين بالانفصال، فإنّ كل ذلك حدث تحت سمع وبصر الرياض. إن كانت الأخيرة في سياساتها وخطاباتها الرسمية وعلاقاتها مع الأطراف اليمنية لا تؤكد سوى على دعم الحكومة الشرعية ووحدة "الشعب اليمني"، غير أنها في المقابل، لم تتخذ أي خطوة خلال السنوات الماضية تمنع الأمور من الوصول إلى ما وصلت إليه، باستثناء فرض التهدئة عقب محاولة انقلاب "الانتقالي" في يناير/كانون الثاني 2018، في مقابل عدم إظهار ما يتطلبه الموقف في ما يتعلّق بعودة الرئيس عبدربه منصور هادي وأعضاء حكومته إلى مدينة عدن.
ومن مختلف معطيات التاريخ والممارسات خلال السنوات الماضية، أتى الموقف السعودي خلال أحداث عدن الأخيرة، قبل خطواتها أمس، ليعزز من وضع الرياض في قفص الاتهام. إذ لم يكن هناك أي تحرّك لقواتها أو مسؤوليها يرقى إلى وقف التصعيد ومنع الانفصاليين من إسقاط معسكرات الحماية الرئاسية ومقرات الحكومة، بآليات عسكرية إماراتية. وعلى الرغم من امتداد المواجهات لأيام، تُركت خلالها قوات الانفصاليين لتحسم المعركة ميدانياً وتستقدم التعزيزات والدعم المباشر من أبوظبي، قبل أن تخرج الرياض بعد ساعات طويلة من إكمال السيطرة، ببيان شديد اللهجة يهدد ب"استخدام القوة" لفرض وقف إطلاق النار، الذي كان توقف بالأصل، ويطالب بالانسحاب، وهو موقف بدا وقتها محاولةً لإرضاء الجانب الحكومي والتهرب من المسؤولية.
وفي السياق، جاءت دعوة الرياض إلى كل من الحكومة اليمنية والأطراف المسؤولة عن التصعيد في عدن (المجلس الانتقالي) للحوار تحت رعايتها، لتعزز من وضع الرياض في موقع المسؤولية عن انقلاب عدن ضد الشرعية التي تزعم دعمها بحرب مدمرة منذ سنوات بحسب ما رأى كثيرون. إذ بدت دعوة الحوار كما أنها محاولة لشرعنة "الأمر الواقع"، وعلى نحوٍ يحاول أن يضفي جانباً من الشرعية لسيطرة الانفصاليين في عدن. ولأن الدعوة بدت أشبه بتكتيك "مفضوح"، لاقت تعليقات ساخرة في الأوساط اليمنية، سارعت الرياض إلى الاستدراك، بالقول إنّ الحوار يجب أن يسبقه انسحاب "الانتقالي" من المؤسسات والمعسكرات التي استولى عليها.
كل ذلك، يمكن أن يضاف إليه عامل محوري أدى إلى اعتبار البعض أن للسعودية دوراً في ما يحدث، ويتعلق بكون ما شهدته عدن ليس مجرد حدث عابر، بل قضية مصيرية لليمن. وبالتالي فإنّ المنطق يجعل السعودية التي تقود الحرب منذ سنوات، بمبرر دعم "الشرعية" بمواجهة مشروع إيران في اليمن، هي المسؤول عما يدور، أو لا يمكن أن يكون قد تم بمعزل عن رغبتها، وخصوصاً أن القادة اليمنيين من الرئيس عبد ربه منصور هادي، إلى رئيس الحكومة معين عبد الملك، يتواجدون في السعودية، وبدوا كما لو أنهم مقيدون عن اتخاذ قرارات قوية، من شأنها أن تؤثر في مسار الأحداث جنوباً.
من زاوية أخرى، وفي مقابل المعطيات التي عززت لدى الكثيرين الاعتقاد بمسؤولية الرياض عن انقلاب عدن وما لذلك من تبعات في الحاضر والمستقبل، بقي للتقييم الآخر الذي مفاده بأنّ أبوظبي تمارس انقلاباً على الرياض، ما يعززه، بالنظر إلى الموقف الصعب الذي تضع فيه التحولات الرياض أمام مأزق حقيقي، خصوصاً مع التصريحات التي أطلقها قادة "المجلس الانتقالي"، بما فيهم القيادي السلفي هاني بن بريك، والذي أعلن أن لا قبول بالدعوة السعودية، ولو استخدمت القوة. ولمّح الأخير إلى أنهم يمكن أن يصمدوا لسنوات، على غرار الموقف بالنسبة لجماعة "أنصار الله" (الحوثيين)، والذين لم ينجح الخيار العسكري بالحسم ضدهم منذ ما يقرب من خمس سنوات.
إلى جانب ذلك، وبالنظر إلى جملة من الضغوط التي يواجهها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، داخلياً وخارجياً، على إثر الحرب وآثارها الكارثية في اليمن، وغير ذلك من الملفات، كلها تضع الجانب السعودي بموقف ضعيف، أمام موقف الإمارات، التي استدارت أخيراً لمد خطوط علاقاتها مع إيران، وبدت كما أنها تترجم هذا التحول في موقفها، بإسقاط "الشرعية"، الأمر الذي يعد الحوثيون المستفيد الأول من حصوله. في حينٍ قد لا يمكن تصور حسابات الرياض إزاء بقاء التحالف علناً مع أبوظبي، بعد أن كان الإماراتيون العضو الرئيسي في التحالف، إن لم يكونوا هم من يتخذ القرار، في الواقع، منذ سنوات.
وتعزّز موقع الرياض ك"ضحية"، أو طرف غير مشارك على الأقل بانقلاب عدن، معطيات أخرى، أبرزها أن اليمن ومهما كانت الإمارات هي من يتصدر الواجهة، تبقى مسؤولية أي تحول من هذا النوع تقع على عاتق السعودية بشكل مباشر. فالأخيرة ترتبط بأطول شريط حدودي مع اليمن، بما يعرضها للمساءلة مستقبلاً ويغرس حالة من العداء في أوساط اليمنيين ضدها، تتجاوز أجيال الحاضر إلى المستقبل. كل ذلك، يٌضاف إلى أن السعودية تستمد "مشروعية" تدخلها من شعاراتها وأهدافها المعلنة بدعم "اليمن" وحكومته الشرعية.
ويؤدي الانقلاب ضدّ الحكومة المعترف بها دولياً، إلى سحب المشروعية التي يتحدث عنها التحالف، الأمر الذي لمّح إليه، وزير الخارجية اليمني السابق عبد الملك المخلافي الذي قال، إنّ "على التحالف العربي أن يدرك حجم ما حدث في عدن ومخاطره حتى وإن كانت بعض أطرافه مشاركة في ذلك"، في إشارة إلى الإمارات. وأضاف أنّ "أوّل ما يجب إدراكه أنّ اليمنيين فقدوا ثقتهم بالتحالف العربي الذي أيدوه وأعطوه مشروعية عززت المشروعية القانونية من السلطة الشرعية والمجتمع الدولي ولا شك أنّه سيكون لذلك عواقب يجب التفكير بها".
في الإطار ذاته، فإنّ تصريحات حلفاء الإمارات التي نسفت محاولات "الترقيع" الإعلامي من قبل الرياض خلال الأيام الأخيرة، بالحديث عن قبول "الانتقالي" بالانسحاب، فضلاً عن الانطباع الذي حول التحالف إلى مادة للسخرية، إذ يعلن أنه يحارب في اليمن انقلاباً ضد "الشرعية"، ليقتفي أثر الحوثيين أخيراً، بتنفيذ انقلاب على الشرعية في العاصمة الثانية، يكاد يكون نسخة مكررة لما شهدته صنعاء قبل سنوات، كل ذلك، وإن كان لا ينفي بالضرورة تواطؤ السعودية، إلا أنه يعزز أنها في موقفٍ لا تحسد عليه على مختلف المستويات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.