لا يمكن لأي أمة أن تواجه عدوها بفاعلية ما لم تفهم منطلقاته الفكرية والثقافية التي تحرك سلوكه وتوجّه قراراته، هذا ما أكّد عليه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) حين أشار إلى أن تحركات اليهود ضد الأمة الإسلامية ليست تحركات سياسية تقليدية، بل تنطلق من خلفيات دينية وثقافية متجذرة، لم يكن ذلك مجرد توصيف عابر، بل تأصيل لفهم سياسي عميق يُعيد تعريف السلوك السياسي بوصفه نتاجًا لمنظومة قيمية وعقائدية، لا مجرد استجابة لظرف أو مصلحة آنية، وما يُميّز هذا التشخيص أن الشهيد القائد قدّمه من خلال قراءته الهادية والمستنيرة للقرآن الكريم، حيث يُبرز النص القرآني أن العداء اليهودي متأصل، ومرتبط بمنظومة من القيم الفاسدة والانحرافات التاريخية، التي ما تزال تدفعهم نحو العدوان والاستكبار. بهذه الرؤية، أراد الشهيد القائد أن ينقلنا من سطح الحدث إلى عمقه، من الموقف إلى المنطلق، ومن السلوك إلى الاستراتيجية، فالسلوك السياسي لأي فاعل- سواء كان دولة، كيانًا، أو منظومة- لا يمكن تحليله أو تفسيره دون فهم الخلفية الثقافية والأيديولوجية التي تشكّل رؤيته لنفسه وللعالم من حوله، هذه الخلفية هي التي تحدد الأهداف، وتصوغ المصالح، وتوجّه الإدراك نحو البيئة الخارجية، ومن رحم هذا الإدراك، تولد السياسات وتُبنى الخطط وتُنفذ الأفعال، وهذا يشبه إلى حدٍّ كبير طريقة تفكير القبطان الذي لا يوجّه سفينته بناءً على شكل الأمواج الآنية، بل وفق خريطة مسبقة وإدراك لطبيعة البحر ومناطقه الخطرة وموانئه المحتملة، هكذا يفعل السياسي، حين تكون رؤيته متمركزة حول معتقداته وهويته. إن الإدراك السياسي ليس حياديًا ولا مجرد قراءة للواقع، بل هو انعكاس مباشر لما يحمله الفاعل من أفكار وقيم ومفاهيم، ولهذا، فإن أي استراتيجية تُصاغ لا تُبنى على مجرد حسابات مادية، بل على تصورات ثقافية، تتحكم في تفسير الواقع وتوجيه الفعل، وفي هذا السياق، يصبح السلوك السياسي هو الأداة التنفيذية التي تُحوّل تلك التصورات إلى خطوات عملية، وهذا ما يجعل من تحليل العقيدة الثقافية للعدو مدخلًا لا غنى عنه لفهم قراراته، ومآلات تحركاته، وحدود احتمالاته. ومن هنا، فإن تحركات الكيان الصهيوني ضد شعوب أمتنا، لا يمكن التعامل معها كأفعال معزولة أو ظرفية، بل يجب قراءتها في إطار مشروع استعلائي، يتغذى على خطاب توراتي استيطاني، ويستبطن عداءً جوهريًا للإسلام والمسلمين، وهذا الفهم لا ينطبق فقط على الصهيونية كحالة، بل يُشكل قاعدة تحليلية يمكن إسقاطها على أي فاعل إقليمي أو دولي، فحين نغفل عن فهم الخلفيات الثقافية والاستراتيجية لأي طرف، فإننا نقع في فخ التفسير التقني البارد للسلوك، وهو ما يُنتج قراءة منقوصة ومضلِّلة في كثير من الأحيان. وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن السياسات التي تتخذها الفواعل الدولية لا تأتي في سياق مغلق، بل تُواجَه باستجابات من البيئة السياسية المحيطة، ما يؤدي إلى تفاعلات معقدة تحدد طبيعة العلاقات التي تنشأ بين الأطراف، هذه التفاعلات قد تكون صراعية حين تتصادم الرؤى والمصالح، أو تنافسية حين يسعى كل طرف إلى تعزيز مكاسبه دون الوصول إلى الصدام، أو تعاونية حين تتقاطع المصالح على أرضية مشتركة، ومن طبيعة هذه التفاعلات تتشكل أنماط العلاقات الدولية، التي لا تُبنى على المجاملة أو الشعارات، بل على نتائج التفاعل المتكرر. ومع تراكم هذه العلاقات، تنشأ تحالفات ومحاور وتكتلات، تُعيد توزيع موازين القوة على المستوى الدولي، فحين تنسجم الرؤى وتتقارب المصالح، يظهر التحالف التعاوني، وحين تحتدم المواجهة على النفوذ أو القيم، تتشكل المحاور الصراعية، أما عندما تسود الرغبة في الاحتواء والسيطرة دون الانزلاق إلى الصدام، فإن التكتلات تتخذ طابعًا تنافسيًا هشًا، وكل نمط من هذه الأنماط يؤثر بشكل مباشر في بنية النظام الدولي، ويعيد رسم خريطته وفق موازين قوة جديدة. وبحسب درجة تركّز القوة بين الفاعلين، تتحدد طبيعة النظام العالمي، فإن هيمنة قوة واحدة على أدوات التأثير، نشأت الأحادية القطبية، وإذا توازنت قوتان كبيرتان في التأثير، ظهر النظام الثنائي القطبية، أما إذا تعددت مراكز القوة وتوزعت التأثيرات بين أكثر من طرف، فإننا نكون أمام نظام تعددي، قائم على توازن هش، ومحكوم بمنطق التفاوض والمناورة، وفي الفترات الانتقالية، حين تتغير التحالفات وتتشكل موازين جديدة، تدخل المنظومة الدولية في حالة من السيولة البنيوية، تعكس اضطرابًا في مراكز النفوذ، وتحولات لم تستقر بعد على شكل واضح أو مستقر. وفي هذا المشهد العالمي المتغيّر، تبقى الرؤية التي قدّمها الشهيد القائد واحدة من أكثر الرؤى قدرة على تفسير الواقع وكشف منطلقات السلوك السياسي للعدو، وتحديد موقع الأمة في خارطة الصراع، إنها رؤية لا تكتفي بوصف ما يجري، بل تشرح لماذا يجري، وكيف يجب أن نواجهه، وما هي الأدوات التي ينبغي أن نمتلكها لنفعل ذلك بوعي واستبصار، ليست الرؤية القائمة على تحليل الاستراتيجية والمنطلقات مجرد ترف فكري، بل ضرورة عملية لبناء موقف سياسي متماسك، ومشروع مقاومة واقعي وفاعل. ففي عالم تتبدل فيه التحالفات بسرعة، وتتقاطع فيه المصالح بين الأصدقاء والأعداء، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم بحسب الحاجة والضغط، لا يملك من لا يمتلك الوعي أدوات الصمود، ناهيك عن أدوات الفعل والتأثير، ولهذا، فإن الانتصار الحقيقي لا يبدأ من ساحة المعركة، بل من وضوح الرؤية، ومن القدرة على فهم العدو قبل مواجهته، وعلى تفكيك منطقه قبل التصدي له. وما لم نفعل ذلك، فسنظل نُفاجأ بسلوك الأعداء، ونفسّر مواقفهم على غير حقيقتها، ونخطئ في تحديد متى نهادن ومتى نواجه، ومتى نصبر ومتى نحسم، وهذا ما نراه اليوم- مثلًا- في تخبط بعض القوى التي تفاجأت من صمود غزة أو من عمليات اليمن، لأنها لم تكن تمتلك التصور الصحيح لمعادلات القوة والإيمان والهوية. إن معركتنا ليست فقط في ميادين القتال أو في مواقف السياسة، بل في عمق الوعي والفكر، فحين نفهم كيف يفكر العدو ولماذا يتحرك، نصبح أكثر قدرة على بناء مشروع تحرر يملك أدوات النصر، ويصنع مستقبله بإرادة مستقلة، وخطاب واعٍ، وقاعدة تحليلية لا تنخدع بالمظاهر، بل تنفذ إلى الجذور، وهي القاعدة ذاتها التي أرساها الشهيد القائد، وأراد لها أن تكون منارة للعقول، لا مجرد شعارٍ في المعركة، وهذا الفهم لا يكتمل إلا حين ننتقل من التشخيص إلى البناء، ومن تحليل سلوك العدو إلى وضع رؤية استراتيجية للمواجهة، وهو ما سنحاول التوقف عنده في مقالة قادمة، تُجيب عن سؤال جوهري: كيف نواجه هذا المشروع العدائي الممتد؟ وبأي أدوات نملك زمام المبادرة؟