تعيش اليمن منذ سنوات حالة معقدة وغامضة يُطلق عليها "اللاسلم واللاحرب"، وهي فترة تتسم بوقف محدود للعمليات العسكرية الواسعة دون التوصل إلى سلام شامل ومستدام. هذا الوضع الشائك لم يقتصر تأثيره على الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل ألقى بظلاله القاتمة على الواقع الثقافي اليمني، محولاً الساحة الثقافية من فضاء للإبداع إلى حقل يواجه تحديات وجودية تهدد هويته وتاريخه. تدهور المؤسسات وغياب الدعم الرسمي تُعدّ المؤسسات الثقافية الرسمية، كوزارة الثقافة والهيئات التابعة لها، من أكثر القطاعات تضرراً حيث تعاني هذه المؤسسات من: الغياب شبه التام للدعم المالي: أدت الأزمة الاقتصادية وتوقف صرف المرتبات في مناطق واسعة إلى شلّ حركة الإنتاج الثقافي ووقف الفعاليات الكبرى. الانقسام والتسييس: أصبحت بعض المؤسسات الثقافية خاضعة لسيطرة أطراف النزاع المختلفة، مما أدى إلى تسييس الثقافة وتوظيفها لخدمة أجندات بعينها، بدلاً من دورها الجامع للشعب اليمني. هجرة الكفاءات: دفع الفراغ الثقافي والصعوبات المعيشية الكثير من الأدباء، والفنانين، والمثقفين إلى الهجرة خارج البلاد، بحثاً عن بيئة تسمح لهم بمواصلة الإبداع والنشر. تحديات الإنتاج الثقافي والإبداعي يواجه المثقف والمبدع اليمني صعوبات بالغة في ظل هذه المرحلة منها : تضاءل فرص النشر والطباعة: أصبحت دور النشر والمكتبات المحلية قليلة جداً، مما يضطر الكثير من الأدباء إلى طباعة أعمالهم خارج اليمن بتكاليف باهظة، إن سمحت لهم الظروف بذلك. تأثير الخطاب العدمي: يرى بعض النقاد أن المرحلة أفرزت "واقعاً ثقافياً بائساً" وخطاباً عدمياً لا يخاطب المجموع، بل يتجه نحو تلبية احتياجات تجار الحرب أو الانخراط في خطاب التحريض، مما أفقد الإنتاج الثقافي هويته اليمنية الجامعة الواضحة. "سرقة" المثقفين: تحوّل الكثير من المثقفين والمبدعين إلى خنادق السياسة والصراع، وتخلوا عن قناعاتهم الإبداعية والحداثية في سبيل كسب الجمهور أو الانخراط في الصراعات الطائفية والمناطقية. التراث الثقافي: هدف للدمار والنهب يُعدّ التراث الثقافي والتاريخي لليمن، الذي يضم مواقع مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي كصنعاء القديمة وشبام حضرموت، وغيرها الكثير من المواقع الأثرية، الخاسر الأكبر في سنوات الصراع: الدمار المباشر وغير المباشر: تعرضت العشرات من المواقع الأثرية والقلاع التاريخية والمساجد والأضرحة للقصف المباشر وغير المباشر من تحالف العدوان وكذلك من قبل أطراف النزاع المختلفة، وأخر تلك المواقع ماتعرض له المتحف الوطني لأضرار جسيمة وتلف الكثير من مقتنياته الأثرية والتاريخية الفريدة نتيجة لقصف العدو الصهيوني الغاشم المجرم . النهب والتهريب: أدت حالة الفوضى وانعدام الرقابة إلى تنشيط تجارة الآثار المهربة، حيث فُقدت مئات المخطوطات الإسلامية النادرة والقطع الأثرية القديمة، التي نُقلت إلى الخارج. محاولات للمقاومة والصمود الثقافي رغم كل هذه التحديات، تظهر محاولات فردية وجماعية لتحريك المياه الراكدة في المشهد الثقافي، تُمثل مقاومة للنسيان واليأس: الرواية والشعر كمرآة للواقع: اتجه الإبداع اليمني، خاصة الرواية والشعر، إما إلى التاريخ للبحث عن هوية منكسرة، أو إلى الفئات الاجتماعية الأكثر تهميشاً لإسقاط الأوجاع والآلام عليها، كما أصبح المقال الصحفي هجاءً لاذعاً للواقع الأليم. الجهود الشبابية: برزت مبادرات شبابية في بعض المدن لتنظيم فعاليات فنية وأدبية وثقافية محدودة، رغم العقبات والعراقيل التي تواجهها. دور الفضاء الإلكتروني: أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية هي المتنفس شبه الوحيد للمثقفين لنشر إنتاجهم ومناقشة قضاياهم، متجاوزين بذلك الرقابة وغياب دور النشر. الخلاصة وتبقى الخلاصة إن الواقع الثقافي اليمني في فترة "اللاسلم واللاحرب" يعكس أزمة وجودية عميقة. هو واقع يتمزق بين مطرقة التدهور الاقتصادي والتسييس، وسندان الدمار والنهب لتاريخه العريق. ورغم هذه المأساة، يظل هناك أمل في الصمود الثقافي الذي يتجلى في محاولات المثقفين الحثيثة لاستعادة قيمتهم الإنسانية والوطنية والحفاظ على الذاكرة والهوية اليمنية من الضياع والتشرذم.