بعد مقتل الرئيس الغشمي عام 1978، أرسل الملحق العسكري السعودي في اليمن صالح الهديان رسالة إلى المستشار في الديوان الملكي علي بن مسلم، الذي يتبع مباشرةً الأمير سلطان بن عبدالعزيز - مسؤول الملف اليمني في المملكة - وكان من ضمن ما جاء فيها: "العرشي إداري، ولكن أبعاده السياسية محدودة، أشك في صلاحيته كمنفذ دون نقاش"، ثم يقول في رسالة أخرى: "أرى أن رجلنا هو علي عبدالله صالح المشترك بالقتل (أي قتل الحمدي). الشعب اليمني ملتهب، الموقف خطير". مشهد فاضح للخيانة والتآمر على اليمن، في ذلك الحين لم تكن صرخة "الموت لأمريكا" قد رفعت، ولم يكن فجر المشروع القرآني قد بزغ. الخيانة كلمة تُلخّص مجمل أنشطة النظام السعودي وسياسته التي ينتهجها في تمكين دول الاستكبار العالمي من السيطرة على الأمة وتكبيل نهضتها ومنع تقدمها، وفرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة. كما أن الخيانة معيار استعماري يقيس به المحتلون قابلية بقاء وكلائهم ووقت زوالهم؛ لذا نجد آل سعود وكلاء موثوقين لقرابة قرن من الزمن، فالمستعمر لم يشتمّ منهم أبدًا رائحة وفاء، أو طموح كرامة، أو همّ أمة. بل إن أولهم وآخرهم لا يترفع عن الخيانة لأمته وشعبه مهما بلغ فيها من السقوط والانحطاط. واليوم، بعد أن فشلت كل مقامرات آل سعود العسكرية، وتجلّت هزيمة قوى الاستكبار الصهيوني الأمريكي في اليمن، وتجلى مستوى الإجرام والطغيان الصهيوني في الإبادة الجماعية في قطاع غزة، تستمر الخيانة السعودية في تقديم خدماتها للأمريكان والصهاينة بصور وأشكال متعددة! هل يخدم النظام السعودي المشروع الصهيوني لوجستيًا؟ تشهد طائرات العدو أن وقودها سعودي. هل يخدم النظام السعودي المشروع الصهيوني اقتصاديًا؟ يتباهى ولي عهدها بتقديم قرابة اثنين تريليون دولار لترامب. هل يخدم النظام السعودي المشروع الصهيوني إعلاميًا؟ تجيبك قنواته الرسمية وغير الرسمية، وتصريحات مسؤوليه التي تتجاوز تصريحات إعلام العدو الصهيوني. هل يخدم النظام السعودي المشروع الصهيوني عسكريًا؟ تشهد عاصفة الحزم أنها كانت دفاعًا عن خطر يهتف بالموت لأمريكا وإسرائيل ولعن اليهود. هل يخدم النظام السعودي المشروع الصهيوني أمنيًا واستخباراتيًا؟ تشهد كل خلايا الجواسيس التي ألقت أجهزة الأمن اليمنية القبض عليها أن مصدر توجيهاتها وأوامرها وتمويلها كان سعوديًا. أما خلال هذه المرحلة بعد الجولة الثانية من معركة طوفان الأقصى، وبعد استشهاد القادة، وتدمير مقدرات الشعب اليمني، وترهيب الآمنين عبر خلايا التجسس والرصد، فإن الموضوع مختلف تمامًا ودلالته أكثر وضوحًا وجلاءً. تثبت عملية "ومكر أولئك هو يبور" أن النظام السعودي كيان عدواني لم ولن يتغير نهجه تجاه اليمن، مهما قدم اليمنيون من مبادرات حسن النوايا والكلمة الطيبة وغضّ الطرف. كما تثبت العملية أن الكيان السعودي هو كيان وظيفي له دور أساسي في اختراق جسد الأمة من داخلها، وتسهيل تغلغل الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية الهدّامة في اليمن والمنطقة. وفي اتجاه مختلف، تُعبّر العملية عن مستوى يقظة الأجهزة الأمنية اليمنية، وكفاءتها العالية في تفكيك شبكات التجسس الإجرامية، وتغلق أمام العدو السعودي ومشغّليه مشاريع التخريب وزعزعة الأمن والاستقرار في اليمن. كل تلك الأعمال التخريبية بارت وكُبت منفذوها كما كُبت الذين من قبلهم، بل أصبحت تلك المؤامرات وقودًا لوعي اليمنيين، يعزز قناعتهم وثقتهم بخيارات القيادة الثورية والسياسية، ويزيد من تماسك المجتمع اليمني، وضبط بوصلة نحو الأعداء الحقيقيين لليمن وللأمة الإسلامية. *مدير عام شرطة حراسة المنشآت وحماية الشخصيات