حذّر من عواقب إغلاق مقاره.. "الانتقالي الجنوبي" يؤكد تمسكه ب"استعادة الدولة"    كهرباء لحج تخرج نهائياً عن الخدمة بعد أيام من تصاعد ساعات الانطفاء    صحيفة: دولة خليجية تبلغ واشنطن استعدادها للمشاركة في قوة مهام بحرية لفتح مضيق هرمز    الحالمي: تناقض دعاة "الحوار الجنوبي" يكشف استهدافًا ممنهجًا للمشروع الوطني الجنوبي    الارصاد يرفع التحذير إلى إنذار.. تعمق أخدود المنخفض الجوي وتوقعات بأمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة    بين لعبة "بوبجي" والدوافع الغامضة.. العثور على طفل مشنوق في مدينة تعز    صعود جماعي للمعادن النفيسة.. والذهب يتجاوز 4428 دولاراً للأوقية    فرنسا تتفوق على البرازيل في ليلة اصابة رافيينا وديمبلي    لهذا السبب لا يمكن لإيران خسارة هذه الحرب!    مليون جندي إيراني جاهزون لمواجهة الهجوم البري    لماذا لا يمكن أن تكون السلفية بديلاً كاملاً للإخوان في اليمن؟    الإصلاح في قفص الاتهام: اغتيال صحفي في تعز يكشف رعاية الإخوان للفوضى الأمنية    العراق يواجه بوليفيا في ملحق مونديال 2026    نبلاء حضرموت.. إطلالة متميزة تجمع ممثل الرئيس الزُبيدي والكاتب "هاني مسهور"    الحالمي: استهداف المجلس الانتقالي وقيادته يكشف تناقض شعارات "الحوار الجنوبي"    الحديدة.. البحر يقبض أرواح شبان في إجازة عيد الفطر وخفر السواحل تنفذ أخرين    الإصلاح وعاصفة الحزم.. موقف وطني مبكّر لحماية الهوية ومواجهة المشروع الإيراني    السامعي: حزب الله يخوض ملاحم الأبطال الصامدين    بزشكيان يشكر بوتين بالروسية: دعم روسيا يلهمنا في الحرب ضد أمريكا وإسرائيل    محافظ شبوة: اليوم الوطني للصمود ملحمة وطنية صاغتها تضحيات الشعب اليمني    ارتفاع اسعار الاسمدة 40% يهدد قطاع الزراعة في امريكا    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    انضباط وظيفي بنسبة 90% في مأرب بثاني يوم دوام بعد إجازة عيد الفطر    تقرير : "الجنوب تحت النار".. تصاعد الانتهاكات يعمّق أزمة اليمن    منتخب الناشئين يستأنف معسكره الداخلي استعداداً لنهائيات آسيا    المباني القديمة في عدن تشكل خطراً على السكان.. انهيار شرفات عمارة في المعلا    ارتفاع لأسعار النفط    السيارات الكهربائية المستعملة تنتعش في أوروبا بسبب ارتفاع أسعار الوقود    حرب إيران تهدد آمال ستارمر.. أسعار النفط والغاز تعصف باقتصاد بريطانيا    شبكات تهريب تابعة ل "الإخوان" تغذي مناطق الحوثيين بالغاز    مَرافِئُ الصَّبْرِ وَفَجْرُ اليَقِينِ    صراع سعودي أوروبي.. محمد صلاح يتلقى عروضا مغرية    سقطرى في قلب موسكو.. نصف قرن من دراسات روسية تكشف أسرار الجزيرة اليمنية    وفاة شابين غرقاً أثناء السباحة في شاطئ الكتيب    وفد الانتقالي يختتم مشاركته بالدورة ال 61 لمجلس حقوق الإنسان    مواطنون يرفضون إنشاء مشروع "للزيوت المستعملة" لقيادي حوثي في إب    الذهب يرتفع مع تراجع الدولار وانحسار المخاوف من رفع أسعار الفائدة    المخلافي يوجه برفع الجاهزية وتشكيل غرفة عمليات تزامنا مع موسم الأمطار    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    فقيد الوطن و الساحه الفنية .. الشاعر حمود صالح نعمان    200 ألف دولار رشوة للتراخيص.. اتهامات مباشرة لمدير شركة الغاز محسن بن وهيط    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    في مدينة إب ..!    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    النقوب خارج الخدمة.. بمديرية عسيلان تعيش في الظلام وسط استمرار الكهرباء بمناطق مجاورة    الحديدة تحتفي بتراثها الثقافي والفني عبر مهرجان "امعيد في تهامة"    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    الدوري الاسباني: ليفانتي يفوز على اوفييدو    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    "إن متُّ فالعليمي مسؤول".. أحمد سيف حاشد يكتب وصيته من نيويورك ويهاجم السلطة    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حضرموت بين ماضٍ لم ينته وحاضر يشتعل!!
نشر في 26 سبتمبر يوم 01 - 12 - 2025

الوجود البريطاني في جنوب اليمن مثل مشروعاً ممنهجاً لتفكيك المجتمع
شهد اليمن، وخاصة جنوبه، واحدة من أطول فترات الاحتلال الاستعماري في العالم العربي، حيث خضع لسيطرة بريطانيا العظمى لمدة 129 عاماً، من عام 1839 حتى الاستقلال في 30 نوفمبر 1967.
لم يكن هذا الاحتلال مجرد سيطرة عسكرية أو سياسية عابرة، بل كان مشروعاً استعمارياً متكاملاً استهدف البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والديموغرافية للمجتمع اليمني، وترك آثاراً عميقة لا تزال تتردد أصداؤها حتى اليوم. وقد تميزت هذه الحقبة بجرائم وانتهاكات جسيمة ضد السكان المحليين، شملت القمع الدموي، النهب المنظم للموارد، التهجير القسري، وتفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي.
26 سبتمبر- يحيى الربيعي
تكتسب دراسة هذه المرحلة أهمية خاصة في ظل الأحداث الجارية في حضرموت، حيث يتجلى اليوم تنافس سعودي إماراتي على النفوذ، تتكرر فيه أدوات السيطرة الناعمة والصلبة، وتبرز فيه سياسات التبعية الاقتصادية وتفكيك النسيج الاجتماعي، في مشهد يعيد إلى الأذهان الكثير من ممارسات الحقبة الاستعمارية البريطانية. يهدف هذا التقرير إلى تقديم سرد تاريخي وتحليل سياسي معمق لجرائم الاحتلال البريطاني في اليمن، مع التركيز على أدوات الإدارة الاستعمارية، ودور النخب المحلية، وسياسات التقسيم، ثم ربط ذلك بالواقع الراهن في حضرموت من خلال تحليلات مقارنة مدعومة بمصادر موثوقة.
دافع الاحتلال البريطاني لعدن
بدأ الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن باحتلال مدينة عدن في 19 يناير 1839، بعد سلسلة من المناورات السياسية والعسكرية استغلت فيها بريطانيا حادثة السفينة "داريا دولت" كذريعة للتدخل. كان الهدف الأساسي هو السيطرة على ميناء عدن الاستراتيجي، الذي يمثل نقطة تموين رئيسية للسفن البريطانية في طريقها إلى الهند، ويشكل بوابة للسيطرة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبالتالي حماية المصالح التجارية والعسكرية للإمبراطورية البريطانية.
لم يكن الاحتلال البريطاني لليمن هدفاً في حد ذاته، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع للسيطرة على طرق التجارة العالمية، وحماية المصالح البريطانية في الهند والخليج العربي والبحر الأحمر. وقد اعتبرت بريطانيا عدن حجر الزاوية في منظومة الدفاع الإمبراطوري، وقاعدة رئيسية لتموين السفن، ومركزاً لمراقبة التحركات الإقليمية والدولية. كما سعت بريطانيا أيضاً إلى منع أي قوة إقليمية أو دولية (مثل الدولة العثمانية، إيطاليا، فرنسا، أو حتى القوى العربية الناشئة) من بسط نفوذها على جنوب الجزيرة العربية، واستخدمت في سبيل ذلك مزيجاً من القوة العسكرية، الدبلوماسية، والتحالفات مع النخب المحلية..الاستيلاء على عدن غاية في حد ذاته كان نقطة انطلاق لتوسيع النفوذ البريطاني في جنوب الجزيرة العربية. فقد عمدت بريطانيا إلى عقد معاهدات حماية مع السلاطين والمشايخ المحليين، وأنشأت نظاماً معقداً من السلطنات والمحميات، ما أدى إلى تقسيم الجنوب اليمني إلى كيانات سياسية صغيرة متنافسة، يسهل التحكم بها.
مراحل التوسع البريطاني
على مدى العقود التالية، توسعت بريطانيا في فرض سيطرتها على مناطق واسعة من جنوب اليمن، من خلال مزيج من القوة العسكرية، المعاهدات، والدعم المالي للنخب المحلية. تم تقسيم الجنوب إلى مستعمرة عدن (التي خضعت لإدارة مباشرة من التاج البريطاني منذ 1937) ومحميات عدن الشرقية والغربية، التي ضمت سلطنات حضرموت والمهرة وغيرها.. اعتمدت الإدارة البريطانية على سياسة "فرق تسد"، حيث شجعت النزاعات القبلية والمناطقية، ودعمت النخب الموالية لها، مع الإبقاء على سلطة مركزية ضعيفة، ما حال دون نشوء كيان سياسي موحد في الجنوب. كما استخدمت بريطانيا أدوات السيطرة الناعمة، مثل التعليم والقانون والإعلام، إلى جانب أدوات السيطرة الصلبة كالقوة العسكرية والمخابرات والشركات العسكرية الخاصة.
جرائم الاحتلال
مارست السلطات البريطانية قمعاً ممنهجاً ضد أي شكل من أشكال المقاومة أو المطالبة بالحقوق الوطنية. شملت هذه السياسات الاعتقالات الجماعية، التعذيب، الإعدامات الميدانية، واستخدام القوة المفرطة في مواجهة الانتفاضات الشعبية والقبلية. وقد وثقت العديد من المصادر شهادات عن حملات عسكرية بريطانية استخدمت فيها سياسة "الأرض المحروقة"، خاصة في مناطق ردفان والضالع ويافع، حيث تم قصف القرى بالطائرات، وتدمير المنازل، وتشريد آلاف المدنيين.
في ثورة 14 أكتوبر 1963، التي انطلقت من جبال ردفان بقيادة راجح لبوزة، واجهت القوات البريطانية المقاومة الشعبية بحملات عسكرية شرسة استمرت ستة أشهر، استخدمت خلالها مختلف أنواع الأسلحة، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا بين شهيد وجريح ومشرد. وقد أدان بعض أعضاء مجلس العموم البريطاني هذه الأعمال اللاإنسانية، إلا أن ذلك لم يوقف آلة القمع.
النهب الاقتصادي واستغلال الموارد
لم يكن الاحتلال البريطاني مجرد احتلال عسكري، بل كان مشروعاً اقتصادياً استغلالياً بامتياز. فقد سيطرت بريطانيا على ميناء عدن وحولته إلى ثاني أكبر ميناء في العالم بعد نيويورك في خمسينيات القرن العشرين، وجعلت منه مركزاً لتجارة النفط والسلع، بينما حُرم السكان المحليون من الاستفادة الحقيقية من عائداته. كما تم تحويل الأراضي الزراعية إلى قواعد عسكرية، وأُجبر السكان على العمل في ظروف قاسية مقابل أجور زهيدة..استنزف الاحتلال الموارد الطبيعية والبشرية للجنوب اليمني، ووجه الاقتصاد المحلي لخدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية، ما أدى إلى تدمير البنية الاقتصادية التقليدية وتقويض القوى المحلية. وقد أشار باحثون إلى أن آثار هذا النهب الاقتصادي لا تزال واضحة في الوضع الاقتصادي الراهن لليمن.
التهجير القسري والتغيير الديموغرافي
اتبعت بريطانيا سياسات تهجير قسري وتغيير ديموغرافي ممنهج، خاصة في مدينة عدن، حيث تم تفريغ بعض المناطق من سكانها الأصليين، واستقدام عمالة أجنبية من الهند وشرق أفريقيا، ما أدى إلى تغير التركيبة السكانية للمدينة. كما شجعت الهجرة اليهودية إلى عدن، وجعلت من المدينة مركزاً لتجمع الجاليات الأجنبية، في محاولة لإضعاف الهوية اليمنية العربية والإسلامية.. عمل الاحتلال البريطاني على تفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمع اليمني من خلال زرع النزاعات القبلية والمناطقية، ودعم بعض الزعماء القبليين ضد الآخرين، وإنشاء كيانات سياسية صغيرة (محميات وسلطنات) تحت سيطرته، ما حال دون نشوء كيان موحد لجنوب الوطن. كما أدى فرض اللغة الإنجليزية كلغة رسمية في المؤسسات الحكومية والتعليم إلى تهميش اللغة العربية، وإضعاف الهوية الثقافية والدينية للمجتمع.
نظام الحماية والمعاهدات مع السلاطين
اعتمدت بريطانيا في إدارة الجنوب اليمني على نظام الحماية، حيث أبرمت معاهدات مع السلاطين والمشايخ المحليين، منحت بموجبها الحماية البريطانية مقابل التنازل عن السيادة الفعلية، وتلقي رواتب وهدايا من الإدارة الاستعمارية. وقد أدى ذلك إلى نشوء طبقة من النخب المحلية الموالية لبريطانيا، لعبت دور الوسيط بين المستعمر والسكان، وساهمت في تثبيت أركان الاحتلال..كان الدعم البريطاني للنخب المحلية مشروطاً بالولاء، وغالباً ما كان يتم استبدال السلاطين أو المشايخ الذين يظهرون ميولاً استقلالية أو مقاومة، كما حدث مع سلطان لحج وسلاطين يافع والعوالق. وقد وثقت الأرشيفات البريطانية تفاصيل دقيقة عن حجم الأموال والأسلحة التي قدمت لبعض الأمراء مقابل ولائهم.
سياسات التقسيم الإداري والسياسي
في محاولة لمواجهة تصاعد المد القومي العربي ودعوات الوحدة اليمنية، عمدت بريطانيا إلى تقسيم الجنوب إلى كيانات سياسية منفصلة، وأنشأت في عام 1959 "اتحاد إمارات الجنوب العربي"، الذي ضم عدداً من السلطنات والمحميات، ثم تم دمج مستعمرة عدن فيه عام 1963 تحت اسم "اتحاد الجنوب العربي". كان الهدف من هذا الاتحاد هو خلق كيان سياسي تابع لبريطانيا، يعزل الجنوب عن هويته اليمنية، ويحول دون تحقيق الوحدة الوطنية.. قوبلت هذه السياسات برفض واسع من القوى الوطنية في الشمال والجنوب، واعتبرت محاولة لسلخ الجنوب عن هويته، وإدامة التبعية السياسية والاقتصادية لبريطانيا.
أدوات السيطرة الصلبة والناعمة
اعتمدت بريطانيا على قوة عسكرية ضخمة، شملت قواعد بحرية وبرية وجوية، واستخدمت الطيران لقمع الانتفاضات الشعبية، كما حدث في ردفان ويافع وحضرموت. كما لعبت أجهزة المخابرات البريطانية دوراً محورياً في إدارة الصراعات الداخلية، وتجنيد العملاء، وتنفيذ عمليات سرية ضد القوى الوطنية والقومية.
في الستينيات، لجأت بريطانيا إلى استخدام الشركات العسكرية الخاصة والمرتزقة المحليين، ودعمت تشكيل ميليشيات مناطقية موالية لها، في محاولة لمواجهة تصاعد المقاومة المسلحة. وقد وثقت الأرشيفات البريطانية تفاصيل عن عمليات تخريبية، واغتيالات، وتفجيرات استهدفت البنية التحتية والمقاومين.
إلى جانب أدوات السيطرة الصلبة، استخدمت بريطانيا أدوات السيطرة الناعمة، مثل فرض النموذج التعليمي البريطاني، وإدخال اللغة الإنجليزية كلغة رسمية، وتغيير المناهج الدراسية بما يخدم أهدافها في إعادة تشكيل وعي الأجيال الجديدة. كما فرضت القوانين البريطانية على المؤسسات الحكومية، وأضعفت دور الشريعة الإسلامية والمحاكم التقليدية.. في المجال الاقتصادي، سيطرت بريطانيا على التجارة والموانئ، ووجهت الاقتصاد المحلي لخدمة مصالحها، وأدخلت عملات أجنبية (الروبية الهندية، الشلن شرق أفريقيا)، ما أدى إلى تهميش الاقتصاد المحلي وإضعاف قدرته على النمو المستقل.
جذور المقاومة وأشكالها
لم يكن الاحتلال البريطاني في اليمن مستقراً أو مقبولاً من السكان المحليين، بل واجه مقاومة مستمرة بأشكال متعددة، شملت الانتفاضات القبلية، الإضرابات العمالية، الحركات الطلابية، والعمل الفدائي المسلح. وقد شهدت مناطق ردفان، الضالع، يافع، حضرموت، وأبين انتفاضات متكررة ضد الاحتلال، قوبلت بقمع دموي.
في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تصاعدت الحركة الوطنية التحررية، مستفيدة من المد القومي العربي ودعم مصر الناصرية، وظهرت تنظيمات سياسية ونقابية لعبت دوراً محورياً في تعبئة الجماهير، مثل حركة القوميين العرب، الجبهة القومية، جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، وغيرها.. انطلقت الشرارة الأولى لثورة 14 أكتوبر 1963 من جبال ردفان بقيادة راجح لبوزة، وشكلت نقطة تحول في مسار النضال الوطني، حيث انتقلت المقاومة من العمل الفدائي المحدود إلى الكفاح المسلح المنظم ضد الاحتلال البريطاني وأعوانه من السلاطين والعملاء. شهدت السنوات التالية تصعيداً في العمليات العسكرية، وتوسعت رقعة الثورة لتشمل معظم مناطق الجنوب، ما أجبر بريطانيا على إعلان حالة الطوارئ، والبدء في مفاوضات مع القوى الوطنية. وفي 30 نوفمبر 1967، تم جلاء آخر جندي بريطاني عن عدن، وأُعلن استقلال جنوب اليمن وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بعد نضال طويل وتضحيات جسيمة.
صراع وكلاء الرياض وأبو ظبي
تشهد محافظة حضرموت، الأرض اليمينة الثرية بالنفط والتاريخ، فصلاً درامياً جديداً ومقلقاً ضمن مسرحية التفكيك الممنهج، حيث تحولت المحافظة إلى ساحة صراع مفتوحة بين وكلاء النظام السعودي والإمارات، في مشهد يبعث بقوة أصداء الجرائم الهيكلية التي ارتكبها الاستعمار البريطاني على مدار 129 عاماً في جنوب اليمن. إن هذه الرقصة العبثية، التي تستخدم أدوات النفوذ الصلبة والناعمة، ليست سوى استكمال آثم لمخطط الهيمنة الذي خدم ولا يزال يخدم الأجندة الصهيو-أمريكية في المنطقة، عبر منع ظهور كيان يمني موحد وقوي.
لم تكن سيطرة الإمبراطورية البريطانية العجوز على جنوب اليمن مجرد احتلال عسكري، بل كانت مشروعاً استراتيجياً لضمان بقاء اليمن ضعيفاً ومقسماً، يفتقر إلى مقومات الدولة الحديثة، إذ شمل التخطيط الاستعماري تقسيم جنوب اليمن إلى مستعمرة عدن ومحميات عدن الغربية والشرقية التي ضمت نحو 23 سلطنة وإمارة، وهو ما لم يكن تقسيماً إدارياً، بل هندسة تفكيكية استهدفت اغتيال أي شعور بالانتماء الوطني الجامع. فلقد استندت بريطانيا إلى "معاهدات حماية" جردت هذه الكيانات من أي سيادة حقيقية وحولت زعماءها إلى عملاء محليين مهمتهم قمع أي حركة وطنية معارضة؛ هذا الفصل القسري هو الذي زرع بذور الصراع الجهوي التي تستغل اليوم ببراعة، وفقاً لتسلسل الأحداث التاريخية.. وفي السياق ذاته، أبقت سلطات الاحتلال البريطاني على المحميات في حالة من التخلف والجهل والفقر المدقع، حيث وثقت تقارير الفترة أن الموارد المالية كانت توجه حصرياً لخدمة المصالح الاستراتيجية للمستعمر في عدن، بينما كانت حضرموت والمناطق الداخلية تعاني من إهمال متعمد للتعليم والصحة والبنية التحتية، وهو ما جعل المجتمعات المحلية في حالة من الفقر والتناحر القبلي أكثر قابلية للتلاعب والتحشيد، وهي نفس الآلية التي تستخدمها قوى العدوان اليوم. وعليه، واجهت بريطانيا كل مظاهر المقاومة الوطنية بعنف دموي شمل الاغتيالات والقصف الجوي الانتقامي، خاصة خلال ثورة 14 أكتوبر، في محاولة لترسيخ مفهوم أن التبعية للاحتلال هي القدر الوحيد الممكن.
استنساخ للتكتيكات القديمة
تشهد محافظة حضرموت اليوم تنافساً حاداً بين السعودية والإمارات على النفوذ، يتجلى في دعم كل طرف لتشكيلات عسكرية وسياسية محلية، حيث تسيطر الإمارات على مناطق الساحل (المكلا، ميناء الضبة، مطار الريان) من خلال ما يسمى "قوات النخبة الحضرمية والمجلس الانتقالي الجنوبي" بينما تركز السعودية نفوذها في مناطق الوادي والصحراء (سيئون، منفذ الوديعة) عبر دعم ما يسمى " مجلس حضرموت الوطني وقوات درع الوطن." إن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات الحقبة الاستعمارية البريطانية، كما تتجلى أدوات السيطرة الناعمة اليوم في مشاريع التنمية والإعلام الممول وبرامج التدريب، فيما تستمر أدوات السيطرة الصلبة في شكل قواعد عسكرية ومليشيات محلية، بحسب ما أشار إليه باحثون بكون هذه السياسات تهدف إلى إعادة إنتاج التبعية وإدامة حالة الانقسام.
لقد استغلت الإمارات والنظام السعودي الإرث البغيض للتفكيك البريطاني، حيث دفعت الإمارات ما يسمى ب "المجلس الانتقالي الجنوبي" كذراع تنفيذي لمشروعها التوسعي والاستحواذ على الموانئ، وهو ما يحمل دلالات استعمارية واضحة، إذ دفعت الإمارات بتعزيزات عسكرية ضخمة من خارج المحافظة، مستخدمة خطاباً نارياً لفرض أمر واقع بالقوة، بغية الاستحواذ المباشر على الموانئ لخدمة أجندتها الإقليمية في المنافسة التجارية والسيطرة على القطاعات النفطية، كما يتضح في الخلاف المحتدم حول تسليم قطاعات النفط وتأسيس شركة "بتروشبوة" كواجهة للأطماع الإماراتية، وفقاً لمصادر نفطية.. وفي المقابل، تعمل الرياض على ترسيخ نفوذها في الشرق اليمني لمنع التفرد الإماراتي، حيث وجدت السعودية في حلف قبائل حضرموت وقوات المنطقة العسكرية الأولى "القفاز المناسب" لتوجيه لكمات سياسية وعسكرية لأبو ظبي دون الدخول في مواجهة مباشرة، وهو ما يذكرنا بأسلوب الإدارة البريطانية التي كانت تستخدم طرفاً محلياً لضرب الآخر. وقد أكد الاستعراض العسكري للقوات السعودية بالدبابات والمدرعات في سيئون، ووصفه ك "إنذار أخير" للحليف الإماراتي بأن "العبث في الحديقة الخلفية للمملكة خط أحمر"، على أن السيطرة على القرار في حضرموت هدف استراتيجي للسعودية، لضمان منفذ لها ومنع تمدد كيان مسلح لا تديره بالكامل.
الأجندة الصهيونية والتداعيات الوجودية
يكشف هذا الصراع عن الهدف الأساسي للعدوان الذي يتناغم مع الأجندة الصهيونية العالمية؛ فالمسعى ليس تحرير اليمن أو بناءه، وإنما تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث تتم هندسة كيانات قابلة للصراع الدائم تخدم مصالح القوى الخارجية. يؤكد المؤرخ عبد الرحمن الأهدل أن السياسة البريطانية في الجنوب كانت تهدف إلى "تجفيف منابع الوحدة" عبر دعم السلطنات المحلية بالمال والسلاح مقابل الولاء للمستعمر، مشيراً إلى أن معاهدات الحماية كانت تحظر على هذه السلطنات التواصل المباشر مع أي قوة عربية أخرى. اليوم، يمثل ما يسمى "المجلس الانتقالي الجنوبي "والكيانات المماثلة "سلطنات معاصرة" تحظر عليها أجندة أبو ظبي تجاوز الإطار المرسوم لها.. كذلك، تشير تقارير نفطية موثقة إلى أن شركة "الامتيازات النفطية البريطانية" (BOC) أجرت مسوحات أولية في حضرموت قبل عقود، ورغم اكتشافها علامات مبكرة على وجود النفط، إلا أن لندن أخّرت الاستغلال المباشر لضمان استقرار المنطقة عسكرياً قبل الشروع في النهب الممنهج؛ هذا التأخير الاستعماري يتكرر اليوم بصورة معكوسة، حيث يتم تسريع عملية السيطرة على حقول المسيلة والقطاعات النفطية عبر الوكلاء قبل أي حل سياسي شامل، مما يؤكد أن الثروة هي الهدف الأوحد. ولا يمكن قراءة الصراع في حضرموت بمعزل عن الرؤية الأمريكية-الصهيونية للمنطقة، التي ترى في دولة يمنية ضعيفة ومفككة ضمانة ل "أمن الملاحة الصهيونية" وتفوق كيان العدو الإسرائيلي .. إن استمرار هذا الصراع الجاري في "الوادي والصحراء" يضع اليمن أمام تداعيات وجودية خطيرة، تنذر بانهيار الدولة بالكامل، حيث يهدف الدعم السخي للكيانات المحلية المسلحة والسياسية من قبل الرياض وأبو ظبي إلى تدمير أي مرجعية وطنية يمكنها أن تحكم اليمن بشكل مركزي ومستقل، ونتيجة لذلك، يتحول اليمن إلى سلسلة من "الكانتونات" المتحاربة التي لا تملك قرارها الاقتصادي أو الأمني. إن ما يجري في حضرموت ليس سوى فصل جديد من التفكيك الاستعماري، حيث يستخدم العدوان السعودي-الإماراتي أدوات التجزئة البريطانية القديمة لتحقيق أهداف لا تخدم سوى أطماعهما الإقليمية وتطلعات الكيان الصهيوني.
الخلاصة:
تكشف دراسة جرائم الاحتلال البريطاني في اليمن، وتحليل سياساته الاستعمارية، عن مجموعة من الدروس التاريخية بالغة الأهمية، حيث أثبتت التجربة أن سياسات التقسيم ودعم النخب المحلية الموالية للقوى الخارجية تؤدي إلى إضعاف الوحدة الوطنية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وإدامة التبعية السياسية والاقتصادية. ولعبت المقاومة الشعبية، بمختلف أشكالها، دوراً حاسماً في إنهاء الاحتلال البريطاني، وتبقى اليوم الأداة الأهم في مواجهة أي نفوذ خارجي يسعى لإعادة إنتاج التبعية. .لا يمكن تحقيق الاستقرار والتنمية إلا من خلال بناء دولة قوية قادرة على حماية سيادتها، وإدارة مواردها، وتحقيق العدالة الاجتماعية لجميع مواطنيها، لاسيما وقد أثبتت التجربة أن أدوات السيطرة الناعمة (التعليم، الإعلام، الاقتصاد) قد تكون أكثر خطورة من أدوات القمع المباشر، إذا لم تقابل بسياسات وطنية واعية تحمي الهوية والثقافة المحلية.
بهذا، يتضح أن جرائم الاحتلال البريطاني في اليمن شكلت نموذجاً للاستعمار الحديث بأدواته الصلبة والناعمة، وتركزت أهدافه في السيطرة على الموارد، وتفكيك المجتمع، وإدامة التبعية. واليوم، تتكرر الكثير من هذه السياسات في حضرموت تحت عناوين جديدة، ما يستدعي وعياً تاريخياً وسياسياً عميقاً لمواجهتها، وبناء مستقبل يمني مستقل وموحد. بدأت الآن العمل على بحث شامل حول جرائم الاحتلال البريطاني في اليمن خلال 129 عاماً من الاستعمار، مع تحليل لأساليب إدارة بريطانيا للسلطنات والمحميات التي أنشأتها، وربط ذلك بالأحداث الجارية في حضرموت في ظل الوجود السعودي الإماراتي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.