الرئيس المشاط يعزي في وفاة محمد غالب الصبري    أميركا وأوروبا تشهر سيف التصنيف الإرهابي على جماعة الإخوان المسلمين وتضيق الخناق دوليًا    ضخ كميات من العملة المزورة وتحذيرات من كارثة اقتصادية في عدن    يقظة ووعي الجنوبيين ضمانة وطنية لصلابة الإرادة وإفشال المؤامرات    عن الحوار الجنوبي.. ملاحظات ومعلومات    وداعاً فارس الكلمة وموسوعة الفكر.. العميد محمد عبدالعزيز إلى رحمة الله    لا سعودي بعد اليوم.. كيف انقلبت تظاهرات عدن على مخططات الرياض؟    صحيفة أمريكية: السعودية تضغط على العائلات الغنية لتمويل المشاريع المتعثرة    227 قتيلا في انهيار منجم شرقي الكونغو    أمريكا تزود الكيان الصهيوني أسلحة بقرابة 7 مليارات دولار    مقتل قيادي تابع لبن حبريش برصاص قوات درع الوطن اليمنية اثناء محاولته تهريب كميات سلاح    تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران: ترامب يتحدث عن اتفاق محتمل وإيران توعد ب"رد ساحق"    الفريق السامعي يعزي بوفاة المناضل العقيد محسن بركات    بخسائر قياسية.. الذهب يهوي بتعاملات اليوم ب12% والفضة ب30%    الحكومة تدين اقتحام مليشيا الحوثي الإرهابية للمكاتب الأممية وتقويض العمل الإنساني    تراجع اسعار الذهب والفضة بعد إعلان ترامب عن مرشحه لرئاسة المركزي الأمريكي    اعتراف رسمي ومخيف: اليمن يواجه واحدة من أخطر أزمات الفاقد التعليمي في تاريخه الحديث    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد «قات وأجبان»    الدكتورعبدالله العليمي يستقبل قيادات عليا لمناقشة مستجدات الأوضاع في المحافظات الجنوبية    قيادات محلية من حجة وريمة وذمار تطلع على نماذج تنموية في الحديدة    عدن.. ضخ أموال من الطبعة الجديدة إلى خزائن البنك المركزي    غوارديولا بالكوفية: العالم ترك فلسطين وحيدة.. وهذا بيان للإنسانية    القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور مصنعا قيد الإنشاء لإنتاج المركزات    اجتماع عربي - هندي يؤكد الالتزام بوحدة اليمن وسيادته ويدين هجمات اامليشيات على الملاحة البحرية    صنعاء: صورة تحبس الانفاس .. ماذا يعمل هذا الرجل في هذا المكان الشاهق؟    الأرصاد: طقس بارد إلى بارد نسبيًا على أغلب المحافظات اليمنية    قبائل الصبيحة تحتشد في عدن للمطالبة بضبط ومحاسبة المتورطين في استهداف القائد حمدي شكري    بنفيكا يصطدم بريال مدريد مجددًا.. نتائج قرعة ملحق دوري أبطال أوروبا    حرفة الظل    سوريا كذراع وعصا إرهابية: تصدير الفوضى كأداة سياسية بيد واشنطن وتل أبيب    تنفيذ أحكام القصاص الشرعي بحق ثلاثة مدانين بقضايا قتل في إب    بعد "نكسة" لشبونة.. 3 أسماء مطروحة في ريال مدريد لخلافة أربيلوا    شأن مهني!!    جمعية الخير التنموية بمأرب تكرّم المعلمين والطلاب المتفوقين    بنك اليمن الدولي يستغني عن أكثر من 200 موظف ويغلق فروعًا وموظفون يشكون الظلم والتعسف    دراسة صينية: الروبوتات تنجح في إجراء جراحات عن بعد لمسافة 2800 كلم    الإقلاع عن التدخين والسيطرة على التوتر أبرز وسائل حماية القلب    النفط يصعد لليوم الثالث على التوالي وبرنت يسجل 68.9 دولار للبرميل    مأرب تعلن عن ترتيبات لإنهاء أزمة الغاز وإعادة الاستقرار التمويني    بطلة "باب الحارة".. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منزلها بدمشق    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم إعادة التعامل مع منشأتي صرافة    الاتحاد الإنكليزي يعاقب توتنهام واستون فيلا بعد شجار الكأس    برشلونة يوقع اتفاقاً تاريخياً مع مستثمرين من الامارات    اتحاد كرة القدم يرشح شعب حضرموت لبطولة التضامن الدولية بجيبوتي    بطالة ثقافية    (صديقتي الفيلسوفة) – لمحات من الواقع اليمني في كتاب عبد الكريم الشهاري    صندوق النظافة بتعز يدشن حملة ميدانية للتخلص من الكلاب المسعورة في شوارع المدينة    المحامي رالف شربل يقود النجم الأميركي جوردان ويليامز لانتصار كبير أمام محكمة البات السويسرية    {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}    وثيقة سرية .. المرتزق معمر الارياني يترأس عصابة لتهريب الاثار من اليمن    مُوَشَّحُ الأَلَمْ    عرفنا أبين وشباب الجيل ينجحان في البقاء بدوري الدرجة الثانية في ختام منافسات البطولة    الصماد أنموذج العطاء والولاء    مرض الفشل الكلوي (38)    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التحوّلات الميدانية ومعركة النفوذ في حضرموت والمهرة
نشر في 26 سبتمبر يوم 07 - 12 - 2025


مقدمة:
تشهد محافظتا حضرموت والمهرة -منذ مطلع الأسبوع- تحوّلات متسارعة تمثّل أوسع عملية إعادة توزيع للنفوذ الأجنبي العسكري–السياسي في الشرق اليمني منذ عام 2015م. وتتداخل في هذه التحوّلات ثلاثة مسارات رئيسة:
أولها: تمدد "المجلس الانتقالي الجنوبي" بدفع إماراتي خارج السقوف المسموح بها، خصوصاً في المناطق المرتبطة بالمعابر الحدودية وخطوط الطاقة. ثانيها: تصاعد القلق السعودي من تغيّر موازين القوة بما قد يؤثر على أمن حدودها الجنوبية وممرات النفط والموانئ ذات النطاق الاستراتيجي. وثالثها: عدم تماسك البُنى العسكرية المحلية ممثلة ب"المنطقة العسكرية الأولى" في الشرق وتعرضها للانهيار السريع عند أول ضغط جدي، كما ظهر في وادي حضرموت على وجه الخصوص.
في هذا الإطار، اختارت السعودية الانتقال من سياسة "التوجيه عن بعد" إلى سياسة الضغط المباشر عبر الدفع بما تسمى قوات "درع الوطن" إلى مسرح العمليات، ما أدى إلى تغيّر جذري في معادلات القوة، وتحويل المشهد في المناطق اليمنية المحتلة من مجرد تنافس بين وكلاء مرتزقة إلى هندسة أمنية وسياسية سعودية تعيد رسم ملامح السيطرة في الشرق.
بنية التحوّل الميداني وإعادة الانتشار
حضرموت: انتقال المبادرة بين أدوات الاحتلال
شهدت حضرموت تحولاً ميدانياً سريعاً وملفتاً؛ فخلال الساعات الأولى من إعلان ما يسمى "الانتقالي" (المدعوم من الاحتلال الإماراتي) سيطرته على مناطق واسعة من وادي حضرموت، تعرّضت أرتاله في صحراء العبر–الوديعة لهجمات متتالية، كما أصيب عدد من قياداته في هجمات داخل مدينة سيئون. هذه التطورات كشفت ثلاث حقائق مهمة:
1. عجز "الانتقالي" عن العمل في بيئة مستقرة داخل حضرموت، خلافاً لمناطقه التقليدية في عدن ولحج والضالع أو حتى ساحل حضرموت المسيطر عليه منذ سنوات.
2. فقدان الأمان في تحرك قواته بحضرموت، وهي خطوط يصعب تأمينها في مواجهة فواعل محلية (ذات المشكلة يعاني منها في أبين وشبوة ولم يستطع تأمين تحركاته رغم العمليات العسكرية التي يقوم بها).
3. عدم امتلاكه حاضنة محلية في الوادي قادرة على توفير عمق اجتماعي يؤهل بقاءه.
وفي ذروة هذا الارتباك، أعلنت ما تسمى قوات "درع الوطن" تسلّم مواقع اللواء 23 ميكا في العبر، و"تأمين" الخط الدولي الحيوي الرابط بين حضرموت والحدود السعودية. هذا التحرّك ليس مجرد "استلام مواقع"، بل تحويل مركز الثقل الميداني إلى القوة الموالية للرياض، وإزاحة "الانتقالي" من المواقع الأكثر حساسية المرتبطة بطرق التجارة والنفط والمنافذ الحدودية.
بهذا المعنى، جاءت تحركات الاحتلال السعودي لما يبدو استجابة استراتيجية لضبط الميدان لصالحها، ومنع "الانتقالي" من فرض أمر واقع من شأنه تهديد ترتيبات الأمن الحدودي والاقتصادي للمحتل السعودي، في حين أنه تبادل أدوار بين السعودي والإماراتي ليبقى المشهد اليمني المحتل ملتهبا.
المهرة: إحلال ناعم للقوة السعودية
في المهرة -وتأكيداً على استمرار فصول المسرحية- اتخذت السعودية نموذجاً مختلفاً يقوم على الإحلال الناعم دون مواجهات مفتوحة؛ فقد جرى تسليم معسكر نشطون، ومطار الغيضة الدولي، ومباني الاستخبارات، والسجن المركزي، والجوازات لما تسمى قوات "درع الوطن" (التي يدعمها الاحتلال السعودي) دون مقاومة تذكر، رغم أن ما يسمى"الانتقالي" (الذي يدعمه الاحتلال الإماراتي) كان قد رفع أعلامه في تلك المواقع حين سيطر عليها مؤخراً.
بهذا الإحلال، تصبح المهرة تحت احتلال سعودية كامل تقريباً، ما يضمن لمحمد بن سلمان السيطرة على الموانئ، المنافذ الحدودية، وامتدادها البحري إلى بحر العرب.
البُنى التنظيمية ودلالات التموضع
"درع الوطن": الذراع السعودي لإعادة تصميم المشهد الأمني
تشكّلت قوات "درع الوطن" عام 2023م ك"قوة احتياط مركزية" ذات مرجعية سعودية، بتركيبة يغلب عليها الطابع السلفي، وبتوزيع جغرافي يُظهر دقة هندسة الانتشار:
* في المهرة: بقيادة "عبدالله بن سديف"، وتشرف على لواءين يقومان بتأمين المطار والموانئ والمقار الأمنية.
* في وادي حضرموت: لواءان أحلّا محل اللواء 23 ميكا في العبر ومحيطها.
* على الطرق الدولية: تنتشر الفرقة الثانية بقيادة "فهد بامؤمن"، وهي قوة تضم أبناء محافظات النفط والنفوذ (حضرموت–شبوة)
هذا الانتشار يعني أن السعودية لا تسعى فقط لاحتواء "الانتقالي"، بل لإنشاء قوة موازية (سلفية بديلة عن الإخوان) لا ترتبط بالبنى السياسية التقليدية، وتستطيع تنفيذ الأجندة الأمنية السعودية.
" المجلس الانتقالي": تآكل النفوذ وانكشاف محدودية القوة
دخل "الانتقالي" حضرموت والمهرة بزخم إعلامي كبير، رافعاً شعار "عملية المستقبل الواعد"، إلا أن الوقائع الميدانية جاءت معاكسة تماماً، إذ سرعان ما واجه ثلاثة مؤشرات تراجع حادة:
1. نزع الرمزية الانفصالية عبر إزالة أعلام الانفصال من المواقع المستلمة.
2. توجيهات صارمة من اللواء السعودي سعود القحطاني بعودة القوات إلى معسكراتها الأصلية.
3. انهيار خطوط الإمداد نتيجة الهجمات المتكررة.
النتيجة أنّ "الانتقالي" انتقل بسرعة من موقع "الفاعل المهاجم" إلى قوة مقيدة داخل معسكراتها، مهددة بخسارة ما تبقى من نفوذها إذا اصطدمت عسكرياً بقوات "درع الوطن".
الاتجاهات العامة للمشهد الاستراتيجي
السعودية: تثبيت مركزية القرار الأمني الذي يضمن مصالحها
انتقلت السعودية من إدارة الأزمة إلى صناعة المشهد. فبعد تجاوز "الانتقالي" السقف المتاح، رأت الرياض أن بقاءه دون ضبط سيشكّل:
* تهديداً لتوازنات القوة بين الرياض وأبو ظبي في اليمن.
* اختراقاً للمعادلة السياسية التي ترعاها المملكة في المحافظات اليمنية المحتلة.
من هنا جاء التحرك السعودي الذي أوحت أنه "حازم"، إذ اعتمد استراتيجية مزدوجة:
ضغط سياسي (إنذار بالانسحاب وتسليم المواقع)، وتحرك ميداني (إحلال مرتزقة "درع الوطن" في المواقع الحساسة).
وبذلك أعادت السعودية تعريف دور "الانتقالي" شرق اليمن من "قوة مهيمنة" إلى "قوة ضمن الهامش".
انحسار الدور الإماراتي: بداية مرحلة جديدة
لا تزال أبوظبي في مرحلة الامتناع عن المواجهة المباشرة، لكن المؤشرات واضحة:
* خسارة مواقع حيوية،
* تحييد قوات مرتزقة "الانتقالي"،
* بروز قوة مرتزقة موازية تابعة للرياض،
* وتراجع قدرة الإمارات على استخدام "الانتقالي" كأداة توسعية.
ورغم الصمت الحالي، فإن الإمارات قد تستخدم أدواتها السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية لإعادة تقاسم المناطق المحتلة، لا سيما إذا شعرت أن السعودية تستأثر بمساحة كانت تعدّها ضمن نفوذها التقليدي. وينسجم هذا مع تصريح "عيدروس الزبيدي" (السبت) بما قال إنها "المحافظة على المنجزات والمكتسبات، وطرح الآمال ب"دولة الجنوب الفيدرالية الحديثة" حسب الزبيدي.
الخلاصة
تدخل حضرموت والمهرة مرحلة إعادة كتابة قواعد اللعبة، المشهد لم يعد مجرد نزاع على السيطرة، بل مشروع سعودي لإعادة هندسة الأمن والسلطة شرق اليمن بما يخدم مصالحها، يقوم على ثلاث مرتكزات:
1. "درع الوطن": القوة المركزية للمرتزقة (ذات مرجعية سلفية) التي تمسك بالمنافذ والمقار الأمنية والمطارات والحدود.
2. "الانتقالي": قوة مرتزقة محدودة الحركة، تفقد قدرتها على إنتاج نفوذ مستقل.
3. الإمارات: فاعل يشهد تراجعاً نسبياً، بانتظار ما إذا كانت ستعيد التموضع أو تكتفي بالتكيّف.
ماذا عن الغد؟
في المحصلة، يتشكّل شرقٌ يمني جديد لا تحدده موازين القوى المحلية بقدر ما يحدده قرار المحتل السعودي، الذي عاد ليبرز كلاعب أول في هذه الجغرافيا الاستراتيجية. ورغم أن الكفة تميل حالياً لصالح الرياض، فإن هذا التفوق غير مستقر، ولا يمكن اعتباره حسمًا نهائيًا للمشهد.
فمن غير المستبعد أن تلجأ الإمارات إلى هجمة مضادة لإعادة التوازن، بما قد يشعل مواجهات جديدة بين المرتزقة، خصوصاً حول المنشآت النفطية في حضرموت. وتبقى المنافسة السعودية–الإماراتية -التي ما تزال حتى اللحظة تحت قدر من الضبط المشترك كما ظهر في التوافق على تحييد "المنطقة العسكرية الأولى" و"الإخوان"- عرضةً لأن تنزلق في ظروف معيّنة إلى صدام مباشر بين الأدوات إذا خرجت عن السيطرة.
أولها: تمدد "المجلس الانتقالي الجنوبي" بدفع إماراتي خارج السقوف المسموح بها، خصوصاً في المناطق المرتبطة بالمعابر الحدودية وخطوط الطاقة. ثانيها: تصاعد القلق السعودي من تغيّر موازين القوة بما قد يؤثر على أمن حدودها الجنوبية وممرات النفط والموانئ ذات النطاق الاستراتيجي. وثالثها: عدم تماسك البُنى العسكرية المحلية ممثلة ب"المنطقة العسكرية الأولى" في الشرق وتعرضها للانهيار السريع عند أول ضغط جدي، كما ظهر في وادي حضرموت على وجه الخصوص.
في هذا الإطار، اختارت السعودية الانتقال من سياسة "التوجيه عن بعد" إلى سياسة الضغط المباشر عبر الدفع بما تسمى قوات "درع الوطن" إلى مسرح العمليات، ما أدى إلى تغيّر جذري في معادلات القوة، وتحويل المشهد في المناطق اليمنية المحتلة من مجرد تنافس بين وكلاء مرتزقة إلى هندسة أمنية وسياسية سعودية تعيد رسم ملامح السيطرة في الشرق.
بنية التحوّل الميداني وإعادة الانتشار
حضرموت: انتقال المبادرة بين أدوات الاحتلال
شهدت حضرموت تحولاً ميدانياً سريعاً وملفتاً؛ فخلال الساعات الأولى من إعلان ما يسمى "الانتقالي" (المدعوم من الاحتلال الإماراتي) سيطرته على مناطق واسعة من وادي حضرموت، تعرّضت أرتاله في صحراء العبر–الوديعة لهجمات متتالية، كما أصيب عدد من قياداته في هجمات داخل مدينة سيئون. هذه التطورات كشفت ثلاث حقائق مهمة:
1. عجز "الانتقالي" عن العمل في بيئة مستقرة داخل حضرموت، خلافاً لمناطقه التقليدية في عدن ولحج والضالع أو حتى ساحل حضرموت المسيطر عليه منذ سنوات.
2. فقدان الأمان في تحرك قواته بحضرموت، وهي خطوط يصعب تأمينها في مواجهة فواعل محلية (ذات المشكلة يعاني منها في أبين وشبوة ولم يستطع تأمين تحركاته رغم العمليات العسكرية التي يقوم بها).
3. عدم امتلاكه حاضنة محلية في الوادي قادرة على توفير عمق اجتماعي يؤهل بقاءه.
وفي ذروة هذا الارتباك، أعلنت ما تسمى قوات "درع الوطن" تسلّم مواقع اللواء 23 ميكا في العبر، و"تأمين" الخط الدولي الحيوي الرابط بين حضرموت والحدود السعودية. هذا التحرّك ليس مجرد "استلام مواقع"، بل تحويل مركز الثقل الميداني إلى القوة الموالية للرياض، وإزاحة "الانتقالي" من المواقع الأكثر حساسية المرتبطة بطرق التجارة والنفط والمنافذ الحدودية.
بهذا المعنى، جاءت تحركات الاحتلال السعودي لما يبدو استجابة استراتيجية لضبط الميدان لصالحها، ومنع "الانتقالي" من فرض أمر واقع من شأنه تهديد ترتيبات الأمن الحدودي والاقتصادي للمحتل السعودي، في حين أنه تبادل أدوار بين السعودي والإماراتي ليبقى المشهد اليمني المحتل ملتهبا.
المهرة: إحلال ناعم للقوة السعودية
في المهرة -وتأكيداً على استمرار فصول المسرحية- اتخذت السعودية نموذجاً مختلفاً يقوم على الإحلال الناعم دون مواجهات مفتوحة؛ فقد جرى تسليم معسكر نشطون، ومطار الغيضة الدولي، ومباني الاستخبارات، والسجن المركزي، والجوازات لما تسمى قوات "درع الوطن" (التي يدعمها الاحتلال السعودي) دون مقاومة تذكر، رغم أن ما يسمى"الانتقالي" (الذي يدعمه الاحتلال الإماراتي) كان قد رفع أعلامه في تلك المواقع حين سيطر عليها مؤخراً.
بهذا الإحلال، تصبح المهرة تحت احتلال سعودية كامل تقريباً، ما يضمن لمحمد بن سلمان السيطرة على الموانئ، المنافذ الحدودية، وامتدادها البحري إلى بحر العرب.
البُنى التنظيمية ودلالات التموضع
"درع الوطن": الذراع السعودي لإعادة تصميم المشهد الأمني
تشكّلت قوات "درع الوطن" عام 2023م ك"قوة احتياط مركزية" ذات مرجعية سعودية، بتركيبة يغلب عليها الطابع السلفي، وبتوزيع جغرافي يُظهر دقة هندسة الانتشار:
* في المهرة: بقيادة "عبدالله بن سديف"، وتشرف على لواءين يقومان بتأمين المطار والموانئ والمقار الأمنية.
* في وادي حضرموت: لواءان أحلّا محل اللواء 23 ميكا في العبر ومحيطها.
* على الطرق الدولية: تنتشر الفرقة الثانية بقيادة "فهد بامؤمن"، وهي قوة تضم أبناء محافظات النفط والنفوذ (حضرموت–شبوة)
هذا الانتشار يعني أن السعودية لا تسعى فقط لاحتواء "الانتقالي"، بل لإنشاء قوة موازية (سلفية بديلة عن الإخوان) لا ترتبط بالبنى السياسية التقليدية، وتستطيع تنفيذ الأجندة الأمنية السعودية.
" المجلس الانتقالي": تآكل النفوذ وانكشاف محدودية القوة
دخل "الانتقالي" حضرموت والمهرة بزخم إعلامي كبير، رافعاً شعار "عملية المستقبل الواعد"، إلا أن الوقائع الميدانية جاءت معاكسة تماماً، إذ سرعان ما واجه ثلاثة مؤشرات تراجع حادة:
1. نزع الرمزية الانفصالية عبر إزالة أعلام الانفصال من المواقع المستلمة.
2. توجيهات صارمة من اللواء السعودي سعود القحطاني بعودة القوات إلى معسكراتها الأصلية.
3. انهيار خطوط الإمداد نتيجة الهجمات المتكررة.
النتيجة أنّ "الانتقالي" انتقل بسرعة من موقع "الفاعل المهاجم" إلى قوة مقيدة داخل معسكراتها، مهددة بخسارة ما تبقى من نفوذها إذا اصطدمت عسكرياً بقوات "درع الوطن".
الاتجاهات العامة للمشهد الاستراتيجي
السعودية: تثبيت مركزية القرار الأمني الذي يضمن مصالحها
انتقلت السعودية من إدارة الأزمة إلى صناعة المشهد. فبعد تجاوز "الانتقالي" السقف المتاح، رأت الرياض أن بقاءه دون ضبط سيشكّل:
* تهديداً لتوازنات القوة بين الرياض وأبو ظبي في اليمن.
* اختراقاً للمعادلة السياسية التي ترعاها المملكة في المحافظات اليمنية المحتلة.
من هنا جاء التحرك السعودي الذي أوحت أنه "حازم"، إذ اعتمد استراتيجية مزدوجة:
ضغط سياسي (إنذار بالانسحاب وتسليم المواقع)، وتحرك ميداني (إحلال مرتزقة "درع الوطن" في المواقع الحساسة).
وبذلك أعادت السعودية تعريف دور "الانتقالي" شرق اليمن من "قوة مهيمنة" إلى "قوة ضمن الهامش".
انحسار الدور الإماراتي: بداية مرحلة جديدة
لا تزال أبوظبي في مرحلة الامتناع عن المواجهة المباشرة، لكن المؤشرات واضحة:
* خسارة مواقع حيوية،
* تحييد قوات مرتزقة "الانتقالي"،
* بروز قوة مرتزقة موازية تابعة للرياض،
* وتراجع قدرة الإمارات على استخدام "الانتقالي" كأداة توسعية.
ورغم الصمت الحالي، فإن الإمارات قد تستخدم أدواتها السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية لإعادة تقاسم المناطق المحتلة، لا سيما إذا شعرت أن السعودية تستأثر بمساحة كانت تعدّها ضمن نفوذها التقليدي. وينسجم هذا مع تصريح "عيدروس الزبيدي" (السبت) بما قال إنها "المحافظة على المنجزات والمكتسبات، وطرح الآمال ب"دولة الجنوب الفيدرالية الحديثة" حسب الزبيدي.
الخلاصة
تدخل حضرموت والمهرة مرحلة إعادة كتابة قواعد اللعبة، المشهد لم يعد مجرد نزاع على السيطرة، بل مشروع سعودي لإعادة هندسة الأمن والسلطة شرق اليمن بما يخدم مصالحها، يقوم على ثلاث مرتكزات:
1. "درع الوطن": القوة المركزية للمرتزقة (ذات مرجعية سلفية) التي تمسك بالمنافذ والمقار الأمنية والمطارات والحدود.
2. "الانتقالي": قوة مرتزقة محدودة الحركة، تفقد قدرتها على إنتاج نفوذ مستقل.
3. الإمارات: فاعل يشهد تراجعاً نسبياً، بانتظار ما إذا كانت ستعيد التموضع أو تكتفي بالتكيّف.
ماذا عن الغد؟
في المحصلة، يتشكّل شرقٌ يمني جديد لا تحدده موازين القوى المحلية بقدر ما يحدده قرار المحتل السعودي، الذي عاد ليبرز كلاعب أول في هذه الجغرافيا الاستراتيجية. ورغم أن الكفة تميل حالياً لصالح الرياض، فإن هذا التفوق غير مستقر، ولا يمكن اعتباره حسمًا نهائيًا للمشهد.
فمن غير المستبعد أن تلجأ الإمارات إلى هجمة مضادة لإعادة التوازن، بما قد يشعل مواجهات جديدة بين المرتزقة، خصوصاً حول المنشآت النفطية في حضرموت. وتبقى المنافسة السعودية–الإماراتية -التي ما تزال حتى اللحظة تحت قدر من الضبط المشترك كما ظهر في التوافق على تحييد "المنطقة العسكرية الأولى" و"الإخوان"- عرضةً لأن تنزلق في ظروف معيّنة إلى صدام مباشر بين الأدوات إذا خرجت عن السيطرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.