منذ اللحظات الأولى لانطلاقة العملية الروسية العسكرية الخاصة، سارعت دول الاتحاد الأوروبي إلى إعلان دعمها لقوات كييف، ولم تتحسّس الفخ الذي وقعت فيه، وسط مشاعر مختلطة لإفراغ أحقادها التاريخية وكراهيتها لروسيا، وتملّكها الشعور بقدرتها على الانتصار على روسيا بالوكالة، فوجدت نفسها مجبرة على السير في الطريق الذي رسمته الولاياتالمتحدة، وبدأت تنصاع لإملاءاتها، بتطبيق حزم العقوبات المتتالية على روسيا، وبالتوقف الفوري عن شراء الغاز الطبيعي الروسي والاستعاضة عنه بالغاز الأمريكي المسال بأسعاره المضاعفة أربع مرات، والانخراط المباشر في تمويل وتسليح قوات كييف على حساب خزائنها وأموال شعوبها ودافعي الضرائب في دولها. استطاعت واشنطن توجيه ضربة قوية للاقتصاد الأوروبي، بنقل الثروات والأموال الأوروبية إلى الولاياتالمتحدة، دون أن تتغير خرائط نفوذها وهيمنتها على القارة الأوروبية، وثبات تبعية وسياسة القطيع الأوروبي ل"السيد" الأمريكي. لكن سرعان ما اكتشفت أوروبا نفسها محاطة ومنشغلة بالتضخم والبطالة وارتفاع الأسعار، وبغضب شعوبها نتيجة مشاركتها في حروب لا تعنيها، وتسببت بضربات كارثية للاقتصادات الأوروبية، فيما تواصل روسيا تقدمها على الأرض، وسط انتعاش عملتها ومكاسبها الجيوسياسية، واستعادة مكانتها الدولية. دفعت الإدارة الأمريكية موضوع التفاوض مع روسيا لمنع أوروبا من التحرك خارج الإطار الذي رسمته لها، وسط كثافة الآراء والمقترحات الأوروبية الخائبة؛ فمنهم من طالب بانسحاب روسيا من الأراضي الأوكرانية قبل بدء التفاوض، ومنهم من فكّر بتقديم التنازلات المتبادلة والاعتراف بضم المناطق الأربع التي اختارت الانضمام إلى روسيا بعد الاستفتاءات التي نظمتها موسكو، وهناك من رفض ذلك وطالب بعودة شبه جزيرة القرم أيضًا، ومن قبل مبدأ التفاوض بعيدًا عن التنازلات. واعتقد الأوروبيون أنهم قادرون على التفاوض مع روسيا تحت النار ومن موقع القوة، وبضرورة مواصلة تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، وبقي شغلهم الشاغل منع روسيا من الانتصار. شيئًا فشيئًا انخرطت أوروبا في الحرب على روسيا دون خوض الصراع المباشر معها، وبات الاتحاد الأوروبي بقراراته وقممه يخوض المعركة بكافة جوانبها السياسية والعسكرية والاقتصادية، على الرغم من عدم تحقيقه أي انتصار لدوله وشعوبه منذ تأسيسه، وبات يكتفي بمراقبة هزائمه اليومية في أوكرانيا، وتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل عواصمه، فتعثرت خطاهم وباتوا يفكرون بشراء الوقت وعرقلة مساعي التفاوض مع روسيا، والالتفاف على خطة ترامب للسلام، ودعم مقترحات زيلينسكي، والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية ومالية، واستغلال الأصول الروسية المجمدة في بلجيكا. أصبحت المصالح الشخصية للنخب وقادة الاتحاد الأوروبي تُطرح على أنها تمثل المصالح الأوروبية، مما ضاعف الخلافات البينية، وأنتج أفكارًا تتجاوز أنانية كل دولة على حدة، وتصل حد الجنون الجماعي، بالتفكير في مواجهة روسيا بشكل مباشر، وبات شبح الحرب "الحتمية" لتدمير وسحق روسيا والتخلص من بوتين هاجسًا وهدفًا وأجندة، وتم اقتراح تاريخ اندلاعها بحلول عام 2030، وأصبحت حاجتهم لشراء الوقت استراتيجية حاسمة، وفرصة للحصول على أسلحة نووية تكتيكية تدعم أفكارهم المشوشة لشن "حرب نووية محدودة". بدأت التصريحات الأوروبية تنسج تبريراتها، وأكد الرئيس التشيكي أن "انتصار روسيا في أوكرانيا سيمثل هزيمة استراتيجية للعالم المتحضر بأسره"، وبدأت معها الإشارات المباشرة لاعتبار روسيا "عدوًا رئيسيًا" للأوروبيين، كذلك بدأت عسكرة الحياة العامة في دول الاتحاد، وتعزيز قدرات جيوشه، وإعادة طرح التجنيد الإجباري، وتخزين الأسلحة والذخائر، وإقامة الملاجئ، وكل ما يندرج في إطار التصعيد التدريجي، الأمر الذي دفع بوتين للقول: "لا ننوي مهاجمة دول الاتحاد الأوروبي، لكننا على استعداد للرد على أي عدوان". لا يمكن تصور الحملات الإعلامية الأوروبية التي تروّج لسيناريوهات النزاع النووي مع روسيا، وضربات روسية "استباقية" بأسلحة نووية تكتيكية لإخضاع أوروبا واستسلامها، في وقت أعلنت فيه واشنطن أنها "لا تنوي التورط في صراع عسكري تعتزم دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إشعاله"، في وقت لا تمتلك فيه فرنسا وبريطانيا أسلحة نووية تكتيكية للرد المتكافئ، نتيجة ضخامة وقوة الأسلحة الصاروخية الروسية، الأمر الذي دفع القادة الأوروبيين إلى تأجيل المواجهة المباشرة إلى عامي 2028-2030. يأمل الأوروبيون أن يتمكنوا حينها من الاتفاق على برنامج ردع نووي موحد، والحصول على أسلحة نووية تكتيكية لردع روسيا وتحفيز واشنطن على منع تدمير الجناح الأوروبي لحلف الناتو، ويغيب عن أذهانهم اتفاقات بوتين وترامب في ألاسكا، التي ركزت على إنهاء الحرب الأوكرانية، واقتراحات ترامب بوقف إطلاق النار وإبرام "صفقة" لإنهاء الصراع، ومواصلة الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة، تلك الاتفاقات التي أكد بوتين مرارًا التزام بلاده "الراسخ" بها. من الواضح أن الاتحاد الأوروبي يسعى لعرقلة الحل وخطة ترامب للسلام، على الرغم من موافقة زيلينسكي على بعض بنودها كتخلي بلاده عن عضويتها في الناتو مقابل ضمانات أمريكية، لكن الهمس الأوروبي في أذنيه لم يتوقف، كاقتراح أن يكون عديد الجيش الأوكراني 800 ألف مضافًا إليهم المتطوعون من "تحالف الراغبين"، بما يعني إنشاء قواعد عسكرية غير رسمية على حدود روسيا، واقتراح معاملة أوكرانيا كدولة عضو في الناتو على غرار المادة الخامسة في معاهدة الناتو، الأمر الذي رفضه ترامب، وأعلن انسحاب بلاده من تمويل كييف ومن المواجهة برمتها، وترك الأوروبيين يواجهون نواياهم ومصائرهم ونتائج الميدان. ناهيك عن مقترح تشكيل "قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا" لضمان الاتفاق، التي تبدو في حقيقتها خطة جديدة لعرقلة المفاوضات، وتعتبر احتلالًا أوروبيًا لأوكرانيا بدعم أمريكي، الأمر الذي لن تقبل به واشنطن، وكذلك موسكو التي أعلنت مرارًا على لسان بوتين ووزير خارجيته "رفضها لوجود قوات أجنبية على الأراضي الأوكرانية تحت أي مسمى". بالإضافة إلى إصرار الأوروبيين على سرقة الأموال والأصول الروسية المجمدة في بروكسل وتقديمها إلى أوكرانيا، وسط معارضة بلجيكا وعدم قبولها بمفردها بهذا الانتهاك للقانون الدولي، ودعت دول الاتحاد في قمة بروكسل في يومها الأول 18/12/2025، للتخلي عن الفكرة أو تقاسم المسؤولية الكاملة في حال إقدام روسيا على رفع دعوى قضائية لاسترداد الأموال، وسط انقسام أعضاء القمة بين مؤيدين ومعارضين للفكرة، الأمر الذي دفع رئيسة المفوضية إلى الانتقال إلى فكرة تقديم قرض أوروبي بقيمة 90 مليار يورو تدفعه كييف بعد حصولها على أموال التعويضات الروسية، ووفقًا لهذا المقترح يبقى القرض على حساب خزائن الدول الأوروبية وأموال شعوبها. وبات عليهم ابتداع أساليب جديدة لسرقة الأموال الروسية. في الوقت الذي علّق فيه الرئيس بوتين على إصرار الدول الأوروبية على مواجهة روسيا وتدميرها بأنهم: "يسعون للاستفادة من انهيار روسيا، والثأر التاريخي لخسائرهم في الماضي"، ووصف خطط الاستيلاء على الأصول الروسية بأنها "سرقة صريحة علنية بالقوة"، مؤكدًا عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على تنفيذها لأنهم يدركون عواقبها الوخيمة. من الواضح أن المقترحات والعراقيل الأوروبية لن تكون قادرة على حجز مقعدهم على طاولة المفاوضات كما يشتهي ماكرون، وسيبقى شغلهم الشاغل منع حل الأزمة، واستمرار أمد الصراع العسكري حتى حلول عام 2030.