لم تكن الرصاصات التي استهدفت سيف الإسلام القذافي في "الزنتان" مجرد تصفية جسدية لخصم سياسي، بل كانت "بياناً دموياً" يُعلن تدشين حقبة جديدة من قواعد الاشتباك الدولي. ففي اللحظة التي سكن فيها نبض المرشح الرئاسي الأقوى والوريث السياسي لليبيا، كانت مختبرات الاستخبارات الدولية تحتفل بنجاح مرعب لسلاح "الاغتيال الرقمي"؛ مبرهنةً على أن مصائر الشعوب لم تعد تُقرر في صناديق الاقتراع، بل في دهاليز "الخوارزميات المشفرة" و"النبض الكهرومغناطيسي". القبة السوداء: التكنولوجيا ك "مقصلة" غير مرئية تشير الوقائع الميدانية إلى أن سقوط سيف الإسلام لم يكن ثمرة ثغرة أمنية محلية، بل نتيجة "تعتيم تكنولوجي جراحي" فائق الدقة. إن تعطيل منظومات المراقبة والتشويش المكثف على الترددات العالية (HF) قبل العملية بدقائق، يقطع باليقين بأن المنطقة عُزلت تقنياً داخل ما يُعرف ب "القبة السوداء". هنا تجلى الوجه القذر للمخابرات الدولية؛ حيث استُخدمت إحداثيات (Live GPS) فائقة الحساسية، استُخلصت من هاتف فضائي كان يُظن أنه "حصن منيع"، ليتحول وسيلة تواصله مع القوى الدولية إلى "بوصلة للموت". لقد أثبتت هذه العملية أن "التكنولوجيا" أصبحت الأداة الأقذر في ترسانة المخابرات، حيث تستطيع تحويل أدوات النجاة إلى مشانق تقنية صامتة. صراع الأقطاب: ليبيا في عين العاصفة "الجيوسياسية" لقد مثل سيف الإسلام لروسيا "المفتاح الشرعي" الوحيد للعودة إلى مياه المتوسط بصفة تعاقدية سيادية لا تشوبها شائبة قانونية. فالفوز الذي تنبأت به مراكز الدراسات بنسبة تتجاوز 60%، كان سيمنح الوجود الروسي في "طبرق" أو "سرت" شرعيةً دوليةً تقصم ظهر النفوذ الغربي. ومن هنا، جاء قرار الاغتيال كرسالة "جيواستراتيجية" حاسمة من حلف "الناتو" وواشنطن: "تحويل ليبيا إلى طرطوس ثانية خط أحمر دون الرماد". لقد ذُبح المشروع السياسي لسيف الإسلام قبل أن يرى النور، ليُجهض حلم "دولة الحياد الإيجابي" وهي لا تزال في طور المخاض. الثغرة القانونية: لماذا تعجز "السيادة" أمام "الاختراق"؟ من منظور حقوقي وقانوني، تكشف هذه العملية عن فجوة مرعبة في القانون الدولي، فنحن أمام نوع جديد من "العدوان السيبراني" الذي يتجاوز مفهوم الحروب التقليدية: * غياب اتفاقيات الدفاع السيبراني: تفتقر الدول النامية لاتفاقيات دولية تحمي "رموزها السيادية" من التتبع الرقمي العابر للحدود. * الاستعمار الرقمي: سيطرة الشركات الكبرى وأجهزة المخابرات على "خوادم" الاتصالات الفضائية تسقط الحصانة القانونية، وتحول "السرية" إلى بضاعة في سوق النخاسة الاستخباراتي. السيدة صفية فركاش.. "خنساء العرب" والوجع الرابع على ضفاف هذا الصراع التقني البارد، تبرز مأساة إنسانية تهز الوجدان. فالحاجة صفية فركاش، الصابرة المحتسبة، تودع اليوم "سيف الإسلام" شهيداً رابعاً، ليلحق بركب إخوته (سيف العرب، المعتصم بالله، وخميس) ووالدهم العقيد معمر القذافي. لقد جسدت هذه العائلة نموذجاً في التمسك بالتراب الوطني، رافضةً كل إغراءات "المنافي الذهبية". نظارة سيف الإسلام.. الرؤية التي لا تُحجب إن مشهد سقوط نظارة سيف الإسلام يعيد للذاكرة مشهد سقوط نظارة المجاهد عمر المختار. وكما التقط طفل ليبي نظارة المختار قديماً، هناك جيل جديد سيلتقط "الرؤية الوطنية" والنهج الذي حمله سيف الإسلام. قد يصادر القتلة "حقيبته التقنية"، لكنهم عجزوا عن مصادرة "الشرعية التاريخية" التي ستظل تؤرق مضاجعهم. رحل سيف الإسلام، تاركاً خلفه وطناً يلملم جراحه من بين ركام الحروب الإلكترونية، وعائلةً نقشت اسمها بمداد من الثبات في أنصع صفحات التاريخ العربي المعاصر.