كان عام 2025 ساحة اختبار لإرادة الشعوب. من غزة التي قاومت ونزفت واحمرّت أرضها بالدماء، إلى اليمن التي ساندت ودعمت وقدّمت عددا من قادتها شهداء، إلى إيران التي ردّت فزلزلت الكيان، كانت الأمة على موعدٍ مع الألم... ومع الأمل في وقت واحد. بدأ العام مواصلاً ما سبقه من عدوان همجي على قطاع غزة، استُخدمت فيه كل أدوات القتل والتدمير. فدمّرت وقتلت. استُشهد ما يقارب مئة ألف شهيد منذ بدء طوفان الأقصى. ومع كل هذا، فالمقاومة صمدت، وفي المقابل صمتت الأمة. ولكن انفجر الغضب الشعبي العالمي، وخرجت الملايين في العواصم الكبرى تهتف لغزة. وسُيّرت الأساطيل البحرية لكسر الحصار. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية حكمًا بالقبض على رئيس وزراء الكيان المجرم بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه، لما ارتكبوا من جرائم بحق الشعب الفلسطيني. فمُنعوا من دخول عدد من الدول، وحُرموا من المرور بأجوائها، في صفعةٍ قانونية وأخلاقية لكيانٍ طالما ظنّ نفسه فوق القانون. هذا الضغط الشعبي والسياسي أجبر بعض الدول على التحرك ضد نتنياهو. وفي ظل الهجمات اليمنية والفلسطينية وصمودها التي ضاعفت الضغوط على العدو، ولدت مبادرة لإنقاذه، ولكنها كانت أملاً ومخرجاً لشعب أراد أن يعيش بسلام وكرامة. وتكللت هذه المبادرة بمشاهد إنسانية لا تُنسى وهي عودة المواطنين إلى مساكنهم المهدمة والمدمرة يبحثون عن بقايا أشلاء أهلهم. وأيضاً مشاهد أخرى كانت كنسمة خفيفة تطيب القلوب المجروحة: مشاهد تحرير الأسرى الفلسطينيين، وعودتهم إلى أسرهم. لحظاتٍ أبكت العيون فرحًا ووجعًا في آن واحد. لكن العدو، كعادته، خان اتفاق وقف اطلاق النار. واستمر القصف، واستمرت المعاناة. غرقت غزة تحت المطر دون وجود مأوى لأهلها، وجاعت تحت الحصار، والمرض ينتشر، والعالم اكتفى بالتصريحات المؤيدة للمبادرة. وفي خطوةٍ متهورة، أقدم الكيان الصهيوني على شن عدوانٍ على إيران، ظنًا منه أنه قادر على فرض معادلات جديدة. لكن الرد الإيراني كان صاعقًا ومدويًا. اثنا عشر يومًا من الجحيم عاشها الكيان في الملاجئ، تحت وابل من الصواريخ الدقيقة، ما أجبر نتنياهو على الاستغاثة بالأمريكي. ما دفع الأمريكي إلى شن عدوان على مواقع نووية إيرانية. وكان الرد سريعًا أيضًا على العدوان الأمريكي بقصف قاعدة العديد الأمريكية في قطر التي انطلقت منها طائرات العدوان الأمريكي. مرحلة كانت درسًا مؤلمًا للعدو أثبتت فيه إيران أن زمن الضربات المجانية قد ولّى. وأما اليمن فقد واصلت الصواريخ والمسيرات دكّ أراضي العدو، مساندة لضربات المقاومة الفلسطينية، في تناغمٍ عسكريٍّ لافت. كانت الرسالة واضحة: "نحن أمة واحدة، ودمنا واحد، وعدونا واحد." فاستمر الحصار البحري وتساقطت سفن العدو في البحر بالصوت والصورة، وتحوّلت المياه إلى مقبرةٍ لأطماع العدو. وتم إيقاف ميناء ام الرشراش المحتل وأضيف إليه حصار جوي أدى إلى توقف مطار اللد، وألغيت آلاف الرحلات الجوية إليه. ولم يكن العام أقل قسوة في اليمن مما جرى في غزة. فقد ودّعت صنعاء نجومًا كانوا لها النور وسط الظلام: فقد استُشهد عدد كبير من أبناء الشعب اليمني قادة ومواطنين، وكان على رأسهم رئيس الحكومة احمد غالب الرهوي وعدد من الوزراء، إلى جانب القائد الكبير الفريق الركن محمد عبدالكريم الغماري، رئيس هيئة الأركان العامة، والقائد زكريا حجر وعدد من زملائه ومرافقوه، إضافة إلى كوكبة من القادة والمواطنين، جراء الاعتداءات الصهيونية المتكررة على اليمن لإجبارها على وقف الدعم والإسناد لغزة. كانت مراحل موجعة، لكنها لم تُسقط اليمن، بل زادتها قوة واستبسالًا وصلابة وثباتًا على الموقف وعملًا وجهادًا في نفس الدرب. واستمر السيد القائد رفيقًا في كل أمر وظرف ومرحلة، ثابتًا بتوجيهاته وخطاباته الأسبوعية الملهمة لشعب. وواصل الشعب تلبية نداء قائده والخروج الشعبي الأسبوعي حتى تم الاتفاق وإيقاف الجرائم في غزة. وفي الجبهة الإعلامية، نزفت الصحافة اليمنية دمها. وفارقت عشرات من الزملاء حيث استُشهد 31 صحفيًا من صحيفتي "اليمن" و"26 سبتمبر"، وجُرح آخرون. كانوا شهودًا على الحقيقة، وعيون الشعب في زمن التعتيم. سقطوا وهم يحملون أقلامهم، ليدوّنوا بها الأحداث ويفضحوا المجرمين والمعتدين بجرائمهم. حتى آخر لحظات حياتهم، فقد أزعجوا العدو بحروفهم فاستهدفهم فكانوا شهداء الكلمة. وفي الجانب الأمني، واصلت الأجهزة الأمنية اليمنية إنجازاتها، وأحبطت مؤامرات كانت تستهدف الشعب والوطن، وكشفت عن خطط إجرامية للعدو الصهيوسعودي. وفي لحظةٍ كونية نادرة، شهد العالم خسوفًا قمريًا دمويًا. احمرّ القمر في السماء، وكأنّه ينزف مع غزة، ويبكي شهداء الأمة. فكان رمزًا سماويًا لحال أمةٍ غارقة في الدم. كان عامًا من الجراح، لكنه أيضًا عامٌ من اليقظة. ارتقى قادة، شهداء، وجبهات مشتعلة، لكن الراية لم تسقط، إنما ازدادت رفعة وشموخًا. لن ننسى، لن نغفر، وسنواصل الطريق حتى يكتب الله لنا النصر العظيم، طال الزمن أو قصر.