للمرة الألف، اهتزّت أرض المقدّسات نبأً أثقل الأكباد، وأدمى الأفئدة.. لم يكن بيانًا عاديًا، بل كان صرخةً في وجه الصّمت، وقذيفةً من نور تُزيل الأقنعة.. أتى النبأ هذه المّرة ليُعلن: لقد ارتقى شهيدًا، ارتقى بعد أن اختار أن تكون كلماته الأخيرة سلاحًا مُصوّبًا إلى خاصرة النفاق، وأن تكون منصّته محكمةً يُدين فيها الظالمين والساكتين. لقد أراد لقاء ربّه خصيمًا للمنافقين، فكان. لقد رحل عن دنيانا فارسُنا الملثم، ليُزيح الموتُ عن وجهه اللثام أخيرًا، فيراه القاصي والداني: عزيزًا مجاهدًا، عظيمًا شهيدًا. لقد ترجّل عن صهوة جواده الأرضي ليرتقي صهوة الخلود، عند عزيزٍ مقتدر. وفي الوقت الذي كنا ننتظر منه بيانًا، جاءنا البيان باستشهاده. كأنه كان على موعدٍ حتمي مع اللقاء، لكنه اختار أن يُؤجج في خطابه الأخير جمرةً لا تنطفئ، وأن يُخلّد اسمه: خصيمَ المنافقين عند الله. أيها الخصوم! أي تحدٍ تواجهون اليوم؟ لقد صار لكم خصمٌ في سجل الأبدية، شاهد عليكم في محكمة العدل الإلهية. كان خصيمًا لكلِّ نفاقٍ يتستر بثوب الصمت، ولكلِّ تخلٍّ يبحث عن حجّة.. كان خصيمًا لكلِّ غارةٍ همجيةٍ استهدفت شبرًا واحدًا في غزة، ولكلِّ دمٍّ طاهرٍ أُريقتْ في ترابها.. دمٌ، ليس ماءً! كان خصيمًا لكلِّ طفلٍ ذاب جوعًا بين ذراعي أبويه العاجزين، ولكلِ صغيرٍ انطفأ من شدة البرد وهو في خيمةٍ لا تقي من قسوة السماء. أما هم، فقد ارتقوا إلى حيث العدالة المطلقة، ليُدينوكم من علياء لا تُنال. وأنتم؟ ما زلتم عالقين في فتات الدنيا، تتقاتلون على موائد الذل والعار، فأيُّ آخرةٍ تنتظركم؟ وأيُّ لقاءٍ مرعبٍ ينتظركم عند الله، يوم تُكشف السرائر، ويُفضح كلّ منافقٍ وجبان؟ لقد ارتقى لأن الله قدر له خاتمةً تليق بمقامه العظيم: الشهادة. نعم، خسرناه. خسرنا قلبه الكبير، وعطاءه الدؤوب، وهمّته التي لا تلين.. فراقه جرحٌ غائر في خاصرة الأمة. نرثيه اليوم، ونودّعه بعيونٍ لا تجف، وقلوبٍ لا تبرح. والله، إنّا لنُحبّ أن تُراق دماؤنا كلّها، ولا نكون يومًا في صفّ خصومك. لكن اعلموا أيها الأعداء: رحيله ليس نقطة نهاية، بل هو شرارة بداية.. بداية لأجيالٍ رأت في رحيله درسًا، وفي دمائه وقودًا. فكم من طفلٍ في غزة خسر جميع أهله، ليرسم اليوم بدمعه ودعائه خارطة الطريق، ويقسم أن يكون الثأرَ السائر على خطى شهيدنا. فأيُّ أقدامٍ أثبتت على أرض الميدان؟ وأيُّ عيونٍ رصدت تحركاتكم في الظلام؟ وأيُّ أيدٍ تشبثت بالزناد دفاعًا عن كرامة أمةٍ بأكملها، بينما حكامها باعوها واشتروا بدمائها الكراسي الواهية، ليصبحوا نعالًا على أقدام المحتلّ؟ اليوم، أُزيح اللثام عن وجه المرعب الحقيقي للصهاينة، الذي لاحقوه لسنوات. لقد رحل جسدُه، لكن صرخته باقية، وعدله آتٍ، ورهبته مرسخة في القلوب. ونقول لكم أيها الأبطال الباقون: والله،إننا معكم. مهما تكالبت علينا خطوب الزمان، ومهما اشتدّ الحصار والعدوان، فلن نقول إلا ما يثلج الصدور ويقوّي العزم: لستم وحدكم.. الله معكم.. ونحن معكم. فاصبروا، فإن نصر الله قريب.