يتوارى العالم مع كل هذه الفوضى التي تخلقها أمريكا و"إسرائيل" لما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط حيث الثروات والمواقع الحيوية. العالم الذي له أيضاً مصالح في المنطقة، ينكفئ في انتظار "ضربات الحظ"، وأمريكا المتفرعنة تتحرك بكل ثقلها من أجل ربيبتها "إسرائيل"، وما بينهما تبقى الشعوب العربية تراهن على ظهور "مخلِّص" ينجيها من فرعون وجنوده لإنهاء حقبة الحروب المزمنة وصوت الانفجارات التي إن صمتت فترة، عادت بشكل أقوى. طوال عقود صوّرت المؤامرةُ الصهيونيةُ، الجمهوريةَ الإسلامية كخطر على البشر وعلى الحياة، وأخذت الجمهورية هذا الحيز الكبير من الاهتمام الأمريكي الإسرائيلي لأنها جمعت بين أكثر عاملين إثارة لمخاوف وقلق الحركة الصهيونية العالمية: الأول بكونها دولة إسلامية ومنهجها إسلامي شكلاً ومضموناً. والثاني بكونها -مع إسلاميتها- دولة قوية، وتمتلك من السلاح ما يمكن أن يمحو وجود الكيان الإسرائيلي. لم يعد اليوم كالبارحة سيظل المجرم "ترامب" حتى آخر لحظة يأمل في الوصول لأهدافه بلا قتال، ليس لأنه يدرك بأن عدوانه خطأ وقفز غير مبرر على المواثيق والقوانين الدولية، فهو المنفوخ بالغطرسة لا يفقه من مفهوم الدولة إلا توظيف القدرات لتنفيذ مهام عصابات القتل والنهب، وإنما لأنه يعي عواقب هذا العدوان ويخشى درجة تأثير رد الجمهورية الإسلامية. يتفق المراقبون وقادة على مستوى العالم بأن الرد الإيراني سيكون ساحقاً وسينهي ما بقي ل"ترامب" من أمل لاستعادة هيبة البلطجي فاقد الإنسانية، وفقط المحتمون بالعباءة الأمريكية والمخدوعون بقوتها هم من يرون في تردد "ترامب" تكتيكاً! حتى وقت قريب كانت موازين القوى تُحسب لصالح أمريكا التي تولي إنتاج السلاح وتطويره كل الاهتمام فهو أداة التعبير الأقوى التي تستند إليها لفرض إرادتها على الآخرين، لذلك فإنها تخصص للتسليح موازنة سنوية تتصدر بها على العالم في هذا المجال، وأمريكا أيضاً هي الأكثر استخداماً لهذا السلاح في عمليات البلطجة التي تنفذها حول العالم بشكل مباشر أو غير مباشر. عامل التفوق هذا لم تعد واشنطن تتفرد به، وتُعد الجمهورية الإسلامية اليوم -وفق تقارير دولية بعضها أمريكية- واحدةً من الدول المتقدمة في القدرات العسكرية، وامتلاك أدوات الردع الحاسم أيضاً وفق التقارير الدولية، وهو ما تستطيع من خلاله طهران لجم العدو الأمريكي والإسرائيلي بدروس قاسية قد تتسبب لهما بالانهيار النهائي. ما عجز المراقبون عن تحليله تريد أمريكا من الجمهورية الإسلامية ليس فقط أن تقوم ذاتياً بتدمير قدراتها الدفاعية، وإنما تمكين واشنطن من التحكم بثرواتها النفطية والمعدنية، في سلوك لا يَجد له المراقبون وصفاً متناسباً مع وقاحته: تدخُّل في الشأن الداخلي بالقوة، وتجريد الدولة من سلاحها الدفاعي، ثم إجبار الشعب على التنازل عن ثرواته. في ذات تصريح قالت مسؤولة في البيت الأبيض "إن النظام في إيران يهدر الثروة"، فكان تصريحاً آخر وقف أمامه المراقبون بخجل، عاجزين عن تحليله، إذ تجاوز كل المعقول وما هو قابل للتداول، وذهب يتناول أمراً لا شأن لواشنطن فيه لا من قريب ولا من بعيد. حتى المنظمة الأمنية لم تخض يوماً في هذا الأمر باعتباره شأناً داخلياً. ثم يزيد المتماهون مع أمريكا على هذا الكلام بأن الثروة في الجمهورية الإسلامية لا تذهب للشعب، وهي مسألة أغرب وتعتلي هرم "الوقاحة"، تُقدِم الدولةَ كجغرافيا وشعبٍ بلا نظام وبلا سياسة، والأصل أن الدولة هي المسؤولة عن إدارة مواردها المالية وفق الخطط التي تضعها لعملياتها التنموية، ولا حق للضئيلين في تفكيرهم التدخل. أمريكا التي سيتم استهدافها في الأثناء يبرز شاهد آخر مؤلم على حال الأمة، إذ تقف بسلبية عالية الجودة تجاه ما يتهدد أمنها، والأكيد أن هذا التعاطي العربي والإسلامي السلبي تجاه التحشيد الأمريكي ونوايا استهداف دولة مسلمة لا ينم إلا عن جهل سياسي، وهو ذاته السبب الذي يقف خلف كل هذا التخلف الذي تعاني منه هذه الأمة اليوم لجهة تأخر نموها كقوى قادرة على التأثير، أو على الأقل تشكيل أي مستوى من الردع لأي نوايا عدوانية تجاهها. لم تُجْدِ هذه التناولات التي تقرأ الأحداث وما تنبئ عنه من مصير للمنطقة نفعاً، إذ لا يزال هذا الجهل يفضح حقيقة هذه الأنظمة التي -حتى وإن اكتوت بنار الفوضى الأمريكية الجديدة- ستبقى فقط تُلمّع أسلحتها الصدئة "ليوم الشِّدة"!. وخلال الأيام الماضية تواترت التصريحات لقادة الجمهورية الإسلامية تؤكد أن أي صراع محتمل مع أمريكا سيطال كل المنطقة تقريباً، خصوصاً تلك الدول التي ستكون بمثابة منصات إطلاق للهجمات الأمريكية، فالجمهورية الإسلامية إذا ما تعرضت لعدوان لن تقف لا حول لها ولا قوة، ولن تتجه لمحاربة طواحين الهواء، بل سترد على أمريكا بالضربات الرادعة، وأمريكا هي في قواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة، وفي حاملات الطائرات والقطع البحرية الأخرى. لا أحد يثيره هذا الصلف الأمريكي والإصرار على المحاولات لالتهام ثروات إيران وتقليم قدراتها، مع ذلك فإن طهران لا تراهن على أي تحرك عربي يبعد شبح الإعصار القادم على ما يسمى "الشرق الأوسط" بسبب همجية "ترامب". وحدوث التداعيات مسألة حتمية، وتأثر دول المنطقة مسألة طبيعية، فإيران -وفق تأكيد قادتها، وما كشفت عنه حرب ال(12) يوماً- لا يمكن إلا أن ترد، وهي لم تتسلح لتظل تحصي عدد منتجها من الأسلحة وجاذبية ألوانها، ثم تهدر وقتها في تلميعها، أو تطعيم نشرات الأخبار بفواصل استعراضية لما تملكه، فلا يبدو عليها هذه السطحية في ممارسة الحياة السياسية، وكيفية التعاطي مع التهديدات. حتى مع مفاوضات، فإنها لا تأمن جانب المكر والخديعة الأمريكية، وقد وضعت قواتها المسلحة في "حالة تأهب دفاعي قصوى"، مؤكدة جهوزيتها لكافة السيناريوهات - وفق ما نقلته "رويترز" عن مصدر دبلوماسي إيراني.