الأنظمة العربية اليوم تعيش حالة ركود فاضح، وكسادًا مزمنًا بسبب أزمة الحكم المركزية في العالم العربي المعاصر، والتسلط والقمع وتقييد الحريات الفكرية والسياسية.. فالأنظمة العربية طابعها متقلب وغير مستقر، ذات الطابع التسلطي المترجرج، وهذا ما أدى إلى نشوء الصراعات الداخلية والإقليمية بين تلك الدول.. لا بد من القول إن أزمة الأنظمة العربية اليوم تُعد من أهم وأخطر الأزمات التي عانت كثيرًا منها الدول العربية، والسبب في ذلك أنهم لم يتحركوا في بيئة سياسية شرعية ذات دستور وأسس قانونية وديمقراطية، وتناسَت كل حقوق الفرد والجماعات والمجتمع.. ما يحصل اليوم في كثير من الدول العربية هو نتيجة الأنظمة الفاسدة المستبدة، والتجائها إلى قمع الحريات وتكميم الأفواه، ومصادرة الحقوق والواجبات، وهذا راجع إلى أن تكون الدولة وعاءً لسياسة تعكس المصالح الوطنية العامة، وكذلك عجزها عن إشاعة مفهوم الدولة الديمقراطية والقانونية.. دولة النظام والقانون.. فالدول العربية التي اجتاحتها الحروب المدمرة كما جرى في لبنان والسودان وليبيا وسوريا، أو سقوط الدولة كما جرى في العراق، أو وصولًا إلى حافة الهاوية أو تلاشيها كما جرى في الصومال.. بالرغم من أن النخب السياسية في كثير من الدول العربية أدركت منذ أمد بعيد عمق الأزمة في تلك الدول العربية المعاصرة، لكن هذا الإدراك – رغم أهميته – ما فتئ عرضة للتعسف الأيديولوجي والحزبي والمناطقي، النابع من موقف فكري ومذهبي ومناطقي معين.. فالقضية الكبرى التي تعاني منها معظم الدول العربية هي تنامي نفسية وذهنية الولاء الفردي والاجتماعي لكيانات ما قبل الدولة، مثل الانتماء الجهوي والمناطقي والمذهبي والطائفي والتبعي والديني، فهي مظاهر تشير من الناحية العامة إلى وجود خلل في أنظمة وشرعية الدولة العربية المعاصرة، وخير مثال على ذلك ما يحدث الآن في لبنان والسودان وسوريا وليبيا والصومال.. صفوة القول: فالخطر الذي يواجه الدولة العربية المعاصرة اليوم هو عجزها عن إعادة صياغة رؤيتها السياسية، والخطر الأكبر أن تلك النخب السياسية الحاكمة، مهما تباينت أنماطها وأشكالها في نظم ملكية أو جمهورية، لم تدرك بعد أنه آن أوان توسيع إطار دائرة الحكم، وإشراك عناصر جديدة من شتى النخب العربية المثقفة والمؤهلة في دوائر الحكم، وعدم استئثار أفراد محددين من الأسر المالكة أو أعضاء الحزب الحاكم أو الجماعة الحاكمة.. وفي ضوء ذلك قد يكون أجدى لأهل الحكم والسلطان في العالم العربي أن يقوموا بعملية حوار ديمقراطي نزيه، يشمل كافة أطراف المعارضة والمثقفين وممثلي مؤسسات المجتمع المدني دون استثناء، لإعادة صياغة الحكم بصورة ديمقراطية تكفل توسيع أطر المشاركة السياسية.. ومن هنا ندرك أهمية صياغة السياسات الاقتصادية بما يكفل تحقيق مطالب واحتياجات التنمية البشرية المستدامة في ظل رؤية واقعية لتحقيق العدالة الاجتماعية، والإصلاح الإداري والقضائي، واحترام وحماية حقوق الإنسان.. لأن الخوف لا يصنع إبداعًا، مثلما أن القهر لا يصنع إنسانًا وفيًّا ونزيهًا.. أخيرًا لا يبدو في الأفق بصيص أمل في تحقيق حل عادل للأنظمة العربية المستبدة، وهو ما يُنبئ بفصل جديد من العنف والتوتر في كثير من الدول العربية.. المطلوب حاليًا في ظل الأوضاع الراهنة والمعطيات القائمة هو المحافظة على ما تبقى من إنجازات، ومنع التدهور والنكوص إلى نقطة الصفر، من خلال إطلاق حوار وطني شامل وحقيقي بين كافة الأطراف الفكرية والسياسية والحزبية، وضرورة إنجاز عقد اجتماعي وسياسي وطني يشكل مرجعية لكل الفصائل والأطراف المناوئة. وفي حالة عدم التوافق بين تلك الأطراف ستكون الأجواء ساخنة، والانتقال إلى مرحلة التدخلات الإقليمية والدولية والأممية، والصراعات والحروب الدامية التي قد تهلك الحرث والنسل.. نافذة شعرية: الأرض تدور.. لا يغطي نصفها الديجور.. ولا تضم سوى القبور.. إلا الدمى والزهور.. وكل ما كان وما يكون.. مقدّر.. مكتوب.. فأنتم الأسياد.. ونحن في بلاطكم طنافس.. وخدم نسوس حظائر الجياد.. نموت من أجل عيون قطط الأمير.. ولمعان ذهب اللصوص والتجار.. ونحن في جنازة الغروب.. شعب فقير.. جائع مغلوب.. إذا أردتم سادتي أقول: ما قاله الشاعر للسلطان.. عبر عصور القهر والهوان.. نحن بركان بلا دخان..